L'Histoire du Scoutisme Algérien تاريخ الكشافة الجزائرية

L'Histoire du Scoutisme  Algérien تاريخ الكشافة الجزائرية Présentation du passé glorieux et les années d'or du mouvement scout en Algérie.

الصفحة مهتمة بتاريخ الحركة الكشفية بالجزائر منذ نشأتها، وهي لا تقتصر على تنظيم SMA فقط، بل كل التنظيمات الكشفية المعروفة في عهد الاحتلال الفرنسي وكذلك بعد الاستقلال .

  (1945–1954)بقلم: م. بن إبراهيم ون. مشري-سعادة             هذه دراسة إثنو-تاريخية وموسيقية حول مجموعة من الأناشيد الوطن...
09/05/2026

(1945–1954)
بقلم: م. بن إبراهيم ون. مشري-سعادة
هذه دراسة إثنو-تاريخية وموسيقية حول مجموعة من الأناشيد الوطنية الثورة الجزائرية بالقبائلية. اغلبها : من تأليف قادة كشفيين ، منهم: ، ، ، ومايزال أغلبها ينشد من طرف الكشافة والعديد من الفنانين الكبار. إلى اليوم.

#أولًا_أصل_الاناشيد:
الأربعة عشر نشيدًا التي نقدمها هنا، والتي سندرسها بمزيد من التفصيل في مقال لاحق، مستخرجة من مجموعة من الأشعار الشعبية القبائلية التي تعبر عن مقاومة الاستعمار الفرنسي (1830–1962)، وقد جمعتها إحدى الباحثتين (م. بن إبراهيم). أُنتجت هذه الأناشيد بين عامي 1945 و1954، وهي الفترة التي بلغت فيها الحركة الوطنية الجزائرية أوجها، ومن هنا جاءت تسميتها بـ «الأناشيد الوطنية».

في أعقاب أحداث 8 ماي 1945، غادر عدد من تلاميذ الثانويات مؤسساتهم التعليمية وانخرطوا في النشاط السياسي، فالتحقوا بالحركة الكشفية التي كانت تعمل آنذاك تحت التأثير المباشر والمفضل لـ حزب الشعب الجزائري – حركة انتصار الحريات الديمقراطية (PPA-MTLD)، تحت اسم « ». ومن خلال الأناشيد، كان الكشافة ينشرون خطاب الحزب السياسي.

ووفقًا لشهادات شفوية جُمعت أثناء إعداد هذا المتن، فإن بعض المكوّنين، إضافة إلى الجولات التي كانوا يقومون بها مع الكشافة عبر القرى، كانوا ينظمون لقاءات عائلية سرية لتعليم النساء الأناشيد، لتنتشر بعد ذلك داخل الأوساط النسائية.

وقد كانت هذه الأناشيد، التي حملت رسائل سياسية، من تأليف شباب مثقفين ومناضلين في حزب الشعب الجزائري – حركة انتصار الحريات الديمقراطية، ومن بينهم:


ينحدر من قرية تيكيدونت التابعة لبلدية الواسيف بولاية تيزي وزو. كان مناضلًا سابقًا في حزب الشعب الجزائري، وقد ألّف أول نشيد وطني باللغة القبائلية بعنوان:

«Kker a mmis umaziɣ» (انهض يا ابن الأمازيغ)

وكان عمره آنذاك 20 سنة، حين كان يدرس في السنة النهائية بثانوية بن عكنون بالجزائر العاصمة (ثانوية المقراني حاليًا)، وذلك – بحسب قوله –:«بهدف توعية الطلبة القبائليين الذين لم يكونوا يعرفون العربية جيدًا».
وهو مؤلف أغلب الأناشيد الواردة في هذه الدراسة. وقد تمكّن الباحثان من لقائه في جويلية 1980، حيث جرى تسجيل أناشيده بصوته مرفقة بشهادات تاريخية، إضافة إلى أغانٍ أخرى حدّد مؤلفيها.

:
ينحدر من قرية إيشرايون التابعة لبلدية تيزي راشد بولاية تيزي وزو. انخرط في حزب الشعب الجزائري أثناء دراسته بثانوية بن عكنون. التحق بالعمل المسلح سنة 1945، وتوفي بسبب المرض سنة 1947.
وبحكم كونه ًا في منطقة القبائل، فإن الذاكرة الشعبية تنسب إليه جميع الأناشيد التي جُمعت من القرى، رغم أنه لم يكن مؤلفًا إلا لبعضها فقط.


ينحدر من قرية تاقة التابعة لبلدية عين الحمام (ميشليه سابقًا)، بولاية تيزي وزو. غادر ثانوية بن عكنون سنة 1945 ليلتحق بمنطقة القبائل كمناضل في حزب الشعب الجزائري.
وقد ورد اسمه في الشهادات بوصفه:
> «المكوّن الرئيسي #للكشافة الشباب في منطقة القبائل العليا، ومؤلف عدة أناشيد وطنية».


وهو أيضًا من طلبة ثانوية بن عكنون. اشتغل مكوّنًا #للكشافة ابتداءً من سنة 1945 بتيزي وزو، وكان عضوًا في حزب الشعب الجزائري ومؤلفًا لبعض الأناشيد الوطنية، غير أن الباحثين لم يحصلوا إلا على نشيد واحد من إنتاجه.


يتميّز الإنتاج الشعري الوطني عن الإنتاج الشعبي التقليدي بعدة خصائص، منها:
أنه مكتوب وليس شفهيًا؛
أن منشأه حضري؛
وجود نزعة لغوية وأدبية واعية في المحتوى والمفردات، من خلال استعمال ألفاظ أمازيغية من لهجات أخرى غير القبائلية لإ. ثراء اللغة؛
إدخال مفاهيم سياسية جديدة لم تكن موجودة في الفكر التقليدي، تتجاوز الإطار القروي أو الجهوي لتصل إلى البعد الوطني، بل وحتى الإنساني.


من الناحية الموسيقية، تتسم هذه الأناشيد بتأثير أجنبي قوي، وصل أحيانًا إلى حد تكييف النصوص بشكل شبه مطابق على ألحان أوروبية معروفة، وغالبًا ما كانت أغانٍ حربية ألمانية.

ويرجع ذلك أساسًا إلى:
- خروج المؤلفين عن بيئتهم التقليدية واندماجهم في وسط ثقافي منفتح على العالم الغربي (مثل الاستماع إلى الإذاعات الأجنبية، والاحتكاك بالأوروبيين الالمان والابطاليين والامريكان، والتعليم الموسيقي في الثانوية)؛
- رغبتهم في التأثير السريع في السكان وكسبهم للقضية الوطنية، لذلك استُخدمت ألحان مألوفة؛

ما تمتاز به تلك الألحان من إيقاع قوي ومنتظم يناسب أناشيد المسير.
وفي هذه الأناشيد، يتقدّم النص على الموسيقى؛ إذ لم يكن الاهتمام موجّهًا إلى المعنى الأيديولوجي للأغنية الأصلية، بل كان اللحن يُستخدم فقط كوسيلة لنقل النص والأفكار السياسية.
غير أنه ابتداءً من 1948، بدأ المؤلفون يحرصون على منح أناشيدهم طابعًا شعبيًا سواء من الناحية الموسيقية أو الأدبية.


تم جمع هذه الأناشيد في بعض مناطق القبائل الكبرى وفي الجزائر العاصمة خلال سنتي 1978 و1980 وفي ظروف مختلفة.
وقد أُنجزت التسجيلات الأولى داخل القرى أثناء أداءات عفوية، خاصة خلال المناسبات الاحتفالية. غير أن الأناشيد المجموعة أظهرت اختلافات ونواقص عديدة، مما دفع الباحثين إلى القيام بتحقيقات إضافية ومقارنات متعددة للوصول إلى النسخ الأكثر اكتمالًا، والحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات المتعلقة بظروف إنتاجها.

وكان هذا الإجراء ضروريًا لأن الأمر يتعلق بإنتاج شعري لمؤلفين معروفين وليس مجرد شعر شعبي شفهي متداول.

في الجزء القادم سأبدأ ترجمة الأناشيد نفسها كاملة.

