18/06/2026
أنا شغال محصّل مياه.
شغلانة يمكن ناس كتير شايفاها عادية، مملة، كلها لفّ في الشوارع، وطلوع سلالم، وخناقات على الفواتير، ووشوش مقفولة أول ما يشوفوا الكارنيه في إيدي.
بس الحقيقة إن شغلانتي عمرها ما كانت عادية
أنا اسمي حازم، عندي خمسة وتلاتين سنة، متجوز من سبع سنين، وعندي بنت صغيرة اسمها ليلى.
وبقول المعلومة دي من الأول عشان ماحدش يفتكر إني كنت واحد من دول اللي قلبهم خفيف، وبيسيبوا نفسهم لأي كلمة حلوة أو نظرة طويلة.
أنا راجل عادي.
أهو بنطلع نجري ورا العيش، ونرجع آخر اليوم مهدودين، ندور على لقمة ونومة هادية.
لكن في بعض الأيام، اليوم نفسه بيقرر مايبقاش عادي.
وده بالظبط اللي حصل معايا يوم ما طلعت عمارة “الصفا” في آخر شارع المدارس.
العمارة دي أنا حافظها.
قديمة شوية، خمس أدوار، سلمها ضيق، والبلاط بتاع المدخل متكسر من النص، والحيطان مطفية كأنها زعلانة من نفسها.
كان عندي فيها كذا عداد لازم يتراجعوا، لأن في شكاوى جاية من الشركة إن في استهلاك عالي جدًا في شقة بالدور التالت.
بصراحة، الاستهلاك العالي مش حاجة جديدة.
كل شوية نلاقي شقة فيها خرطوم سايب، أو سيفون بايظ، أو حد موصل وصلة من تحت الترابيزة ويفتكر نفسه أذكى من الدولة.
لكن الشقة دي بالذات كان فيها حاجة غريبة.
قراءة العداد فيها بتزيد زيادة مش منطقية.
زيادة تخليك تقول: يا إما عندهم حمّام سباحة جوه، يا إما في حد بيسحب الميه لعمارة تانية.
بصيت في الورقة، لقيت اسم المشترك: مدام نجلاء السيوفي.
طلعت على السلم وأنا براجع الأرقام في دماغي.
الدور الأول خلصته بسرعة.
الدور التاني برضه.
لحد ما وقفت قدام باب الشقة 3 يمين في الدور التالت.
الباب كان بني غامق، عليه عين سحرية قديمة، وتحت العين السحرية فيه خربوش طويل كأن حد مرة دخل المفتاح غلط وهو متعصب.
خبطت مرتين.
ماحدش رد.
خبطت تاني، أقوى.
جالي صوت ست من جوه، واطي بس واضح:
“مين؟”
قلت:
“شركة المياه يا فندم… تحصيل ومراجعة عداد.”
سكتت ثانيتين، وبعدها فتحت الباب فتحة صغيرة.
ومن أول لحظة، حسيت إن اليوم مش هيعدّي على خير.
كانت ست في أواخر التلاتينات تقريبًا.
لا هي كبيرة ولا صغيرة.
ملامحها هادية، بس عينيها فيهم توتر غريب… التوتر اللي تقدر تشوفه حتى لو صاحبه بيبتسم.
وكانت لابسة بيتي عادي جدًا، ومفيهوش أي حاجة ملفتة، لكن طريقتها هي اللي كانت ملفتة.
كانت بتتكلم بهدوء زيادة، وبصوت ناعم زيادة، كأنها حريصة ما تعليش حرف واحد.
بصّتلي من فوق لتحت بسرعة، وقالت:
“اتفضل… أصل أنا كنت فاكرة حد تاني.”
دخلت نص خطوة ووقفت عند الباب، زي ما بعمل دايمًا.
قلت لها:
“أنا محتاج أبص على قراءة العداد بس يا مدام، وفي ملاحظة عندنا على الاستهلاك.”
فتحت الباب أكتر، وقالت بابتسامة خفيفة:
“ما هو العداد جوه المطبخ… تعالى.”
أوقات كتير بدخل، مفيهاش حاجة.
في عمارات كتير العداد بيبقى في منور أو مطبخ أو طرقة داخلية.
فدخلت، وأنا برضه مركز.
أول ما دخلت حسيت بريحة البيت.
ريحة معطّر رخيص ممزوجة بريحة طبخ قديم، وتحتهم كلهم ريحة رطوبة مستخبية.
الصالون كان مترتب زيادة عن اللزوم.
الكنبة متساوية، الترابيزة مافيهاش حاجة، الستارة مقفولة نص قفلة.
البيوت اللي ساكنيها عايزين يبانوا طبيعيين، بيبقى فيها لخبطة بسيطة.
إنما البيت ده كان هادي بطريقة مستفزة.
مشيت وراها لحد المطبخ.
وأنا ماشي، سمعت صوت خفيف جدًا.
زي خبطة حاجة معدنية في حاجة تانية.
وقفت لحظة، فبصتلي بسرعة وقالت:
“ما تركزش… المروحة بتاعة الحمام بتعمل صوت سخيف.”
هزيت راسي وسكت.
أنا أصلًا ماكنتش سألت.
وصلنا المطبخ.
العداد فعلًا كان راكب جوه في جنب الحيطة، تحت الشباك.
بصيت عليه، وسجلت الرقم.
ولما راجعته بالرقم اللي معايا، لقيت الزيادة موجودة فعلًا، ويمكن أكتر من المتوقع.
قلت لها:
“الاستهلاك عالي قوي يا مدام نجلاء. عندكم حنفية سايبة ولا حاجة؟”
وقفت جنبي زيادة شوية، وقالت وهي بتضحك ضحكة صغيرة:
“هو إنتوا كل حاجة عندكم سببها حنفية سايبة؟ يمكن إحنا بنحب الميه.”
بصّيتلها، لقيتها بتبصلي بطريقة مش مريحة.
مش مباشرة، لكن مقصودة.
النوع اللي يخلي الواحد ياخد باله من نفسه، ويقفّل كلامه.
قلت بجدية:
“أنا بس بقول لحضرتك عشان الفاتورة. ولو في تسريب ممكن يعمل مشكلة.”
سندت إيدها على رخامة المطبخ، وقالت:
“طب بص بنفسك… أصل أنا ماليش في الحاجات دي.
يمكن لما راجل من الشركة يشوف، يفهم أحسن.”
الجملة كانت عادية لو اتقالت بطريقة عادية.
لكن هي قالتها بنبرة خلتني أرجع نص خطوة لورا غصب عني.
قلت:
“هو فين الحمام والمطبخ التاني؟”
قالت بسرعة:
“الحمام هناك… بس تعالى الأول اشرب كوباية مية. الجو حر.”
أنا طول عمري ما بحبش أطول في شقة زيادة عن اللزوم.
خصوصًا لما أحس إن صاحب البيت بيحاول يطوّل الزيارة لسبب مش مفهوم.
فقلت لها:
“لا متشكر يا فندم، أنا أخلص بس وأمشي.”
ابتسمت ابتسامة أوسع شوية، وقالت:
“إنت مستعجل ليه كده؟
ولا خايف من القعدة؟” ....
باقي القصة في أول تعليييييييق ⬇️ ⛔️ ⬇️