14/05/2026
فيزياء (الكم) والعلم الرباني
من قراءة المادة إلى معرفة المعنى ...
إن العلم الرباني هو سعي لمعرفة النفس بمعرفة علل الأشياء والوقوف على الحكمة منها، كما أن العلم الكوني وفيزياء الكم هو سعي لاكتشاف البنية الخفية للوجود والقوانين الدقيقة التي تنتظم بها حركة الأشياء في الكون.
فكلما تعمّق الإنسان في أسرار الوجود ازداد اقترابا من إدراك أن هذا الكون ليس فوضى عمياء بل نظام دقيق قائم على الحكمة والتقدير. ومن أكثر العلوم التي هزّت التصور المادي الحديث فيزياء الكم لأنها فتحت بابا لفهم جديد للوجود يتجاوز ظاهر المادة إلى ما وراءها.
لقد كان الإنسان يظن أن الكون آلة صلبة ثابتة تتحرك بقوانين جامدة لا غيب فيها حتى جاءت فيزياء الكم لتقول إن الجسيم الواحد قد يكون في أكثر من حالة وإن المراقبة تؤثر في النتيجة وإن المادة في أصلها ليست شيئا صلبا كما نتخيل بل احتمالات وطاقات وموجات خفية عن ظاهر الحس.
وهنا يبدأ التأمل الفطري المعرفي الرباني. فإذا كانت المادة التي نراها يقينا بالحواس ليست ثابتة كما نظن فكيف يطمئن الإنسان إلى ظاهر الدنيا ويغفل عن باطنها؟ وكأن العلم الحديث يعيد الإنسان إلى أول نداء سماوي: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾.
إن فيزياء الكم لا تثبت الدين بصورة مباشرة لكنها تكسر غرور العقل المادي والعقيدة الظنية للتدين البشري الذي حصر الحقيقة فيما تراه العين فهي تفتح باب الاعتراف بأن وراء هذا العالم أسرارا أعظم من إدراك الإنسان المحدود.
ومن المعاني العميقة في هذا الباب أن الوجود في عالم الكم يتأثر بالملاحظة أي بقراءة معنى الشيء قراءة واعية وكأن الحضور والوعي لهما أثر في تشكيل النتيجة. وهنا يتأمل الباحث في قول الله تعالى: ﴿إن الله كان عليكم رقيبا﴾. فحضور الإنسان القلبي ووعيه ليس أمرا هامشيا بل له أثر في تكوين شخصيته ومساره وسلوكه. فمن يراقب نفسه بنور معنى الله تتغير داخله النتائج قبل الظواهر.
وكذلك فإن التشابك الكمي حيث يبقى جسيمان متصلان رغم المسافات يفتح بابا للتفكر في وحدة النظام الكوني وترابط الخلق. فالكون ليس أجزاء منفصلة تعيش بلا رابط بل كل شيء فيه مرتبط بأمر واحد: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾.
العلم الرباني لا يرفض الفيزياء بل يحررها من التفسير المادي الضيق. فالعلم إذا انفصل عن الحكمة صار وسيلة قوة بلا معنى أما إذا اتصل بمعرفة معنى الله صار طريقا لفهم سننه في الخلق.
ولهذا كان الأنبياء يدعون الإنسان إلى القراءة الواعية: ﴿اقرأ باسم ربك﴾. أي اقرأ الكون والنفس والحياة لكن لا بعين الغفلة بل بعين ترى أن وراء كل قانون حكمة ووراء كل نظام منظم ووراء كل أثر حقيقة إلهية تحفظ الوجود.
إن أخطر ما في العصر الحديث ليس تطور العلم بل أن الإنسان ظن أن امتلاك الوسائل يغنيه عن معرفة الغاية. فصار يعرف كيف يصنع لكنه يجهل لماذا يعيش. يعرف أسرار الذرة لكنه يجهل أسرار نفسه. بينما العلم الرباني يبدأ من معرفة النفس لأن من عرف نفسه عرف فقره ومن عرف فقره عرف ربه.
وهكذا فإن فيزياء الكم حين تقرأ بعقل متكبر قد تزيد الحيرة أما حين تقرأ بقلب متأمل فإنها تتحول إلى نافذة يرى الإنسان منها عظمة الخالق وضعف إدراكه واتساع الغيب الذي يحيط به.
قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾. وهذا بالضبط جوهر رسالة الأنبياء والأولياء ووجود إمام رباني في كل زمن يدعو الإنسان إلى قراءة الوجود بنور الهداية لا بظلمة الغفلة.