09/05/2026
🟪 🥀 الذكرى الخامسة والتّسعون لتأسيس ج ع م ج ومعالم الوحدة الوطنية الشاملة 🥀 🟪
✍️ بقلم الأستاذ إبراهيم بن ساسي
المنسق الجهوي لجمعية العلماء المسلمين في الجنوب الجزائري
🟩 توطئة
من المتّفق عليه أن تأسيس جمعية العلماء لم يأت عن فراغ رغم ما خلفته الآية النصرانية الحاقدة من آثار سلبية محاولة منها لطمس الهوية الجزائرية والقضاء على الشخصية العربية المسلمة مدة قرن من الزمن ومع كل هذا فقد امتلكت الجزائر كنزاً ودخيرة من العلماء والفقهاء والحفظة والمفكرين
تجلّى ذلك بظهور فكرة إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ولقاءاتها التاريخية بنادي الترقي بالعاصمة شهر ماي سنة 1931
🟦 معالم التأسيس وبذور الوحدة
في صباح يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر ذي الحجة عام 1349هـ الموافق للخامس ماي 1931م انطلقت الجلسات بنادي الترقي أين اجتمع اثنان وسبعون من علماء الجزائر الأفذاذ وطلبة العلم استجابة لدعوة من لجنةٍ تأسيسيةٍ تألّفت من عدة فضلاء في مقدمتهم الشيخ عمر إسماعيل وهناك طُرحت فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين وفيها اقترح القانون الأساسي للجمعية وتمّ تعيين الشيخ أبي يعلى الزواوي رئيسا مؤقّتاً والأستاذ محمد الأمين العمودي كاتبا وتواصلت الاجتماعات ليُتّفق فيها على القانون الأساسي وتنخبت الهيئة الإدارية ، وكان من أبرز أسمائها الوازنة :
ــ الشّيخ عبد الحميد بن باديس
ــ الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي
ــ الشّيخ الطيب العقبي
ــ الشّيخ محمد الأمين العمودي ــ الشّيخ مبارك الميلي
ــ الشّيخ إبراهيم بيوض
ــ الشّيخ المولود الحافظي
ــ الشّيخ مولاي بن الشريف ــ الشّيخ الطيب المهاجي
ــ الشّيخ السعيد اليجري
ــ الشّيخ حسن الطرابلسي
ــ الشّيخ عبد القادر القاسمي محمد الفضيل الورثلاني
وهي الهيئة التي تولت انتخاب مكتب الجمعية برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس ونائبه البشير الإبراهيمي وبقية أعضاء المكتبه ، ومن خلال تشكيلتها ظهرت أسس الوحدة الوطنية فقد مثّل أعضاء المكتب جميع جهات الوطن فكانت الوحدة والانسجام والتوافق ، وهو المسار الذي ظلّت الجمعية تتبناه من خلال خطاباتها وبياناتها
وقد أحسن الشيخ ابن باديس حين اعتبرها { خير جمعية أُخرجت للناس } ذلك أنّ برامج خطابات المنظمات والأحزاب السياسية في بعض المدن انحصرت بين أصحابها ، بينما انتشر خطاب جمعية العلماء في مختلف الطّبقات الاجتماعية فغدت بذلك منظمة جماهيرية لها أتباعها وأنصارها في كلّ أجزاء الوطن ــ تقريباً ــ بما تمتلكه من شُعَبٍ ومدارسَ ومساجدَ حرّة ونوادي ومعلمين ، فأهلها ذلك لتصنع وحدة فكرية وروحية بعد سنوات من الفرقة والتمزّق ، وهي التي كسرت الحدود الجهوية بتوزيع المعلمين عبر الجهات ببرنامج منظّم يخدم أهدافاً واحدة تحت شعارها الجميل :
[ الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا ]
🟥 ربّ ضارة نافعة