 #كلمة النائب في الجمعية الاستشارية المؤقتة    (José Aboulker) حول مجازر 8 ماي أثناء المناقشة العامة في جلسة 10 جويلية 1...
09/05/2026

#كلمة النائب في الجمعية الاستشارية المؤقتة (José Aboulker) حول مجازر 8 ماي أثناء المناقشة العامة في جلسة 10 جويلية 1945 ويوكد #مشاركة 200 كشاف في المسيرة بسطيف والتى كانت سلمية . وينوه لفضاعة الجرائم..

خوسيه ابولكر هو طبيب جرّاح أعصاب ومناضل مقاوم وُلد في الجزائر العاصمة سنة 1920،
واشتهر بدوره في المقاومة ضد الاحتلال النازي ونظام فيشي خلال الحرب العالمية الثانية. قاد مجموعة من المقاومين الجزائريين الذين ساهموا في أحداث 7–8 نوفمبر 1942 بالجزائر العاصمة، والتي سهّلت نزول قوات الحلفاء في شمال إفريقيا.
بعد الحرب، انخرط في النشاط السياسي، وكان عضواً في الجمعية الاستشارية المؤقتة ممثلاً للتيار المؤيد للإصلاحات السياسية، كما شارك سابقاً في الجمعية الاستشارية المؤقتة الفرنسية. دافع عن توسيع الحقوق السياسية للجزائريين المسلمين وانتقد بعض جوانب النظام الاستعماري.
لاحقاً واصل مسيرته العلمية كأستاذ في جراحة الأعصاب بفرنسا، وظل مهتماً بالشأن الجزائري إلى غاية وفاته سنة 2009.

ترجمة المداخلة:
: جلسة 10 جويلية 1945

السيد الرئيس: الكلمة للسيد أبولكر.
السيد خوسيه أبولكر:
«سيداتي، السيد الوزير، سادتي، قبل شهرين تمامًا، وفي اللحظة التي كان فيها قائد الجيش الفرنسي الأول يوجّه إلى قواته، التي كانت في معظمها من شمال إفريقيا، أمرَ اليوم الخاص بالنصر، اندلعت في طرفَي عمالة قسنطينة، في منطقتي سطيف وقالمة، أعقبتها مباشرة أعمال .

عندما انتهت جلستنا السابقة، التي خُصّص فيها تقريبًا كامل النقاش حول ميزانية الداخلية للأقسام الفرنسية الثلاثة في شمال إفريقيا، لم أكن أتصور أن النقاش الواسع الذي طالب به جميع المتدخلين بالإجماع حول القضايا الجزائرية سيفتتح على هذا النحو، تحت لا ضرورة له.

لماذا كان لا بد، مرة أخرى، أن نجد أنفسنا ، فقط لأننا #رفضنا مواجهة حقائق واضحة؟

في الوقت المناسب بإصلاح سياسة استعمارية تجاوزها الزمن منذ أكثر من مئة عام، لكنا قد تجنبنا، في الشهر الثلاثين من حرب انتهت لتوها بصورة دامية، أن ترى الجزائر، في الوقت نفسه، انتصارًا تعرف أنه – إلى حد كبير – انتصارها هي أيضًا، ، وأن تتعرض الوحدة التي توطدت في المعركة المشتركة بين جميع أبنائها للخطر، وأن تُهدَّد الإصلاحات المتأخرة أصلًا، بفعل اندفاع استعمار يشعر ، والتي يجب أن تُحدث تحولًا فيها.»

بعد خطاب السيد كوتولي الذي أدخلنا في الأجواء الجزائرية، لم يبقَ لي إلا أن أذكّر ببعض الوقائع والأرقام:

في 8 ماي بسطيف، تشكّل موكب مظاهرة ذات طابع سلمي خالص، كانت مرخّصًا بها من طرف الإدارة الفرعية (Sous-préfecture)؛ وفي مقدمتها 200 ؛ ثم مباشرةً جاءت مجموعة منظَّمة من حوالي اثني عشر شخصًا قاموا بإشعال فتيل الاضطرابات؛ وخلفهم حشد من عدة آلاف من الأهالي، أظهر التحقيق لاحقًا أن سكان المدينة ومحيطها قد استُدعوا للتجمع بفعل شعارات مختلفة، بعضها بسيط ومتنوّع.

؟
كانوا يطالبون بالقمح، ويطالبون بتوزيع الملابس، ولكن قبل كل شيء كانوا يحتفلون بالنصر المشترك وبالعودة القريبة للأبناء والإخوة والأصدقاء، ولكل الجنود الغائبين منذ أكثر من سنتين.

وفجأة، داخل الموكب، رفعت بعض العناصر عليها:
«تحيا الجزائر المستقلة»،
«أطلقوا سراح مصالي»،
«يسقط الشيوعيون».

فتدخلت الشرطة لمحاولة انتزاعها، فأطلق مفوض الشرطة أول رصاصة.»

#ملاحظة: النص يعكس شهادة خوسيه أبولكر سنة 1945 داخل الجمعية الاستشارية المؤقتة حول أحداث 8 ماي 1945 بسطيف وقالمة، وهو مصدر تاريخي يعبر عن موقف صاحبه وتحليله للأحداث.

في ذكرى مجازر الثامن من ماي 1945:        القائد  ، محافظ فوج  #الرشاد التابع لـ الكشافة الإسلامية الجزائرية بتيزي راشد ف...
09/05/2026

في ذكرى مجازر الثامن من ماي 1945:
القائد ، محافظ فوج #الرشاد التابع لـ الكشافة الإسلامية الجزائرية بتيزي راشد في تيزي وزو، نظّم مظاهرة يوم 8 ماي 1945 بمسقط رأسه، كما شارك في جمع الأسلحة والتدريب تحضيرًا لمحاولة التمرد العسكري التي كان مقررًا تنفيذها يوم 23 ماي، انتقامًا لمجازر مجازر . وقد كان ذلك رفقة كل من #حسين آيت أحمد، #عمر أوصديق، #بناي وعلي، #سعيد شيبان، #عمر ولد حمودة، #وسعيد يعيش واخرون، وجميعهم من قادة الكشافة الإسلامية الجزائرية وطلبة في ثانوية بن عكنون. غير أن قرار التمرد أُلغي في اللحظات الأخيرة بأمر من قيادة حزب الشعب الجزائري.

تخلّى عن اجتياز امتحان شهادة البكالوريا بثانوية بن عكنون، وبقي في الجبال يفكر في سبل الانتقام لضحايا المجازر، فأصبح محل ملاحقة من طرف مصالح الأمن الاستعمارية. وتوفي عن عمر 21 سنة بعد تدهور حالته الصحية.

شيّع جنازته أكثر من ألفي مناضل، كما حضرها قادة حزب الشعب وأحباب البيان والحرية، وقد منحه حزب الشعب صفة الشهيد.

وقد ألّف ولحّن عدة أناشيد وطنية وثورية ما تزال تتردد إلى يومنا هذا.
رحم الله الشهداء

شهادة القائد :  *ج ، أحد مؤسسي فوج الهلال بتيزي وزو، وعضو قيادي في FSMA سابقا حول مشاركة الكشافة في مظاهرات 8 ماي 1945 ب...
08/05/2026

شهادة القائد : *ج ، أحد مؤسسي فوج الهلال بتيزي وزو، وعضو قيادي في FSMA سابقا حول مشاركة الكشافة في مظاهرات 8 ماي 1945 بمنطقة القبائل (تيزي وزو)، وتداعيات ذلك.
-مدونة في كتاب "الكشافة الاسلامية الجزائرية" للأستاذين : الشيخ بوعمران وجليجلي

حوادث 8 ماي 1945:  من تقرير الحكومة العامة حول تورط  الأفواج الكشفية وقادتها بحسب الولايات في حوادث 8 ماي و الاحكام القض...
08/05/2026

حوادث 8 ماي 1945: من تقرير الحكومة العامة حول تورط الأفواج الكشفية وقادتها بحسب الولايات في حوادث 8 ماي و الاحكام القضائية والادارية المتخذة ضدهم..
مقتبس من كتاب للقائد .

مواصلة شهادة   حول تفاصيل مشاركة أفواج الكشافة الإسلامية الجزائرية في مظاهرات 1 و8 ماي 1945في عدة مدن جزائرية.
08/05/2026

مواصلة شهادة حول تفاصيل مشاركة أفواج الكشافة الإسلامية الجزائرية في مظاهرات 1 و8 ماي 1945
في عدة مدن جزائرية.

