16/06/2026
في إطار حملة التدوين، التي أطلقها المرصد المصري للصحافة والإعلام، تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، تشاركنا الصحفية سهله المدني تدوينة تعبر عن رأيها ورؤيتها بشأن القضايا التي ترى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة.. إليكم/ن نص التدوينة: الصحافة لم تمت. عندما نكتب عن الصحافة، فإننا نكتب عن شيء يجعلنا نقف أمامه بحب وشوق. نشعر بأنها الروح والقلب، فهي ليست فقط السلطة الرابعة بالنسبة لنا، بل هي يومنا وقدرنا الذي لا نهرب منه، بل نبحث عنه طوال حياتنا.
وعندما نكتب عما تحويه من مشاكل وصعوبات، نجد أن في جعبتها الكثير منها، مما يجعلنا نقف ونراقبها وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة أمامنا، دون أن نستطيع إنقاذها؛ لأننا نحن من يلعب دورًا كبيرًا في قتلها.
أول مشكلة تواجه الصحافة هي أن بعض من يعمل فيها، وليس الجميع، يبيع الوهم والكذب عبر حروفه في كل ما يكتبه. يجعلك ترى الوهم وكأنه قصر تعيش فيه، ويرسم لك حبًا وطموحات وصداقات وعقولًا وقلوبًا ومشاعر لا وجود لها في الواقع، وإنما هي موجودة فقط في خياله. كما يبعدك عن الحقيقة، ويجعلك تكره واقعك وما تعيشه، ويرسم لك أوهامًا لا نهاية لها، حتى إنك قد لا تعرف نفسك، وكأنك إنسان غريب عنها، ولن تدرك ذلك إلا عند لحظة موتك.
والمشكلة الأخرى التي تواجه الصحافة هي أن البعض، وليس الجميع، لا يكون صادقًا معك. فلن تجد من تشاركه حلم بناء صحيفة لها جمهور كبير، وحتى وإن تأكد أنك لن تكذب عليه، فلن يهمه ذلك. سيحاول الاستفادة منك، وعندما يحصل على ما يريده، يتخلى عنك. وبذلك لن تجد من يشاركك هذا الحلم؛ لأنه يفضل أن يخسر على أن يراك تنجح. كما أنك لن تجده صادقًا فيما يكتبه، فهو يرى أن الوهم هو الذي سيجلب له جمهورًا كبيرًا، لا الصدق.
كما أن فقدان التعاون من أجل نجاح الصحف هو ما جعل كل فرد يعمل في هذا القطاع يعمل لمصلحته الخاصة فقط، وهذا ما حدث وكان سببًا في فشل الصحافة وخسارتها وتراجعها بهذا الشكل.
ومشكلة أخرى تعاني منها الصحافة هي التنازلات الجسدية التي يمارسها البعض، وليس الجميع، من أجل النجاح السريع في هذا المجال. فقد يكون الشخص غير موهوب في الكتابة، ومع ذلك يجد من يكتب له، فيصبح صحفيًا أو صحفية ناجحًا رغم أنه غير مؤهل لذلك، ويصل إلى مكانة في عالم الصحافة.
وعندما يحدث ذلك، يصبح قطاع الصحافة مهددًا بالموت؛ لأن الكاتب أو الكاتبة يجب أن يمتلك قلبًا وروحًا، وأن يعرف ما يعانيه المجتمع من أحزان وخسارات، وأن يكتب بشغف كبير دون توقف، وأن يكتب ما يراه دون أن يشعر بالملل.
ومن يبيع نفسه للصحافة بأسلوب غير أخلاقي لن يستطيع أن يحمل رسالة حقيقية. فما الرسالة التي سيقدمها للمجتمع؟
ولكل فرد الحرية الكاملة في جسده وما يفعله به، ولا يحق لنا أو لغيرنا التدخل في هذا الشأن أو الحكم عليه، فهذا ليس من حقنا. ولكننا أمام قطاع يتدمر بسبب أن بعض من يعمل فيه لا يمتلك الموهبة أو الكفاءة اللازمة.
أقلام قُتلت قبل أن تولد، بسبب بعض السياسات غير العادلة وغير الأخلاقية التي يستغلها البعض. وهذه الممارسات لا يعلم بها إلا من يريد العمل في هذا القطاع، فيدركها ويهرب منه بسببها، فتفقد الصحافة جزءًا من مصداقيتها.
ونحن لا نحاكم أو نقلل من شأن أي فرد مارس سلوكيات غير أخلاقية، وإنما نريد ألا تُمارس أي سلوكيات غير أخلاقية داخل قطاع الصحافة؛ لأننا لا نريد لها أن تموت، فبموتها نموت معها، وقد لا ندرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.
والصحافة لم تمت، ولن تموت؛ لأن هناك من يعيش فقط لكي تعيش هي، وتحافظ على مكانتها وقيمتها في المجتمع.