حين ظهر للمستدمر الفرنسي الدور الفاعل للجمعية في بث الوعي ومحو الأمية اعتبر ذلك خطراً يهدد كيانه فسارع إلى تعطيل مدارسها والزجّ بمسؤوليها ومدرّسيها في السّجون ، وأصدر مسؤول الأمن الفرنسي في الجزائر سنة 1933م تعليمات مشدِّدة لمراقبة العلماء وحرمانهم من اعتلاء منابر المساجد وشلّ حركاتهم وأسفارهم ، فانقلب السحر على السّاحر إذ أحدث ذلك وعياً عند الجزائريين فالتفوا وراء الجمعية ، وأعلن الكثيرون ولاءهم وتعاطفهم معها ، بل وأبدوا استعدادهم لفتح مدارس أخرى للجمعية في انتظار إرسال معلمين لها ليحقق ذلك وحدة شعورية في نبذ المحتل وضرورة التربية والتعليم كسلاح يحمي العقيدة ويحرّر الفكر ويشيع مفهوم الحرية
🟪 ابن باديس وتقرير الوحدة
لقد حرص الإمام ابن باديس رائد النّهضة من أوّل وهلة على إعلان معالم وحدة الشعب الجزائري ووجوب تآلفه وتماسكه وتعاونه بقوله : [ إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرناً ، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدّة والرّخاء . وتؤلّف بينهم في العُسر واليُسر ، وتوحّدهم في السرّاء والضراء حتى كوّنت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصراً مسلماً جزائرياً أمّه الجزائر وأبوه الإسلام ، وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتّحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشّرف لإعلاء كلمة الله وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم ، فأيُّ قوّة بعد هذا
ــ يقول عاقل ــ تستطيع أن تفرقهم ؟ يا عجباً ! لم يفترّقوا وهم الأقوياء ، فكيف يفترقون وغيرهم القوي ! كلا والله ، بل لا تزيد كلّ محاولةٍ للتّفريق بينهم إلّا شدّة في اتحادهم ، وقوّة لرابطتهم ] ( 01 )
معالم الوحدة في
🟫 الفكر القيادي الموحّد
وتتلخّص رسالة جمعية العلماء المسلمين بمعالمها وأسسها في هذه البنود التي أقرّها الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه وهي : ( الدين والعلم والعدل والشّرف والوحدة والأخذ بأسباب الحضارة والتقدم الاقتصادي في جميع المجالات ) فقد كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وما زالت واحة أمان واطمئنان للجزائريين على اختلاف توجهاتهم السياسية والعقدية والفكرية ، وفي هذا الإطار كتب فضيلة الشيخ المرحوم العلامة عبد الرحمن شيبان رحمه الله رئيس الجمعية مقالاً في افتتاحية لجريدة البصائر تحت عنوان : الوحدة أساس العزة والسلم جاء فيه : ( الوحدة والاتحاد هو المطلب القديم والمتجدّد لكل المفكرين والمصلحين وقادة الرأي لإصلاح الأمور والمجتمعات ، فالوحدة هي أساس القوة والسلم والعزة . ولأهمية الوحدة في البناء الحضاري والتماسك الاجتماعي أمر بها الله عز وجل عباده المؤمنين : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَانتم مسلمون
وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } آل عمران
🟨 شهادات
♕ يقول المفكر والكاتب الفرنسي جيب : ( ذهب الجزائريون إلى أكثر مما ذهب إليه جماعة المنار لأنهم بدأوا بالإضافة لدعايتهم الشفوية والمطبوعة في إحياء المدارس القرآنية البدائية في جميع أنحاء البلاد للتّأثير على الجيل الصّاعد ، وقد تكلّلت مساعيهم بالنّجاح الكبير ) وهذه نتيجة تفاهمهم وتعاونهم ووحدة أفكارهم وتناغم آثارهم