في ذكرى مجازر 8 ماي 1945:قراءة   الرئيس السابق  ل FSMA  حول علاقة الكشافة بحوادث 8 ماي 1945: قبل وأثناء وبعد        خلال...
08/05/2026

في ذكرى مجازر 8 ماي 1945:
قراءة الرئيس السابق ل FSMA حول علاقة الكشافة بحوادث 8 ماي 1945: قبل وأثناء وبعد
خلال الأشهر التي تلت ذلك، شهدت البلاد حركة وطنية كبيرة: انضمامات متعددة إلى والحرية (AML)، التي اقتربت خلال مؤتمرها في مارس 1945 من أطروحات (PPA) مثل: مصالي الحاج زعيمًا وطنيًا، الاستقلال، الألوان الجزائرية، حكومة جزائرية... إلخ. وكان معظم قادة ورواد الفرق الكشفية وأعضاء لجان «أصدقاء الكشافة» أعضاءً أو متعاطفين مع حزب الشعب الجزائري. وفي الحكومة العامة، وُجِّه اللوم إلى ممثل الكشافة الإسلامية الجزائرية (SMA) بسبب هذا التأثير الذي يمارسه الحزب، إذ أُشير مثلًا إلى أن كشافة القبائل كانوا يذهبون في كل مناسبة للقاء أثناء جولاته في المنطقة لتحيته وتقديم تقارير نشاطاتهم له، معتبرين إياه قائدهم الأكبر.

وفي مايو 1945 وقعت أحداث #قسنطينة المأساوية، المعروفة اليوم باسم «مجازر قسنطينة». فقد تحولت مسيرات الأول من مايو في بعض المدن، وخاصة الجزائر العاصمة ثم مدن قسنطينة، إلى أحداث دامية في وما جاورهما. وشارك الكشافة في كل المسيرات؛ فعلى سبيل المثال كان نحو في مقدمة مسيرة سطيف، وكانت اللافتات المرفوعة تحمل شعارات مثل: «يحيا مصالي»، «من أجل تحرير الشعب»، «تحيا الجزائر الحرة المستقلة». وسقط قتلى وجرحى، وحدثت بالإعدام وسنوات طويلة من #السجن. وكان القمع شديدًا، ونالت الكشافة الإسلامية الجزائرية نصيبها منه، إذ مُنع النشاط الكشفي في منطقة .

ولم تصمد الوحدة الوطنية أمام القمع؛ فانفصل المعتدلون عن «متطرفي» حزب الشعب الجزائري، لكن الطرفين واصلا نشاطهما السياسي. فأسس المعتدلون الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري (UDMA)، بينما واصل الآخرون نشاطهم السري وعززوا نفوذهم داخل الحركة الجمعوية الشابة، وخاصة الكشفية. وإلى جانب الكشافة الإسلامية الجزائرية، كان لحزب الشعب الجزائري منظمات تابعة مثل جمعية الطلبة، وجمعية النساء المسلمات، والفرق الرياضية، والمدارس الحرة، والنقابات. ولم تجد الإدارة الاستعمارية بدًا من تسجيل الروابط الوثيقة بين الكشافة الإسلامية الجزائرية والحزب الوطني، وحاولت عبر الكشافة الفرنسية — التي انتهى بها الأمر، بفضل بُعد نظر بعض قادتها الراغبين في الحوار مع الوطنيين، إلى الاعتراف بالكشافة الإسلامية الجزائرية — إدانة الحركة التمردية في مايو 1945. لكن ممثل الكشافة الإسلامية الجزائرية رفض ذلك.

ثم حاولت السلطات إلزامهم بتحديد ما يقصدونه بـ « #الوطن» — وهي الكلمة الواردة في الوعد الكشفي — وطالبت برفع الألوان الفرنسية أثناء المخيمات. فأوضحت الكشافة الإسلامية الجزائرية، مستندة إلى تعريف القاموس، أن المقصود بالوطن هو بلد الميلاد، أي الجزائر. واستمرت في رفع علمها الأخضر والأبيض المزين بالتحية الكشفية. وعندها خفّضت الإدارة الاستعمارية الإعانات التي كانت تمنح للكشافة الإسلامية الجزائرية باعتبارها حركة شبابية، #وضيّقت_الخناق على فرق قسنطينة والقبائل — وهي المناطق التي كانت فيها المظاهرات والعمليات المسلحة الأكثر عنفًا — والتي كانت ترغب، بعد رفع الحظر عنها، في استئناف نشاطها.

شاركت الكشافة الإسلامية الجزائرية في تظاهرات دولية كبرى، مثل مخيم مويسون بفرنسا سنة 1947، والمهرجان العالمي للشباب في براغ سنة 1949. وفي مويسون، أتيحت لهم فرصة لقاء كشافة من مختلف البلدان والتعريف بوطنهم. وكانوا يرفعون كل صباح في مخيمهم العلم الوطني الكشفي، الذي كان صورة للعلم الجزائري بدل العلم الفرنسي. كما شاركوا بحماس في الاحتفال الذي أُقيم بمناسبة استقلال باكستان. وروت مجلتهم «نشرة الكشافة المسلمين الجزائريين» تفاصيل ذلك الاحتفال مؤكدة اقتناعهم بقرب استقلال الجزائر.

كما نظمت الكشافة الإسلامية الجزائرية حفلاً كبيرًا في باريس بقاعة واغرام لفائدة المهاجرين الجزائريين، الذين كان أغلبهم من مناضلي حزب الشعب الجزائري، وقد تحمسوا لمسرحية «مهزلة المعلم باتلان» المترجمة إلى العربية، وللأناشيد الوطنية الثورية. وتم تقاسم عائدات الحفل بين الكشافة الإسلامية الجزائرية وفرع حزب الشعب الجزائري بباريس. ثم قام أفراد من الكشافة، برفقة مسؤولين من الحزب، بجولة دعائية وطنية في المقاهي والحانات التي كان يديرها المهاجرون الجزائريون. وقد لاقت أزياؤهم الكشفية — التي كانت تُرى كأنها أزياء عسكرية — وأناشيدهم الوطنية وخطبهم الحماسية نجاحًا كبيرًا. واحتجت السلطات الاستعمارية على هذه الأنشطة، حتى إن مقالًا تحدث عن وصولهم إلى «باريس الرمادية» دفع الحاكم العام نايجلان إلى القول في رسالة إن «سوء نية الكشافة الإسلامية الجزائرية بلغ حد اعتبار تيزي وزو أجمل من باريس».

وفي براغ، التقى وفد الكشافة الإسلامية الجزائرية بشباب مسيّس ومتضامن مع قضايا تحرر الشعوب المستعمَرة. وقدّم الوفد بيانًا سياسيًا كان في الواقع نصًا أعدّه حزب الشعب الجزائري. ولم تعد مصالح الحكومة العامة قادرة على تحمل هذه المواقف الوطنية، فقررت توجيه إنذار إلى قادة الكشافة الإسلامية الجزائرية.

وكانت السلطات الاستعمارية قد طلبت من مسؤولي الكشافة الإسلامية الجزائرية إقصاء القادة الكشفيين المنتمين إلى حزب الشعب الجزائري، لكن أغلبية المكتب التنفيذي رفضت الانصياع لهذا الأمر، وقررت عقد جمعية عامة استثنائية لتدعيم تنظيم الجمعية. وعُقدت الجمعية في سيدي ف*ج في ربيع 1948، وكانت أغلبية المشاركين من القادة الكشفيين المنتمين أو المتعاطفين مع حزب الشعب الجزائري.

