17/01/2026
المهدي و الخضر عليهما السلام
شاءت الأقدار أنْ يصبح المتبوع تابعاً، وأنْ يلوذ غائب بغائب، قد استكملت حلقات الكمال، وبلغت الأدوار الختام، وانكشف سرٌّ من أسرار صاحب العمر المديد، وكما قال الإمام الرضا (عليه السلام): «وَسَيُؤْنِسُ اَللهُ بِهِ وَحْشَةَ قَائِمِنَا فِي غَيْبَتِهِ، وَيَصِلُ بِهِ وَحْدَتَهُ».
ولن يكون الخضر (عليه السلام) وحده في هذه المهمَّة، وإنَّما سيكون واحداً ضمن مجموعة، فقد قال الإمام الباقر (عليه السلام): «وَمَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ»(1)، ومن بين هؤلاء الثلاثين الخضر (عليه السلام).
وقفة تأمُّل:
نظرة واحدة لركب الحجَّة المنتظَر (عجّل الله فرجه) يمكن أنْ نرجع منها بكنز معرفي ثمين.
سنشاهد في الركب شخصين عظيمين، يسيران معه، ويأتمران بأمره، وهما بعض جنوده.
لقد عرضت الروايات صوراً سيراها الحاضرون في عصر الظهور، وسيكون في بعضها روح الله (عليه السلام) مقتدياً بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في صلاته، ومنتظراً لأوامره، وفي بعضها الآخر سترى الخضر (عليه السلام) حافًّا به، يرفع به الله وحشته.
ولا تعجل على الحكم على ما طرحته بين يديك، وهلمَّ إلى الروايات فاقرأها متأمِّلاً.
لقد روى البخاري في صحيحه أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ»(٢).
وروي عن حذيفة أنَّه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «فيلتفت المهدي، وقد نزل عيسى (عليه السلام)، كأنَّما يقطر من شعره الماء، فيقول المهدي: تقدَّم، صلِّ بالناس، فيقول عيسى: إنَّما أُقيمت الصلاة لك، فيُصلِّي عيسى خلف رجل من ولدي، فإذا صُلِّيت قام عيسى حتَّى جلس في المقام، فيُبايعه، فيمكث أربعين سنة»(3).
تأمَّل - عزيزي القارئ - في الرواية، وتوقَّف عند كلمة (فيُبايعه)، فإنَّها تحمل دلالة أوسع ممَّا يُصوِّره الاقتداء في الصلاة، إنَّها البيعة، وما البيعة إلَّا دليل الاتِّباع والاقتداء.
وأمَّا الخضر (عليه السلام) فقد تكفَّلت رواياتنا بالحديث عنه، فنصَّت على كونه مؤنساً للإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ومؤتمراً بأوامره.
لقد جمعت رواية واحدة بين الخضر وعيسى (عليهما السلام)، وهما يأتمران بآمر واحد، وقد سبق أنِ اجتمع مع موسى (عليه السلام)، فلم يستطع معه صبراً، فلقد كُلِّف كلُّ واحدٍ منهما بأمر يختلف عن الآخر، فذاك ابن عمران (عليه