09/07/2026
الإعلام... وسنينه (2)
من يصنع الرأي العام؟
في يوم من الأيام كان تكوين الرأي العام مسؤولية كبيرة لا يحملها إلا من امتلك أدواتها صحفي يراجع، ومحرر يدقق، ورئيس تحرير يتحمل مسؤولية ما يُنشر، ومؤسسة إعلامية تدرك أن كلمة واحدة قد تبني وعيًا أو تهدمه.
اليوم تغيّر المشهد فلم يعد كثير من الناس ينتظرون صحيفة أو نشرة أخبار ليعرفوا ماذا يحدث بل ينتظرون ما سيقوله "الإنفلونسر" أو صاحب الصفحة التي يتابعها الملايين وأصبح بعض المؤثرين دون أن يحملوا تأهيلًا إعلاميًا أو ثقافيًا أو حتى إحساسًا بالمسؤولية قادرين على توجيه النقاش العام وصناعة الرأي العام وربما تغيير قناعات قطاع كبير من الجمهور
ليست المشكلة في وجود المؤثرين فالتأثير حق لكل صاحب فكرة أو موهبة لكن المشكلة حين يصبح التأثير بلا مسؤولية والانتشار بلا ضوابط والربح هو الهدف الوحيد مهما كانت الوسيلة.
ففي سباق الترند اختلطت الحقيقة بالشائعة وأصبحت الخصوصية تُنتهك من أجل ملايين المشاهدات وتحولت المآسي الإنسانية أحيانًا إلى مادة للترفيه وأصبحت الاتهامات تُلقى بلا دليل والأحكام تُصدر قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها وفي كثير من الأحيان،د يكون الاعتذار – إن جاء – بعد أن يكون الضرر قد وقع بالفعل.
والأخطر أن بعض هؤلاء لا تحكمهم قواعد مهنية ولا يلتزمون بميثاق شرف إعلامي ولا يخضعون لمراجعة تحريرية أو مساءلة مؤسسية فما يُقال أمام الكاميرا يُقال بلا تدقيق وما يُنشر يصل إلى ملايين الأشخاص في دقائق ثم يصعب بعد ذلك تصحيح أثره
وللأسف لم تعد بعض المؤسسات الإعلامية تقود هذا المشهد بل أصبحت تلاحقه فتستضيف أصحاب الترند وتعيد نشر ما يقدمونه وتمنحهم مساحة أكبر فيتحول الانتشار إلى شهادة جودة وكأن عدد المتابعين أصبح أهم من قيمة المحتوى.
لقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة شائعات هزت المجتمع وانتهاكات لخصوصية أسر وأفراد وحملات تشهير ومحتوى يخدش الذوق العام وكل ذلك بحثًا عن مزيد من المشاهدات والإعلانات والعائد المادي. وفي المقابل تراجعت قيمة الكلمة المسؤولة والبحث الجاد والتحقق قبل النشر.
إن حرية التعبير قيمة عظيمة لكنها لا تنفصل عن المسؤولية فكما لا يجوز للإعلامي أن ينشر ما يشاء دون ضوابط لا ينبغي أيضًا أن يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة لكل من يبحث عن الشهرة على حساب القيم أو القانون أو سمعة الناس.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أما آن الأوان لإعادة النظر في الضوابط التي تحكم هذا المشهد؟ أما آن الأوان لأن تكون هناك مساءلة حقيقية لكل من يتعمد نشر الشائعات أو انتهاك الخصوصية أو التحريض أو تحقيق الأرباح من الإساءة إلى الآخرين؟ فحرية التعبير لا تعني أبدًا حرية الإضرار بالمجتمع أو بالأفراد.
نحن لا نطالب بتقييد الإبداع ولا بمحاربة صناع المحتوى بل نطالب بأن يكون التأثير مصحوبًا بالمسؤولية وأن تكون الشهرة مرتبطة بالقيمة لا بالضجيج وأن يكون احترام الإنسان وكرامته خطًا لا يجوز تجاوزه من أجل "ترند" يعيش يومًا أو يومين ثم يختفي.
سيبقى السؤال مفتوحًا...
هل نريد أن يصنع الرأي العام أصحاب المعرفة والخبرة والمسؤولية... أم نتركه لمن يجيد فقط جذب الانتباه، ولو كان الثمن وعي المجتمع كله؟
أحمد الكردي