في ذكرى مجازر 8 ماي 1945:          شهادة  المرحوم: صالح لوانشي المحافظ الجهوى للكشافة للاسلامية الجزائرية للقبائل (1944-...
07/05/2026

في ذكرى مجازر 8 ماي 1945:
شهادة المرحوم: صالح لوانشي المحافظ الجهوى للكشافة للاسلامية الجزائرية للقبائل (1944-1947) والمحافظ الوطني للجوالة والموظف الدائم في القيادة العامة ومدير مجلة صوت الشباب الكشفية La voix des jeunes ، وعضو اللجنة المركزية لحزب MTLD بعد 1947، ثم رئيس فديرالية جبهة التحرير الوطني في فرنسا خلال الثورة:
الترجمة:

كان الخطاب الفرنسي الرسمي بعد الحرب العالمية الثانية يوحي ظاهرياً بإمكانية منح بعض الحقوق للجزائريين. فقد بدا خطاب قسنطينة في ديسمبر 1943 وكأنه يسير في هذا الاتجاه، مما أثار قلق الأوروبيين المقيمين في الجزائر. غير أن البيان الختامي لمؤتمر برازافيل في جانفي 1944 ــ الذي لم يحضره أي ممثل عن الشعوب المستعمَرة ــ كان واضحاً تماماً حين أعلن:

«إن أهداف العمل الحضاري الذي أنجزته فرنسا في مستعمراتها تستبعد أي فكرة عن الحكم الذاتي…»

ولم يُتخذ سوى إجراء واحد تمثل في إصدار مرسوم 7 مارس 1944، وهو إجراء لم يكن له أي ارتباط بالمطالب التي رفعتها مختلف التيارات السياسية الجزائرية. فقد نص فقط على منح المسلمين نسبة محدودة من المقاعد في المجالس المحلية، وهو مطلب كان قد رفعه «حزب الشباب الجزائري» منذ سنة 1912.

ورداً على هذه الإصلاحات المتجاوزة، قام فرحات عباس، الذي كان يدرك أن الظرف الدولي أصبح مناسباً لبناء مشروع وطني موحد، بتأسيس «أحباب البيان والحرية» يوم 14 مارس 1944. وكان الهدف من هذه الجمعية تجاوز أسلوب «عرائض الأعيان الموجهة للسلطات» والانتقال إلى عمل سياسي جماهيري.

لم يعد الأمر مجرد تحالف أحزاب كما حدث في المؤتمر الإسلامي، بل أصبح تجمعاً للأفراد الذين ازداد وعيهم بقضية التحرر الوطني بفعل الحرب ضد النازية.

وعند تأسيس حركة أحباب البيان والحرية، كان مصالي الحاج لا يزال في السجن. وقد انضم مناضلو حزب الشعب الجزائري إلى الحركة بعد مشاورات بين فرحات عباس ولامين دباغين وعسال.

وخلال سنة 1944، عُيّن صلاح لوناشي، الذي كان لا يزال قائداً للكشافة الإسلامية الجزائرية، نائباً للأمين العام للجنة أحباب البيان والحرية رقم 4 بتيزي وزو، برئاسة الدكتور واعكلي.

ورغم أن قوانين الجمعية كانت تحمل طابعاً مثالياً، فإنها عززت لدى الشباب المناضل القناعة الوطنية. فقد ورد في المادة الرابعة من القانون الأساسي:

«جعل فكرة الأمة الجزائرية مألوفة ومرغوباً فيها، والعمل من أجل إقامة جمهورية جزائرية مستقلة ذاتياً، مرتبطة بجمهورية فرنسية متجددة، مناهضة للاستعمار والإمبريالية.»

كما طالب مؤتمر أحباب البيان والحرية المنعقد في ماي 1944، قبيل نزول الحلفاء في فرنسا، بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وفي مقدمتهم مصالي الحاج، مع التذكير بأن اعتقالهم كان من مخلفات نظام فيشي.

وكانت هذه المواقف بعيدة عن التهم التي اتهمت الحركة بالنزعة «الانفصالية المتطرفة». فقد كانت حركة أحباب البيان والحرية تدعو إلى إشراك كل القوى التقدمية في بناء الأمة الجزائرية.

وجاء أيضاً في المادة الرابعة:

«إيجاد التضامن الجزائري بين جميع سكان الجزائر، سواء كانوا يهوداً أو مسيحيين أو مسلمين، وتنمية الشعور بالمساواة والرغبة في العيش المشترك، وهي الرغبة التي اعتبرها إرنست رينان العنصر الأساسي في تكوين الأمة.»

لم يكن في هذه الرؤية أي تعصب أو شوفينية، لكنها كانت تحمل قدراً كبيراً من المثالية. فقد أغفلت أن بناء المستقبل يحتاج أيضاً إلى ذاكرة جماعية مشتركة، بينما كانت الهيمنة الاستعمارية تمنع الجزائريين من استعادة تاريخهم وتجربتهم الخاصة.

وكان مناضلو حزب الشعب الجزائري، الذين شكلوا العمود الفقري للجان أحباب البيان والحرية، يدركون ذلك تدريجياً، فعملوا على دفع الحركة نحو توجه أكثر ثورية إلى غاية حظرها في 14 ماي 1945.

ومع ذلك، نجحت الحركة في تعبئة فئات واسعة من الشعب كانت حتى ذلك الوقت مترددة أو سلبية، وهو ما جعل الإدارة الاستعمارية تعتبرها خطراً حقيقياً.

وفي فيفري 1945، قررت اللجنة المركزية للحركة في الجزائر العاصمة إحياء ذكرى بيان 10 فيفري 1943. وتم إعداد منشور وتوزيعه على شكل مناشير سرية.

وبعد مدة قصيرة اعتُقل صلاح لوناشي ورفاقه ونقلوا مباشرة إلى السجن العسكري بالجزائر العاصمة، وهو المقر الذي أصبح لاحقاً المديرية العامة للأمن الوطني.

وقد تركت هذه التجربة أثراً عميقاً في نفسه، إذ كانت تلك أول مرة يدخل فيها السجن، وكان عمره آنذاك 22 سنة فقط.

دام الاعتقال ثلاثة أسابيع في ظروف قاسية داخل أقبية رطبة وقذرة تقع تقريباً عند مستوى البحر.

ثم اكتشفت السلطات لاحقاً أن المنشور الذي وُزع في تيزي وزو قد مر أصلاً عبر الرقابة الرسمية في الجزائر العاصمة، فأُطلق سراح الجميع، لكنهم ظلوا تحت مراقبة شديدة.

وبعد خروجه مباشرة، كتب صلاح لوناشي يوم 9 مارس 1945 رسالة إلى رباح بوبريط، الذي كان لا يزال مجنداً في صفوف الحلفاء، قال فيها:

«لقد علمتَ بأمر رحلتنا الصغيرة. لا تظن أننا عانينا كثيراً. بالعكس، نحن لا نندم على شيء. عشرون يوماً لا تساوي الكثير… لقد كانت تجربة جعلتنا أكثر نضجاً. وأراهن أنك لن تتعرف علي عندما تعود، لأن أفكاري تغيرت كثيراً خلال السنتين الأخيرتين…»

وتكشف هذه الرسالة أيضاً وضع الحركة الكشفية وحالة صلاح النفسية آنذاك، إضافة إلى مشاكله العائلية. فقد كتب:

«أما بالنسبة للحركة الكشفية، فهي بخير، لكن قصتنا أضرت بها كثيراً… سيكون من الصعب عليها أن تستعيد نشاطها سريعاً، لكننا تلاميذك ونحن عنيدون. وقد كان شعار قادتنا هو الصمود، وأنا متأكد أنهم سيصمدون…»

ثم أضاف موضحاً أثر التطورات السياسية على التزامه الشخصي:

«إنني أمر حالياً بفترة مضطربة… فالتيار السياسي الكبير الذي اجتاح بلادنا منذ نزول الحلفاء قد جرّني معه بالكامل. ولهذا أجد نفسي مضطراً لترك والدي. إنه يمارس علي ضغوطاً كبيرة، مباشرة أو عبر الآخرين، خوفاً علي ومنعي من مواصلة نشاطي.»

وكان صلاح يفكر في ترك عمله والانتقال إلى الجزائر للعمل في جريدة «المساواة»، أو البقاء في تيزي وزو لتولي الأمانة الدائمة لحركة أحباب البيان والحرية، لكنه كان يصطدم برفض والده.

وفي نهاية الرسالة كتب:

«أما أنا فأشعر أنني التزمت أكثر مما يسمح لي بالتراجع. هنا تكمن المشكلة.»

وكانت العائلة تمر بظروف صعبة. فقد توفيت أخته الكبرى فاطمة أثناء فترة اعتقاله، كما كان والده متقدماً في السن، بينما كان في البيت ستة أطفال صغار يحتاجون إلى الرعاية.

وفي رسالة أخرى بتاريخ 15 أفريل 1945 إلى رباح بوبريط، أشار صلاح إلى أنه أُعفي مؤقتاً من الخدمة العسكرية بفضل تدخلات والده.

