11/11/2025
#منقول.
التفاحة… حين تتحوّل الزراعة إلى موقف سيادي
منذ أيام أثارت إشارة الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي منذر بودن إلى تفاحة الأوراس الكثير من الجدل، وكأنّ الأمر لا يتجاوز حدود التفاح نفسه. غير أنّ من يقرأ المشهد بعمق، يدرك أن تلك التفاحة لم تكن بريئة، ولا عابرة. لقد كانت رصاصة رمزية ناعمة في قلب علاقة اختلّ ميزانها منذ عقود.
فالجزائر التي كانت تستورد التفاح الفرنسي لعشرات السنين، تحوّلت اليوم إلى بلد يوقف الاستيراد، ويستعد لتصدير تفاح باتنة إلى أوروبا نفسها. خطوة صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل معنى كبيراً: نحن لم نعد سوقاً لمنتجاتكم… نحن منافسون.
ردّ الفعل الأوروبي كان سريعاً وحاداً:
تحكيم دولي. دعاوى قضائية. مطالب بالتعويض.
وهذا وحده يكفي ليكشف عن مدى حساسية الأوروبيين تجاه أي محاولة جزائرية لاستعادة سيادتها الاقتصادية، حتى لو بدأت من… تفاحة.
لكن ما لا يفهمه البعض هو أن الزراعة ليست مجرد تجارة. إنها أمن غذائي، وهوية، وثروة اجتماعية، وركيزة تصدير. والأهم: قرار سيادي. وربما لهذا اختار بودن التفاحة رمزاً، لأنها تمثّل تلك المساحة الرمادية التي نريد استرجاعها بين الاستقلال السياسي والتبعية الاقتصادية.
هذا ما يجعلنا ندرك أنّ الجزائر كلّما قررت الاعتماد على نفسها، اشتعلت الضغوط الخارجية بشكل غير بريء.
أوروبا غضبت. فرنسا اشتكَت. ولماذا؟
لأن الجزائر ببساطة قالت:
“سأستهلك ما أزرع… وسأبيع لكم ما أنضجته جبالي”.
إنّ ما يحدث اليوم ليس خلافاً تجارياً عادياً، بل قطيعة هادئة تشقّ طريقها بعيداً عن الإعلام الصاخب. قطيعة مع من كان يعتبر الجزائر حديقة خلفية للتسويق، لا خصماً زراعياً قادراً على التصدير.
هكذا تتحوّل تفاحة الأوراس إلى بيان سياسي:
• نحن ننتج.
• نحن نصدر.
• نحن لا نعوّض خسائركم لأننا توقفنا عن شراء منتجاتكم.
ببساطة… لقد تغيّر الزمن.
ولأنّ الجزائر اليوم تتحدّث بلغة التشريعات الاستثمارية، والتحوّل الزراعي، والاقتصاد المتنوع، أصبحت أوروبا تسمع هذه اللغة كتهديد، لا كشعار. لأنها تعني نهاية الأريحية القديمة، ونهاية الاعتماد على السوق الجزائرية بشكل أحادي الاتجاه.
تفاحة الأوراس ليست مجرد فاكهة.
إنها صفعة ناعمة على وجه علاقة غير متوازنة منذ عقود.
وإن كان هذا يزعج أحداً، فليتذكر أن الشعوب لا تُبنى بالاستيراد، بل بالإنتاج والتصدير.
وبين جبال باتنة ومكاتب بروكسل، فهم الجميع الرسالة:
الجزائر لم تعد زبوناً… بل لاعباً.
وهنا يكمن جوهر القطيعة الحقيقية.
الدكتور :سعيداني زكرياء