28/09/2025
https://www.facebook.com/share/p/172nEtKyk2/
الوحدة مرتين!.............................
وهو صغير ما كانش يعرف يعني إيه دوشة حلوة للصحاب، ولا دفا الزحمة حوالين لعبة صغيرة، ولا حتى الفرحة إن حد ينادي عليه باسمه وهو بيجري وراه في سباق من غير ترتيب، كان دايمًا لوحده.. لوحده على طول من غير صاحب ولا رفيق..
في النادي، كان يقعد بعيد، بيراقب من بعيد .. بيبص على ولاد زيه في نفس سنه، لابسين هدوم رياضة شيك، والمدرب حواليهم بيزعق شويه وبيضحك شويه.. ويشجع ويصقف.
هما كانوا في عالم.. وهو في عالم تاني .. يقعد على كرسي أو دكة خشب قديمة، بعيده عشان محدش يشوفه وينادي عليه .. يلم نفسه كده ويحط ركبته في صدره، عشان الفرق بينه وبينهم كبير .. يقعد ويبص عليهم بنظرة فيها سؤال بيكتمه جواه: "هو أنا ليه مش وسطهم؟"
نظراته كانت خليط من دهشة وغيرة ووجع، كأنه بيتعاقب على ذنب ما عملهوش؛ أهله ما كانوش يعرفوا إن الرياضة دي مش رفاهية، دي حياة، ..وما كانش عندهم قدرة مالية يشتركوه في مدرسة كورة او أي رياضة .. ولا جتى يجيبوا له لبس رياضة من الغالي! .. لكنه كبر، وهو شايل جواه صحرا من الوحدة.
بس… ما استسلمش؛ كان بيحلم، صاحي نايم بيحلم .. بيحلم بيوم صوته يملأ البيت، يبقى عنده صحاب من لحم ودم، مش خيال ودموع، عنده ولاده صحابه عايشين العيشة اللي كان بيتمناها، يلبسوا وياكلوا ويتدربوا ويعيشوا ويضحكوا ويهزروا ويصاحبوا، بس كان بيشوفهم دايما أصحاب معاه عشان يعوضوه.
السنين عدّت، وجه اليوم اللي كان حاسس إنه وعد من السما؛ اتجوز واحدة جميلة، كانت له السند والحبيبة والصاحبة، الحياة ضحكت له لأول مرة، وجاب منها ولاد وبنات.
كان كل ليلة يقعد جنبهم وهما صغيرين، يبص على أنفاسهم وهما نايمين، يمد إيده على راسهم ويهمس في سره:
"ياله .. أكبروا بقى بسرعة.. نفسي تبقوا صحابي، نفسي تعوضوني عن طفولتي اللي كانت ناشفة، ياله عشان تمسحوا عني غبار الوحدة!."
كبروا؛ بس مش زي ما كان بيتمنى.. كبروا وطلعوا حلويين ــ ما شاء الله عليهم ــ كبروا ودخلوا حياة مليانة أصحاب وزمايل، وهو بقى في الظل، يرقبهم زي ما كان بيرقب ولاد النادي زمان، الأول كان فرحان أنهم مش شايفهم زي حاله، لا فيهم وحيد ولا فيهم غريب في وسط الناس .. لكن المشكلة، أنه رجع على دكة الوحدة تاني، بس المرة دي أشد وأوجع، بالذات لما شافهم راحوا لصحابهم وبدأ يضيع معاهم الحلم اللي كان بيحلمه، سابوا الرياضة وراحوا ورا ضياع الصحاب .. سابوا الصحبة وراحوا ورا الشاشة الملعونة المضيئة بتاعت التليفونات.. راحوا لأي حاجه وسابوه !!
هو وهو صغير .. كان بيتجرع مرارة الوحدة وهو عنده أمل في بكرة.. لكنه دلوقتي؛ مافيش أمل.
كان كل اللي عايزه يشوف ولاده مبسوطين، يعيشوا اللي ما عاشهوش هو.. بس لما غابوا عنه وسط أصحابهم ووسط الضياع اللي حبوه، بقى هو سجين صمته، بيتجرع وحدة أوجع بكتير من اللي كان بيعاني منها ، لأنها ــ ببساطه ــ اقتحمته بعد ما كان فاكر أن الحلم اتحقق وخلص منها!
كم ليلة قعد فيها لوحده يبص للجدران بعينين تقيلة من الخذلان، ويهمس لنفسه:
"الوحدة الأولانية كانت صعبة.. بس كنت مستني عزاءها فيكم! أما الوحدة دي.. مافيش بعدها عزاء!."
بقى حلمه الوحيد دلوقتي إن اللحظة تيجي، لحظة النهاية؛ يمكن ربنا يجمعه في الجنة بأحباب ما يسيبوهُش، وأصحاب ما يخذلوهُش، ووطن ما يعرفش يعني إيه وحدة!.