وكان يبدو متردداً بين الرحيل والبقاء، فكتب بنبرة حزينة:

«الرحيل يبدو أحياناً أفضل حل… ربما يمنحني فرصة للقائك في مكان بعيد مجهول كما كنت أحلم دائماً…»

لكنه سرعان ما عاد إلى الحديث عن مشروعه لإحياء ذكرى محمد بوراس يوم 27 ماي، تكريماً لمؤسس الكشافة الإسلامية الجزائرية الذي أعدمه الاستعمار.

وكتب عنه:
«الإنسان في حد ذاته ليس الأهم، بل ما ينجزه… فالموت مصير كل البشر، لكن ليس كل إنسان يترك وراءه فكرة أو ذكرى تجعله حياً بعد موته…»

غير أن هذا الاحتفال لن يتم أبداً، لأن الأحداث كانت تتسارع بسرعة، وكانت الأزمة السياسية داخل حركة أحباب البيان والحرية تتفاقم أكثر فأكثر.

شهادة مفصلة للمناضل الثائر   (محافظ فوج الفداء، ومناضل PPA ) عن سياق حوادث 8 ماي واثارها ومحاولة التمرد العسكرى الذي شار...
07/05/2026

شهادة مفصلة للمناضل الثائر (محافظ فوج الفداء، ومناضل PPA ) عن سياق حوادث 8 ماي واثارها ومحاولة التمرد العسكرى الذي شارك فيه الكشافة بأمر من الحزب:

#شهرٌ_مأساوي، #وأسبوعٌ تاريخي
لقد كُتب الكثير عن مجزرة ماي 1945 الجنونية وعن نتائجها السياسية. وسأحاول من جهتي أن أُبيّن كيف عشتُ، ، إن لم تكن الأحداث نفسها، فعلى الأقل الجو الذي أحاط بها. ففي الواقع، انقضى ما يقارب شهرين قبل أن نعرف الحجم الكامل للقمع الذي أغرق القبائل الصغرى ومنطقة قسنطينة في الدماء — تلك المنطقة التي كان الإمبراطورية الرومانية تطلق عليها اسم «إفريقيا القيصرية». والآن، وبعد مرور ما يقارب أربعين سنة، من الجيد التذكير بذلك.

لا ينبغي أن نتساءل كيف أمكن لأحداث ماي 1945 أن تقع، بل على العكس: كيف كان يمكن ألا تقع؟ لقد سبقتها، مباشرة بعد مؤتمر «أحباب البيان والحرية»، حملة هستيرية شمولية، ونداءات للقمع اتخذت شكل دعوات صريحة إلى القتل. غير أن هذه الحرب السياسية والنفسية لم تكن جديدة، بل إنها لم تتوقف قط منذ بدايات الهيمنة الاستعمارية سنة 1830. فقد كانت عمليات القمع والعمليات العسكرية تتعاقب مع حملات الدعاية، لكن الهدف ظل دائماً واحداً: إخضاع الأهالي. لم يكن هناك أي مجال لنقاش سياسي، لأن النقاش يعني الانفتاح والإصغاء والمواجهة الفكرية المشتركة. وحرية التعبير التي يفترضها ذلك تتناقض مع الواقع الاستعماري: فلا أحد يناقش شعباً يُعتبر في نظره غير موجود أصلاً. أما الاستسلام للأهالي، فكان في نظرهم أسوأ من أن يُنظر إليهم كجلادين.

في أفريل 1945، لم تعد هزيمة النازية والفاشية سوى مسألة أيام، لكننا نحن كنا نشعر بأننا وقعنا مجدداً في فخ الحرب وحصارها. كان الحزب يستعد بحماس شديد لمظاهرات الأول من ماي: فقد كان عيد العمال فرصة تاريخية لإعادة التأكيد، إلى جانب المطالب الاقتصادية والاجتماعية، على الطموح الوطني. وكنا نحن التلاميذ الثانويين نرغب في المشاركة في المسيرة السلمية بشوارع الجزائر العاصمة. وقد أبلغنا ذلك إلى وعلي بنّاي الذي ثنانا عن الفكرة، مفضلاً الاحتفاظ بنا «في الاحتياط».

شهدت أغلب المدن الكبرى مظاهرات. وفي الجزائر العاصمة اتخذت طابعاً جماهيرياً واسعاً: كان من المفترض أن يلتقي موكبان، أحدهما ينطلق من بلكور والآخر من القصبة، عند البريد المركزي وقصر الحكومة العامة، أي قلب الإدارة الاستعمارية. واستجابةً لنداء الحزب السلمي، نهضت الجزائر العميقة كرجل واحد.

تدخلت الشرطة بعنف لمنع التحام الموكبين. ولما عجزت عن احتواء العمال، أطلقت النار. وقد سقط سبعة قتلى وعشرات الجرحى. وبعد هيجان الخطاب، بدأت آلة العنف الاستعماري الثقيلة في الاشتغال.

وفي مساء اليوم نفسه، في ساحة بن عكنون، جاءنا والي، وكانت حاجبه مشقوقة بضربة بندقية، ليروي لنا أحداث ذلك اليوم. كان يقود المظاهرة في شارع إيسلي (شارع العربي بن مهيدي حالياً)، رفقة رفاقه وهم يحملون لافتة كبيرة كتب عليها: «السلام والحرية». وبعد أول هجوم للشرطة، لم يبقَ في يده سوى إحدى عصي اللافتة، فاتخذها هراوة ليشق طريقه وسط الحشود التي كانت مصممة على احترام المسار المحدد. وقد حمل والي جثث المناضلين الذين سقطوا برصاص الشرطة، ومن بينهم الشاب غزالي بلحفاف ومحمد زيّار.

إن يوم أول ماي ذاك لا ينفصل عن منطق القمع كما لا ينفصل عن الديناميكية الثورية. فإذا كانت السلطة الاستعمارية تريد إرهاب الرأي العام، فإنها أخفقت في ذلك. فسياسة الأسوأ تقوي دائماً التضامن العاطفي؛ وفي هذه الحالة بالذات، أحدثت تحولاً نفسياً وسياسياً حقيقياً. وبعد أسبوع فقط، في 8 ماي 1945، يوم النصر نفسه، ستعرف الجزائر ما أسميه «ثورة 1871 بالمقلوب». فقد اندلعت حرب حقيقية ضد سكان البيبان والقبائل الصغرى، وهي المنطقة التي شهدت أحد آخر انتفاضات المقاومة الجزائرية.

في #خراطة وضواحي #سطيف، سُويت قرى كاملة بالأرض بواسطة الطيران والبحرية. وفي مدن عديدة من منطقة قسنطينة، خاصة قالمة وهيليوبوليس، تعاونت القوات العسكرية والميليشيات في حملة مطاردة واسعة ووحشية على أساس الملامح والهوية. وقد سلّح الفرنسيون أسرى الحرب الإيطاليين والألمان المعتقلين بالمنطقة، فقتلوا النساء والأطفال بالحراب، انتقاماً من الجنود الجزائريين الذين هزموهم في معركة كاسينو. كما نُفذت آلاف الاعتقالات عبر الوطن، بدءاً بالقادة: فأُلقي في السجن، بينما كان #مصالي الحاج قد نُفي منذ أواخر أفريل إلى إفريقيا الاستوائية.

وفي 15 ماي، جاء والي إلى قسم بن عكنون يطلب متطوعين للالتحاق بالتمرد. أما أنا، فقد أخذت وقتاً للتفكير. فليس بالأمر الهيّن أن أقطع دراستي وأنا على بعد شهر من امتحانات الجزء الأول من البكالوريا. كانت هناك عائلتي التي سأخيّب آمالها، وكانت هناك أيضاً أسئلة سياسية كثيرة. ولم أتخذ قراري إلا في اليوم التالي، ولا أخفي أن القطيعة كانت مؤلمة.

لكن ظهرت مشكلة أولى: كيف أغادر الثانوية «بسلاسة»؟ وبما أننا كنا على بعد أسبوع من عطلة العنصرة، كتبتُ «رسالة اعتذار» سلمتها إلى المراقب العام للثانوية. وذكّرت فيها بندرة وسائل الاتصال مع دواويرنا الأصلية، وقلت إننا وجدنا فرصة للعودة إلى قُرانا لقضاء العطلة ومراجعة الدروس. كانت الحجة واهية جداً، لكن كان لا بد من تقديم عذر.

