29/08/2026
كيف يصنع السوريون ديكتاتورًا؟
ليس السؤال فقط:
كيف يصل الديكتاتور إلى القصر؟
السؤال الأصعب:
من جعله قادرًا على البقاء فيه؟
فالديكتاتور لا يحكم وحده، ولا يستطيع أن يراقب ملايين الناس بنفسه.
وراءه دائمًا شبكة تحميه.
2/12
في سوريا، كما في غيرها، لا يحتاج الحاكم إلى أن يحبّه الجميع.
يكفيه عدد صغير من الأشخاص الذين يملكون القدرة على حمايته:
أجهزة أمن، قيادات عسكرية، مسؤولون، رجال أعمال، إعلاميون، وشبكات مصالح.
هو يحمي مصالحهم، وهم يحمون سلطته.
3/12
وغالبًا تبدأ الحكاية من أزمة.
حرب، فوضى، مؤامرة، خطر خارجي، أزمة اقتصادية أو انقسام داخلي.
ثم يظهر الحاكم ويقول:
"البلد بخطر، وأنا أستطيع إنقاذها."
تبدأ السلطة مؤقتة...
ثم نكتشف بعد سنوات أنها أصبحت دائمة.
4/12
بعدها لا يقول الحاكم:
"أنا ديكتاتور."
بل يصبح:
القائد، المنقذ، حامي الوطن، الأب، رجل الشعب، أو الرجل الضروري.
وقد تتحول صورته إلى جزء من الحياة اليومية:
في الشوارع، المدارس، المؤسسات، الإعلام، والعملات.
حتى يصبح من الصعب تخيل الدولة من دونه.
5/12
ثم تأتي الانتخابات.
صناديق اقتراع، حملات، شعارات، ونسب تأييد مرتفعة.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
هل توجد انتخابات؟
بل:
هل يستطيع المواطن أن يقول "لا" ويغيّر الحاكم؟
إذا كانت النتيجة معروفة مسبقًا، فالانتخابات تصبح مسرحًا سياسيًا.
6/12
وهنا تحدث أخطر مرحلة.
قد يكون آلاف الناس غير راضين، لكن كل واحد يعتقد أنه وحده.
واحد يخاف من الآخر.
والآخر يخاف من جاره.
والجميع يتظاهرون بأنهم موافقون.
فيظهر النظام أقوى مما هو عليه.
الخوف لا يمنع الناس من الكلام فقط؛
الخوف يمنعهم من معرفة أن الآخرين يفكرون مثلهم.
7/12
ثم يأتي الاقتصاد.
إذا كان المواطن يحتاج إلى الدولة في كل شيء:
وظيفة، رخصة، مساعدة، عقد، واسطة، خدمة...
فهو يصبح أكثر اعتمادًا على السلطة.
أما عندما يكون هناك اقتصاد مستقل، وقطاع خاص حقيقي، وطبقة وسطى قوية، ومؤسسات مستقلة، يصبح المواطن أقل خوفًا من الحاكم.
8/12
ولهذا فإن الفقر ليس مجرد مشكلة اقتصادية.
والفساد ليس مجرد سرقة.
والواسطة ليست مجرد عادة اجتماعية.
كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات سياسية عندما يصبح رزق المواطن مرتبطًا برضا المسؤول.
عندها يصبح المواطن مضطرًا للصمت كي يعيش.
9/12
ومن أخطر الأدوات أن ينشغل السوري بالسوري:
طائفة ضد طائفة.
منطقة ضد منطقة.
مدينة ضد مدينة.
قوم ضد قوم.
عندها نبدأ بسؤال:
"من المشكلة؟"
بدل أن نسأل:
من يحكم؟
من يملك المال؟
من يملك السلاح؟
من يقرر؟
ومن يحاسب؟
10/12
وهنا نفهم شيئًا مهمًا:
الشعب لا يصنع الديكتاتور دائمًا لأنه غبي أو جبان.
أحيانًا يتصرف كل فرد بطريقة تبدو عقلانية بالنسبة إليه:
"أسكت حتى أحمي عائلتي."
"لا أتدخل حتى لا أخسر عملي."
"لا أتكلم لأن لا أحد سيقف معي."
لكن عندما تتجمع هذه القرارات الفردية، قد تنتج نظامًا لا يريده أحد.
11/12
لذلك لا يكفي أن نسقط شخصًا ونترك النظام كما هو.
إذا بقيت:
نفس الأجهزة،
نفس شبكات المصالح،
نفس اقتصاد الفساد،
نفس الخوف،
نفس غياب المحاسبة،
ونفس احتكار السلطة...
فقد يتغير اسم الحاكم فقط.
ويعود الكرسي نفسه لصناعة ديكتاتور جديد.
12/12
إذا أردنا أن نبني سوريا مختلفة، فلا يكفي أن نسأل:
"من هو الحاكم الجيد؟"
بل يجب أن نسأل:
من يستطيع محاسبته؟
من يستطيع عزله؟
هل يستطيع المواطن تغيير الحكومة؟
هل الجيش والأمن تابعان للدولة أم لشخص؟
هل المال العام مراقب؟
هل القضاء مستقل؟
هل يستطيع السوري أن يقول "لا" دون أن يخاف على حياته ورزقه؟
الدولة الديمقراطية لا تعتمد على صلاح الحاكم.
بل على وجود نظام يمنع الحاكم السيئ من التحول إلى ديكتاتور.
وهذه ربما أهم قاعدة يجب أن نتعلمها في سوريا:
لا نبني سوريا على أمل أن يحكمنا شخص صالح إلى الأبد؛ نبنيها بحيث لا يستطيع أي شخص أن يحكمنا إلى الأبد.