09/05/2026
مقال للأستاذ الدكتور محمد عباس محمد
عضو الهيأة الإدارية للجمعية العراقية للدراسات التربوية والنفسية
سيكولوجية الرقم الاجتماعي
أو ( الرقم الاجتماعي في منظور علم النفس السيبراني) :
هو مفهوم معاصر يشير إلى التأثير النفسي العميق الذي تُحدثه الأرقام الكمية المرتبطة بوجودنا الاجتماعي على الإنترنت (مثل عدد المتابعين، الإعجابات، المشاركات، المشاهدات) على مشاعرنا، تقديرنا لذاتنا، وسلوكنا.
هذه الظاهرة هي مزيج بين علم النفس الاجتماعي وتأثير التكنولوجيا، ويمكن تحليلها من عدة زوايا:
1. التحول من القيمة الذاتية إلى القيمة الرقمية :
في الماضي، كان تقدير الذات يُبنى على عوامل نوعية / مثل العلاقات الشخصية العميقة، الإنجازات الحقيقية، والشعور بالانتماء. اليوم، أصبحت هذه القيمة تُقاس بشكل ملموس بواسطة (الرقم الاجتماعي) على المنصات بحيث يصبح عدد المتابعين والإعجابات مقياس للشعبية والقبول والقيمة الاجتماعية.
· بالتالي نفوّض جزء من مشاعرنا لرقم. ارتفاع الرقم يمنحنا دفعة من السعادة والثقة، بينما انخفاضه أو ثباته يمكن أن يسبب القلق، الحزن، أو الشعور بعدم الكفاية.
2. آلية المكافأة فسيولوجيا :
تعمل منصات التواصل الاجتماعي على استغلال نظام المكافأة في الدماغ بشكل مشابه للإدمان.
- الإشعار : ظهور إشعار بإعجاب أو تعليق.
- المكافأة : إفراز الدماغ لمادة الدوبامين، التي تخلق شعورا لحظيًا بالمتعة والمكافأة.
- التكرار : نكرر السلوك (النشر، التفاعل) بحثًا عن تلك المكافأة مرة أخرى.
هذه الدورة تجعلنا مدمنين على التحقق من أرقامنا باستمرار بحيث أصبحت هذه الأرقام هي المؤشر الملموس للمكافأة.
3. الانحياز للظهور المثالي:
نسعى لنشر ما يبدو جيدًا (الصورة المثالية، الإنجاز) لزيادة الأرقام، بينما نخفي الصعوبات والجوانب العادية. هذا يخلق ضغطًا نفسيا لنتصرف بشكل مثالي، ويخلق صورة غير واقعية للآخرين.
وبالنسبة للتأثير النفسي السلبي للارقام على منصات التواصل الاجتماعي يمكن تحديدها بالاتي:
1. قلق الأرقام : القلق المستمر من عدم الحصول على إعجابات كافية، أو فقدان متابعين.
2. الخوف من فقدان الفرص (FOMO): الخوف من تفويت منشور أو حدث قد يزيد من تفاعلنا وأرقامنا.
3. تآكل الهوية الحقيقية: نبدأ في تشكيل هويتنا بناءً على ما يحبه المتابعون بدلاً من قيمنا الحقيقية.
4. الإرهاق والاحتراق النفسي (Burnout): الضغط المستمر لإنتاج محتوى والحفاظ على التفاعل.
5. الوحدة رغم الاتصال: يمكن أن نشعر بالوحدة لأن معظم التفاعلات سطحية وتركز على الأرقام وليس على التواصل الإنساني العميق.
في الخاتمة :
الرقم الاجتماعي قوي لأنه يلبي حاجات إنسانية أساسية مثل القبول والانتماء. المفتاح ليس في التخلي عن التكنولوجيا تمامًا، بل في استخدامها بوعي بحيث تظل أداة نتحكم فيها بدلاً من أن تتحكم هي في مشاعرنا وقيمتنا الذاتية.
تذكر: أنت أكثر من رقم.