وفي مساء اليوم نفسه، أقلّتنا سيارة أجرة نحن الخمسة — وكان وعلي بنّاي يرافقنا — إلى تيزي وزو. وكانت السيارة ملكاً لمحمد زكال، وهو مناضل قديم من حي بلكور. تلك الرحلة لم أنسها قط. كثيراً ما أستعيد صوت المحرك وأجواء الصمت الثقيل التي رافقتنا طوال الطريق. فما كنا متجهين إليه لم يكن سوى علامة استفهام كبيرة.

في تيزي وزو، التحقنا مباشرة باجتماع مجلس المنطقة الذي كان يُعقد في الهواء الطلق. كان هناك نحو عشرة مسؤولين، يمثل كل واحد منهم منطقة من مناطق القبائل الكبرى أو مستوى من مستويات الحزب. ومع سخونة الوضع السياسي وحرارة الطقس، كانت أشعة الشمس الحارقة تتساقط على القبائل.

افتتح حاليت الجلسة بنبرة درامية تميّزه، معلناً solemnly «اللحظة التاريخية التي تمر بها بلادنا وخطورة الساعة». ثم منح الكلمة ل ، وهو رجل ثقة وموفد من المكتب السياسي لحزب الشعب الجزائري، ومن أبناء القبائل الصغرى. وقف هذا الأخير وقال الجملة الحاسمة:

«لقد قررت #القيادة القيام بانتفاضة عامة يوم الخميس 23 ماي 1945 ابتداءً من منتصف الليل.»

وأضاف دون شرح إضافي: «في سطيف ومنطقة قسنطينة، القتال مستمر منذ 8 ماي.» ثم أشار إلى أن «الجيش الذي شكله الحزب في الجنوب الجزائري سيتجه قريباً نحو الشمال. يجب أن ننهض بالشعب الجزائري ونهاجم في كل مكان.» وبعد أن أنهى مهمته، غلبه التعب فنام.

بعد ذلك انتقل #حاليت إلى النقطة الثانية: الوضع التنظيمي. وقدم كل مسؤول منطقة تقريره. وإذا كانت ذاكرتي لا تخونني، فقد كانت الأعداد المعلنة تتراوح بين ستين ومئة رجل لكل منطقة من : برج منايل، ذراع الميزان، منطقة دلس–تيقزيرت الساحلية، أزفون، عزازقة، ميشليه، فورت ناسيونال، وتيزي وزو.

لكننا كنا ننتظر من القيادة تعليمات مدروسة، أو على الأقل مشروع خطة عامة. ولم نحصل على شيء من ذلك. كنا ننتظر تقييماً جدياً للإطارات العسكرية والعتاد والأفراد، لكن لم يُقل شيء بهذا الخصوص، رغم أننا كنا على بعد أسبوع واحد فقط من الانتفاضة.

أما نحن، فقد تسلمنا رسمياً تعييناتنا في مناطق مختلفة. فقد أُرسل إلى فورت ناسيونال، ووالي بنّاي إلى عزازقة، وعمر اوصديق إلى منطقة دلس–تيقزيرت، بينما أُرسلت أنا وأولد حمودة إلى ميشليه.

اقتربنا من بعضنا لتبادل الانطباعات. كان والي يراقب ردود أفعالنا بقلق. صحيح أن أسئلة خطيرة كانت تضطرب في داخلنا، لكن الحدث الذي كان يُحضَّر له بدا لنا على قدر هائل من الخطورة. ورغم خيبة أملنا بسبب غموض أوامر القيادة، فإننا لم نشكك فيها. ففي حماسنا كمناضلين شباب، كنا بحاجة إلى الإيمان بقادة الجزائر. ربما كانت لديهم خطة سرية أو أوراق خفية. وربما أيضاً كانت القبائل مجرد جبهة ثانوية في حساباتهم، وهو ما يفسر تلك التعليمات المقتضبة.

وفي النهاية قررنا نحن الخمسة الحفاظ على الاتصال فيما بيننا، واتفقنا على الاجتماع يوم 19 ماي في لتقييم الوضع بأنفسنا. ثم افترقنا، وليس معنا سوى الإيمان بمصير بلادنا، واليقين الوحيد أننا أحرقنا سفن العودة.

كانت فورت ناسيونال بمثابة «برشتسغادن» استعمارية في قلب جرجرة. وفي 19 ماي التقينا قرب أسوار القلعة العالية، وبدأنا بمقارنة ملاحظاتنا. وأول ما لاحظناه، والأكثر أهمية، أن الأعداد المعلنة في مجلس المنطقة كانت وهمية تقريباً. ففي الواقع لم تكن هناك تنظيمات حقيقية، وكان معظم «المناضلين» مجرد متعاطفين عاطفياً.

كان التأطير السياسي ضعيفاً إلى حد مثير للشفقة، ومتخلفاً ذهنياً ومادياً عن المفاهيم الحديثة. وعندما سألنا نافعا فرنان، مسؤول فورت ناسيونال، عن الرجال الذين يملكهم، أجابنا ببساطة: «لا تقلقوا، سنجدهم.»

وهكذا وجدنا أنفسنا أمام حل واحد: أن نتدبر أمرنا بأنفسنا.

وفعلاً، من 19 إلى 22 ماي، قمنا بتعبئة فرق التي كنا قد نظمناها منذ أكثر من سنة. وكان هؤلاء #الجوالة لا يرددون سوى صيحة واحدة: «العمل!» وقد لبينا رغبتهم، فحوّلناهم إلى مجموعات #كوماندوس.

جمعنا ما استطعنا من الأسلحة الفردية: بنادق صيد، مسدسات، وبعض القنابل اليدوية. أما المناضلون الأكثر قوة بدنياً فقد ضُموا إلى فرق الكوماندوس، بينما أوكلت للآخرين، ومعظمهم من الأعيان، مهام التأطير السياسي في الخلف.

وبعد أن أخذنا زمام المبادرة، انتقلنا إلى التفكير الاستراتيجي. قررنا تركيز عملنا بالكامل على فورت ناسيونال، تلك القلعة التي كانت تهيمن على القبائل العليا والوديان المحيطة بها. أما وغيرها فاعتبرناها أهدافاً ثانوية.

كنا نعلم أن مهاجمة فورت ناسيونال تعادل محاولة تحطيم دبابة بالأسنان، لكن كان لدينا حليف ثمين داخل الثكنة: مساعد صف جزائري من أبناء القبائل، كانت له مكانة واحترام بين السكان. وقد اقتنع بفكرة الانتفاضة، معتبراً أن من العار ترك إخواننا في قسنطينة يقاتلون وحدهم.

وبالتعاون معه، ومع ، وهو أحد المثقفين القلائل في الحزب وضابط سابق في مدرسة شرشال العسكرية، بدأنا نخطط بدقة للاستيلاء على القلعة.

وكان الحظ إلى جانبنا: ففي كل مساء أربعاء كانت الإدارة العسكرية تنظم عرضاً سينمائياً للسكان المدنيين. قررنا استغلال 22 ماي للتسلل إلى القلعة أثناء العرض السينمائي، مستفيدين من الظلام وعنصر المفاجأة.

كان مساعد الصف سيسيطر على مستودعات السلاح والذخيرة بمساعدة رجاله، بينما تتولى مجموعاتنا تحييد الجنود الاستعماريين الذين قد يقاومون. أما أنا ولعيمش فكنا سنقود مجموعتين من المتطوعين الذين دربناهم خلال ثلاثة أيام فقط.

وماذا بعد الاستيلاء على فور ناسيونال؟ لم تكن لدينا الخبرة ولا الوقت للتخطيط لأبعد من ذلك. لكننا كنا نعتقد أن سقوط القلعة سيحرر مئات القرى من تهديد مدافعها، وسيمكننا من السيطرة على وادي سباو، وربما تحييد حامية تيزي وزو.

كنا نعتقد أيضاً أن انتفاضات مماثلة ستندلع في بقية مناطق القبائل وعلى المستوى الوطني، وأن «جيش الجنوب الجزائري» سيتحرك نحو الشمال. وهكذا، فإن الأسلحة والذخيرة التي سنغنمها من القلعة ستكفي لتسليح آلاف المقاتلين.

لكن رغم كل حماسنا، كنا متفقين على شيء أساسي: يجب ألا تتكرر أخطاء الماضي. لا انتفاضة جماهيرية عفوية مثل ثورة 1871، ولا مواجهات تقليدية مباشرة مع جيش يملك المدفعية الثقيلة. لقد أدركنا أن حرب العصابات والمقاومة الشعبية المنظمة هي السبيل الوحيد الممكن.

