17/08/2026
علّمني الشهر الذي مضى، منذ تولّيت منصب المديرة العامة لأطباء لحقوق الإنسان، والسنة والنصف قبله في عملي كنائبة مدير البرامج، عن المكسور والكامل، وعن الانقسام والالتحام في عملنا.
نحن نعمل من داخل دولة تنخرط أذرعها العسكرية والمدنية في قمع الشعب الفلسطينيّ، فيما تشارك أجزاء واسعة من المجتمع اليهوديّ في ذلك، إمّا عن طريق تشجيعه أو غضّ الطرف عنه. داخل هذا الواقع، تجري محاولة محكوم عليها بالفشل للفصل بين حيّز "ديمقراطي" يُفترض أنه يمكن مناقشة الحقوق والمساواة فيه، وبين حيّز تُطبَّق فيه قواعد أخرى، قواعد من التدمير والإبادة الجماعية..
تُضاف إلى ذلك انقسامات أخرى: تقطيع أوصال الحيّز الفلسطيني وتفتيت الجهاز الصحّي الفلسطيني، الأمر الذي يُلحق ضررًا بالغًا بسكان هم في أمسّ الحاجة إلى مؤسساتهم الصحية، ولهم الحقّ فيها، فضلًا عن تكريس "تصنيفات" لا حصر لها للمعتقلين الفلسطينيين، مما أتاح سجن آلاف الأشخاص، ومن بينهم طواقم صحية، من دون توجيه لائحة اتهام وفي ظل تطبيع معسكرات التعذيب..
تستمر الانقسامات داخل إسرائيل. فسحب الدولة للتأمين الطبي لجميع الأطفال الذين لا يملكون مكانة قانونية يضع حاجزًا بين الأطفال في الروضة نفسها، بعضهم مستحقون للتأمين الصحي وبعضهم محرومون من هذا الحق على خلفية أصول والديهم. وفي ظل الجهاز الصحّي ذاته، هناك من سيتلقّون خدمات طبية أقل بكثير وبجودة متدنية، في بلدةٍ ما، مقارنة ببلدة أخرى تجاورها، على خلفية فجوات بنيوية تتعلق بالقومية والمكانة الاجتماعية الاقتصادية..
إن الكَسر الحاصل هو التجزئة في الحيّز. الانقسام الذي يُضعف. كل مشكلة على حدة وكل جماعة على حدة..
أما مهمة أطباء لحقوق الإنسان فهي تحقيق الكامل. إدراك أن ما يُفعل في الحيّز كلّه يؤثر في الحيّز كلّه، الوصل بين طفل مواطن وطفل بلا مكانة قانونية، والنضال ضد التفتيت المستمرّ لمنظومة الصحة الفلسطينية، والإصرار على وجودٍ موحَّد، متّحد، متواصل ومترابط يصنع التضامن والتكافل المتبادل..
لم أكن لأتمنى لنفسي مجتمعًا أفضل من ذلك الذي التقيته في أطباء لحقوق الإنسان لأواصل معه قيادة الطريق الذي أمامنا، بدءًا من الطاقم ومجلس الإدارة، مرورًا بالمتطوعات والمتطوعين من مجتمع العاملين في الصحة ومن دوائر أخرى، وصولًا إلى الداعمين الكثر الذين يتيحون لنا مواصلة نشاطنا..
من خلال كل من يشكّلون المنظمة، نمسك بالصورة الكبيرة، صورة المكسور والكامل.
بل وأكثر من ذلك: إن السعي إلى تحقيق الكامل يعني أيضًا أن ينظر بعضنا إلى بعض في أرجاء مجتمع أطباء لحقوق الإنسان بعين الرحمة، لكي نتمكن من العمل داخل الهوّة الرهيبة بين المكسور وصورة الكامل، وأن نؤمن بإمكان تحققها - حيّز تُفكَّك فيه منظومة التفوق، وتتحقق فيه العدالة، وتُمارَس فيه مساواة كاملة فردية وجماعية، ويُصحَّح فيه ظُلم تاريخي.