♕ ويقول المفكر الفرنسي فرنسيس جانسون :
( إنّ الحركة الباديسية أحدثت إصلاحاً شاملاً ممّا وصل الأسلام بعد تخلّفه من التخريب والتّشويه ، كما عملت على تعميم الثّقافة العربية بإنشاء مدارس تتولّى تعليم اللغة العربية ونشرها في الجزائر ، وهو ما أقلق السلطات الاستعمارية التي كانت تستخدم قلّة من رجال الدّين المأجورين قاصدة أن تجعل الإسلام وسيلة لتخذير الشعوب ) وهنا نلحظ شهادة هؤلاء الغربيين للجمعية وعملها في كل شبر من الجزائر إذ استطاعت الوصول إليه بما يحقّق وحدة تربوية واجتماعية وفكرية
🟥 دور قيادة جمعية العلماء في نشر ثقافة السّلم ورأب الصدع والتّماسك
لقد دأبت قيادات جمعية العلماء على الوقوف مع فئات الشعب الجزائري عبر التاريخ مؤكّدة على جمع الكلمة ونبذ العنف وخطاب الكراهية وحضور موائد الصّلح بين الأفراد والهيئات والقبائل والعروش من خلال وفود ضمّت علماء وأعيان ودعاة كان لهم الأثر في جمع الكلمة وتناسي الخلافات ، وكانت التوصيات لحفظ الوحدة الوطنية ونبذ التفرقة والذود عن حياض الوطن في أمنه ولغته وعقيدة شعبه وتماسكه ، والاجتهاد في خدمة تطوره وتنميته
🟩 بشائر الوحدة
أُتيح لي أن القيَّ درس جمعة 02 ماي 2025م بالمسجد العتيق وسط مدينة القرارة في ولاية غرداية فراقني منظر أثلج صدري وهزّ كياني برؤية بعض إخواننا الأباضية يصلُّون مع إخوانهم في المسجد المالكي العتيق بما ينمّ عن تقارب وتآلف تحت ظلال الإيمان والقرءان ، مشهد كهذا بُذلت فيه جهود دعاةٍ وأئمةٍ وعلماءَ من المذهبين
( المالكي والأباضي ) وهو ما نثمّنته في نهاية الدرس فمجالس كهذه تضفي على العلاقات الاجتماعية مزيد ثقة ومحبّة وتعايشٍ وتعاونٍ بعيداً عمّا يذكي نيران الفرقة والتّشرذم ، ويدعو لاستخدام العقل والحكمة والتصدّي لكلّ من يحاول الصّيد في الماء العكر ، فالذي يجمعنا أكثر مما يفرّقنا ، لتظل الجزائر قوية بوحدة شعبها الآمن البعيد عن كلّ تنابز وخطاب كراهية وغيرها ممّا يذكي نيران الفتن ويسعّرها ، وقد لقيّت الكلمات استحساناً من أتباع المذهبين المتجاورين
🟫 الخاتمة
ويظلُّ موضوع الوحدة والأمن من المواضيع الأساسية التي تحرص عليها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من خلال رئيسها الشيخ د/ عبد الحليم قابة وأعضاء مكتبها الوطني ومنسقيها بتصريحاتهم وبياناتهم المختلفة وتدخلاتهم الإعلامية وخطبهم ودروسهم وكذا مساهماتهم في نشاطات الشُّعب حفاظا على بيضة الجزائر وقطع الطريق أمام الاستئصاليين وكلّ المعادين ممن يتربّصون بالجزائر عبر الحدود ومن وراء البحار ، فوحدة الجزائر خطّ أحمر
♕ اللهم احفظ للجزائر وحدتها ولغتها ودينها وحدودها وأمنها وجنودها وقيادتها وارزقهم البطانة الحسنة التي تقودهم إلى الله فننقاد لهم
♕ ووفقنا اللهم لنؤدي دورنا تجاه أهلنا في أولى القبلتين وثالث الحرمين ونساهم في دعم شعبنا في غzة
♕ اللهم عجّل بنصرهم يا رب
الهامش
( 01) من آثار عبد الحميد بن باديس
( 02 ) افتتاحية البصائر العدد 538 بتاريخ الاثنين شهر مارس 2011م