كان علينا أن نؤطر السكان سياسياً، وأن نمنع الفوضى وردود الفعل العشوائية، وأن نتحكم في الوضع العسكري. كان علينا أن نمنع «الأسوأ».

يوم 22 ماي.
قضيت صباح ذلك اليوم في سوق بني وعقيف لتحضير اللمسات الأخيرة. كان خمسون عضواً من الكوماندوس جاهزين، ولم يتراجع أي واحد ممن وقع عليهم الاختيار. خلال ثلاثة أيام فقط جمعنا بنادق صيد، وبعض المسدسات، وحتى قنابل يدوية. كما تدربنا على صنع زجاجات المولوتوف، تحت غطاء تدريبات كشفية.

وخاطت نساء العائلات عشرات .
كان من المقرر أن ننطلق نحو فورت ناسيونال عند التاسعة ليلاً، مستخدمين شاحنتين وسيارتين خاصتين. لكن في الساعة السادسة مساءً اتصل بي لعيمش هاتفياً وقال لي كلمة السر: «المقراني» ثم أضاف بسرعة:
«لا تأتوا… لقد أُجل الحفل.»

أدركت فوراً أن الانتفاضة أُلغيت.

وهكذا انتهى ما أسميه ليس «أسبوع الآلام»، بل «الأسبوع المجنون». فما يهمني اليوم ليس فقط أمر الانتفاضة أو إلغاؤها، بل تلك اللحظات الحارقة التي عشناها، والتي جسدت استمرار الوطنية الجزائرية التي لم تستسلم أبداً.

في القبائل الكبرى، وكذلك في منطقة أزفون بالقبائل الصغرى، جرى التحكم بسرعة في الوضع السياسي بعد وصول أمر الإلغاء. وبرغم صعوبات الاتصال بسبب حواجز الشرطة والدرك، فإن «الهاتف القبائلي» عمل بكفاءة. ولم تقع فيما يبدو أي تسريبات، إذ لم تُنفذ اعتقالات مباشرة. ففي فورت ناسيونال، لم تشعر السلطات العسكرية بشيء، ولم تسجل أي تحركات مشبوهة. ومع ذلك، باستثناء ميشليه، كانت الخطة جاهزة تقريباً في معظم المناطق لاحتلال المراكز الإدارية وثكنات الدرك.

غير أن الأمور تدهورت في المنطقة الممتدة من بوغني إلى تيقزيرت. ففي غياب شبه كامل للتأطير السياسي، لم يتمكن عمر وسديق، الذي أُرسل إلى هناك بسبب معرفته بالمنطقة، من السيطرة على الوضع. وكان الحال نفسه بالنسبة لمحند سعيد مزوزي، التلميذ بثانوية تيزي وزو الذي التحق بالماكي.

وفي دلس، كان طبع المسؤول الجهوي زروال شديد الاندفاع والعنف، يصعب احتواؤه. أما ، مسؤول برج منايل، فرغم هدوئه النسبي، لم يكن أقل ميلاً إلى المواجهة. كان كلاهما يجسد نوعاً من «الزاباطية» الثورية، أي العنف الشعبي المضاد ضد البنى الاستعمارية والقهر الاجتماعي.

وقد جرت التحضيرات هناك في وضح النهار. وعندما وصل أمر الإلغاء، كانت جموع من الفلاحين قد تجمعت في الجبال استعداداً للنزول نحو المدن الاستعمارية الصغيرة بعد أداء «صلاة الجهاد». وتم إيقاف تلك «المسيرات الكبرى» في اللحظة الأخيرة.

لكن بعض الحوادث اندلعت هنا وهناك: قُطعت أعمدة الهاتف، وتعرضت السكك الحديدية للتخريب قرب لازيب وبرج منايل. ولم يكن ذلك يحتاج أكثر كي تدق الإقطاعيات الاستعمارية والإدارة الموالية لها ناقوس الخطر، فاشتدت حملة القمع العسكري والشرطي بسرعة.

قامت الشرطة القضائية والمصالح الأمنية باعتقال عدد من مسؤولي ومناضلي الحزب في المدن. وحتى ، قائد الجزائرية في القبائل، لم يفلت من حملة الاعتقالات رغم أن دوره كان محدوداً نسبياً.

أما ، مسؤول منطقة ذراع الميزان، فقد انهار تحت التعذيب واعترف، مما أدى إلى اعتقال حاليت، الكاتب السابق بمحكمة تيزي وزو ومسؤول الحزب في القبائل.

وفي ليلة 22 ماي، كانت الشرطة قد اعتقلت رسولاً كان يحمل أمر الإلغاء نحو البويرة، وعثرت معه على رسالة مشفرة تقول: «لا تذبحوا الثور!» فتم اعتقال «صاحب الحصان الأبيض»، وهو لقب محند أوشيش، وتعذيبه بدوره.

كانت صورة الحصان الأبيض، بالنسبة له، امتداداً رمزياً لذاكرة المقاومة الجزائرية، كما لو أن المخيال الشعبي ما زال يحتفظ بصورة فرسان نوميديا الذين هزموا الجيوش الرومانية.

كل هذه الاضطرابات فرضت على مجموعتنا مسؤولية إعادة تنظيم الحزب في القبائل الكبرى. فقد انقطعت صلتنا تماماً بالجزائر العاصمة، ولم نعد ننتظر الكثير من القيادة التي فقدت، بالنسبة لنا، هيبتها بعدما تراجعت في آخر لحظة.

لقد فاجأ أمر الانتفاضة المناضلين وأرعبهم، لكن أمر الإلغاء هزهم بعنف أكبر. صحيح أن كثيرين شعروا بالارتياح بسبب ضعف التحضير الواضح، لكن كيف يمكن تقبل أن تُتخذ قرارات بهذه الخطورة ثم تُلغى بهذه الخفة؟

ومع ذلك، خرجنا نحن الشباب من تلك التجربة بدرس أساسي: لم نعد نؤمن بالقوة السحرية للقيادة في الجزائر العاصمة. اضطررنا للاعتماد على أنفسنا، وأن نصبح أكثر انتباهاً لواقع المجتمع الجزائري المتحرك، ولشباب يبحث عن التنظيم والعمل.

وسرعان ما علمنا بما حدث في بقية البلاد. ففي #سعيدة أُحرقت البلدية على يد مناضلي الحزب وتم اعتقال معظمهم، وفي شرشال كُشف التمرد الذي كان يخطط له عمر عمران داخل مدرسة الضباط.

أما «جيش الجنوب الجزائري» الذي قيل لنا إنه سيتحرك نحو الشمال، فلم نسمع عنه شيئاً بعد ذلك أبداً.

لقد فقد حزب الشعب الجزائري ما تبقى له من نفوذ في الأرياف، لكن مأساة سطيف ستعمل ببطء كعامل كشف سياسي عميق. ففي يوم النصر نفسه، غُرقت تطلعات الجزائريين في بحر من الدماء، و«الرأي العالمي» و«الضمير الإنساني».

وامتلأت قلوب الجزائريين والجزائريات بالغضب والمهانة، وبدأت فكرة التمرد، بالمعنى العميق للكلمة، تتجذر في النفوس. وأصبح اللجوء إلى الكفاح المسلح أمراً ممكناً.

لقد أعادت مجازر هيليوبوليس، وقصف الطراد الفرنسي «دوغاي تروان» لسواحل جيجل، والغارات الجوية على دواوير القبائل، إحياء روح المقاومة الكامنة في أعماق الشعب.

وكان الوعي الثوري الجديد يتشكل بعيداً عن تأثير حزب الشعب الذي خُنق بالقمع، وبعيداً عن الحزب الشيوعي الذي تبنى خطاباً انتهازياً موالياً للاستعمار، وكذلك بعيداً عن جمعية العلماء التي ابتعد بعض قادتها عن الحركة الشعبية بعد خروجهم من السجون.

أما التيار الوحيد القادر على استيعاب هذا التحول الثوري، فكان ، أي إيمان البسطاء العميق، القادر على احتضان قيم المقاومة والكرامة.

