16/04/2026
قبل أن تتكشف المآلات النهائية لـ "وقف إطلاق النار" في الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، أو يتضح مصير الهجوم على لبنان، أزاحت أحداث العنف في الأسابيع الستة الماضية الستار عن المنطق الجوهري للصراع الذي نخوضه. وفي خضم حرب لا تنتهي، تتبدل الأهداف والخصوم ولكن تبرز خطوط ثابتة لا تتغير.
-
يُثبت الهجوم المُمنهج على المرافق الصحية والكوادر الطبية في لبنان وإيران، والذي تجاوز مئة هجوم وأسفر عن مقتل عشرات القتلى من الكوادر الطبية، يؤكد أن إلحاق الضرر بالقطاع الصحي هو استراتيجية ثابتة. ويتوازى ذلك مع تدمير شامل للبنية التحتية المدنية، مما يشكل انتهاكا صارخا لحق الآلاف في الصحة والخدمات الأساسية من مياه ونظافة ومأوى. كما تضرب هذه الهجمات مقومات البقاء للفئات الأكثر هشاشة لا سيما الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة وذوو الإعاقة. لقد كشف توثيقنا وتحليلنا للضرر الذي أصاب النظام الصحي في غزة عن هذه الأثمان الباهظة والمخاطر المستقبلية المحدقة، وفي ظل غياب موقف دولي حازم يفرض حماية المنشآت الصحية، نجد أن الاستثناء بات هو القاعدة.
-
إن تحويل الانتباه نحو العدو الخارجي يكشف مجددًا أوجه الإهمال الداخلي، ليس كل سكان هذه البلاد يدفعون ثمنًا متساويًا جراء خوض حرب جديدة. ستة أسابيع من الاستنزاف لا تعني الشيء نفسه لمن يملكون المال وغرفة محمية في بيوتهم، ولمن يضطرون إلى تقاسمه أو اللجوء إلى الملاجئ العامة، ولا لتلك المجتمعات الكثيرة التي تركت من دون أي حماية. اضطررنا خلال الحرب للنضال حتى لا يُستغل الغياب التام للحماية في القرى غير المعترف بها في النقب ذريعةً لإغلاق العيادات، وما يترتب على ذلك من أذى إضافي لسكانها.
-
تتواصل الحرب وتتنقل من "جبهة" الى "جبهة" بينما يسود ما يسمى "صمت إطلاق النار"، كما تتجه وسائل الإعلام من استوديوهات وصحف وشبكات نحو الشرق والشمال، ويتراجع الاهتمام الشعبي المحدود أصلا بما يجري من إبادة جماعية مستمرة في غزة. وفي ظل هذه الحرب، تُعزل غزة، وتُحرم من إدخال المساعدات الكافية، وكذلك من مواد البناء وإعادة الإعمار. منظومة صحية منهارة تعني استمرار التدهور في أوضاع آلاف الجرحى والمرضى وصولا إلى الموت. ولا يزال 18 ألف مريض عالقين من دون علاج، وباسم "صمت إطلاق النار" رفض قضاة المحكمة العليا النظر في التماسنا بشأن الحاجة العاجلة لنقلهم إلى المستشفيات التي تنتظرهم في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
-
تؤذينا هذه الحرب وتطال الجميع دون استثناء، مُستنزفة الأجساد والنفوس والممتلكات، ويتجلى هذا العبء بوضوح لدى مقدمات الرعاية اللواتي يبذلن جهودا مُضنية في ساحات المستشفيات، ويعتنين بالمرضى في المجتمعات المحلية، ويقدمن الدعم النفسي للمنهكين في أصعب الظروف. متطوعات ومتطوعو عياداتنا، في يافا وعموم الضفة الغربية، يقدمون الرعاية بتفانٍ مُعرّضين أنفسهم للخطر وتحت ضغوط شديدة، وهم يهرعون بحثا عن مأوى أو يعيشون في خوف على الطرقات.
-
لكن الحرب الأبدية التي تنتهجها وتغذيها حكومة إسرائيل بدعم سياسي واسع، تُهدر قيمة الحياة الإنسانية ومعاني الرحمة والتعاطف. هذه القيم هي البوصلة التي توجهنا كمقدمي رعاية ومدافعين عن حقوق الإنسان، والنضال من أجل هذه القيم اليوم بات أصعب من أي وقت مضى، لكنه في الوقت ذاته أصبح أكثر وضوحا وجلاء. إما التمسك بهذه القيم أو الاستسلام.