وفي الوقت الذي كانت الإدارة تسيطر فيه على المدن، دخلت الجماهير الريفية إلى المسرح السياسي. فقد أطلقت الفلاحة الفقيرة، التي زادتها الحرب والفقر بؤساً، طاقات ثورية جديدة.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن تتطابق مناطق البؤس الاجتماعي مع معاقل المقاومة التاريخية، من #تاكفاريناس إلى عبد الكريم الخطابي، مروراً القادر والمقراني. فقد ظلت استمرارية المقاومة حاضرة في الذاكرة الجماعية.

في الأيام التالية للانتفاضة التي أُجهضت قبل أن تبدأ، لم نكن نحن التلاميذ قادرين على تحليل كل هذه التحولات، لكننا كنا نحس بوجود تضامن شعبي عميق.

ومن بين كل دواوير بني وعقيف، لم تصل إلى الإدارة سوى وشاية واحدة. وقد صدرت عن رجل مصاب بجنون العظمة السياسية، بعث تقريراً مليئاً بالهذيان إلى الإدارة حول «المحرضين» و«التحركات التخريبية».

فكرنا، أنا وآيت حمو، في معاقبته بطريقة رمزية: تجريده من ملابسه في السوق، وإلباسه لباس امرأة، وقص شاربيه الضخمين. لكن والدي تدخل ومنع ذلك، مكتفياً بإبعاده عن الدوار حفاظاً على الهدوء.

كنا آنذاك معزولين عن قيادة الجزائر بسبب الاعتقالات الواسعة. وكانت أهم ضربة للشرطة هي اعتقال سيد علي حاليت، لأنه كان يُفترض أن يعرف أسماء ومخابئ قادة الحزب في العاصمة.

وقد تعرض لتعذيب رهيب في تيزي وزو، باستعمال «البانيو والكهرباء»، دون أن يعترف بشيء. ثم نُقل إلى الجزائر، إلى فيلا سيسيني الشهيرة، التي ستبقى مركزاً للتعذيب حتى بعد الاستقلال بسنوات.

بعد أسابيع من الجحيم، تمكن من الهرب في ظروف مذهلة. كان بالكاد قادراً على الوقوف، لكنه وجد في اليأس قوة غير متوقعة، ففرّ من الفيلا وركض لمسافة طويلة حتى وصل إلى متجر صغير يملكه أحد المناضلين، الذي لم يتعرف عليه في البداية بسبب آثار التعذيب على جسده.

تكفلنا به في القبائل، وظل لأسابيع يعاني من الكوابيس والهلع الليلي. لكن صموده تحت التعذيب أعطانا الثقة بأن أسماءنا لم تُكشف.

وهكذا قرر مجلس المنطقة المعاد تشكيله أن نعود إلى الجزائر لاجتياز امتحان البكالوريا.

رفضت في البداية، لأن القرار كان يعني العودة إلى حياة عادية في وقت كانت البلاد تغلي، لكنني وافقت في النهاية.

وصلنا إلى ثانوية بن عكنون صباح الامتحان، في السابعة صباحاً. استعرنا الأقلام والمسطرة والف*جار من هنا وهناك، ثم توجهنا بالحافلة إلى الكليات مع بقية المترشحين.

كان امتحان البكالوريا آنذاك يشمل الفرنسية والرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغات والتاريخ والجغرافيا. وفي موضوع الإنشاء اخترت الكتابة عن جان جاك روسو، روسو الثوري في أفكاره التربوية والسياسية.

نجحت أنا ولعيمش في الامتحان الكتابي، ثم اجتزنا الشفهي. وكانت أسوأ علامة لي في الجغرافيا، بينما تمكنت في التاريخ من الارتجال مطولاً حول الحملة الفرنسية على مصر حتى لا يمنحني الأستاذ فرصة لطرح أسئلة دقيقة حول التواريخ.

وبنجاحي في الجزء الأول من البكالوريا، منحت عائلتي أملاً كاذباً، لأننا كنا قد اتخذنا قراراً نهائياً بقطع الدراسة والتفرغ للنضال.

فما فتحه ماي 1945 لم يكن مجرد أزمة عابرة، بل مرحلة تاريخية جديدة، تتطلب أشكالاً جديدة من .

وسرعان ما وجدنا أنفسنا أمام مهام جديدة، خاصة مع اقتراب الانتخابات البلدية والكانتونية المقررة في سبتمبر 1945. ورغم أن القيادة لم تستشرنا في قرارها، فإنها اتخذت موقفاً اعتبرناه صائباً عندما دعت الشعب الجزائري إلى مقاطعة الانتخابات.

كانت الجماهير ما تزال تحت تأثير صدمة مجازر سطيف وقالمة، ولذلك بدا المناخ ملائماً لنجاح دعوة المقاطعة. فالامتناع عن التصويت كان شكلاً من أشكال الاحتجاج قليل المخاطر في ظل الرعب الذي فرضه القمع الاستعماري.

لكننا فوجئنا بأمر آخر اعتبرناه خطيراً سياسياً: صدرت تعليمات بتصفية المرشحين المشاركين في الانتخابات.

كان هو من نقل إلينا هذا الأمر، ويبدو أنه كان متحمساً لفكرة «معاقبة الخونة». وبعد اجتماع مجلس المنطقة، رفضنا بشكل قاطع تنفيذ تلك التعليمات.

لقد رأينا أن البلاد خرجت بالكاد من مغامرة كارثية في ماي 1945، وأن المنطقة تعيش تحت حصار عسكري دائم: وحدات مغربية، فيالق استعمارية، وفيلق أجنبي يطوق القرى ويشن حملات تمشيط. وكانت المقاومة المسلحة ما تزال تشتعل هنا وهناك.

فكيف يمكن، في ظل هذه الظروف، المجازفة بموجة جديدة من الدماء من أجل هدف انتخابي محدود؟

كنا مقتنعين بأن نجاح المقاطعة يمكن تحقيقه عبر العمل السياسي والتنظيمي، من خلال إقناع السكان في القرى والدواوير، لا عبر الاغتيالات الفردية.

#لقد انتهى زمن الطاعة العمياء.

ذهب والي بنّاي إلى الجزائر العاصمة لينقل موقفنا الحازم إلى أحمد بودة وعبد الله فيلالي. وقد تحدث معهم بلهجة شديدة، مؤكداً أن منطقة القبائل لن تتحول إلى ساحة مغامرات جديدة بينما لا يحدث شيء مماثل في بقية البلاد.

كنا نظن أننا أقنعنا القيادة، لكن بعض المسؤولين واصلوا الدفع نحو التصعيد. فقد التف #فيلالي على مجلس المنطقة واستدعى زروال إلى الجزائر، وشجعه على تنفيذ الاغتيالات ضد المرشحين.

وهكذا اندلعت موجة جديدة من العنف في القبائل الساحلية.

وكان أبرز العمليات محاولة اغتيال الباشاغا آيت علي، أحد حلفاء الإدارة الاستعمارية والإقطاعيين المحليين. وقد شارك محند سعيد مزوزي في تلك العملية، بدافع سياسي وأيضاً بسبب العداء التاريخي بين عائلته وعائلة الباشاغا.

وسرعان ما دخلت المنطقة في دوامة: عمليات فدائية تتبعها حملات عسكرية وانتقام جماعي.

لكن العملية التي أحدثت أكبر صدمة نفسية كانت تصفية أحد القواد في برج منايل، وكان معروفاً بقسوته وساديته أثناء القمع.

وقد تلقى هذا القائد رسالة تهديد تحدد له يوم وساعة إعدامه. ونفذ العملية ، الذي تنكر في هيئة متشرد وجمع أعقاب السجائر في الشوارع حتى تمكن من الوصول إلى هدفه وسط الحراسة المشددة، ثم انسحب ببرودة أعصاب مذهلة.

غير أن الاستعمار لم يكن مستعداً لتحمل تحدي عدد قليل من رجال الماكي. فأطلق حملة قمع شاملة باسم «المسؤولية الجماعية». ولم تكن الجزائر كلها تعلم شيئاً تقريباً عما يحدث في القبائل.

تم اعتقال #زروال وعدد كبير من المناضلين الذين حُكم على بعضهم بالسجن سبعة عشر عاماً كاملة، ولم يخرجوا إلا بعد وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962.

أما في القبائل الكبرى، فقد نجحت حملة المقاطعة نجاحاً ساحقاً، ومن دون اللجوء إلى السلاح. ففي كثير من القرى، قررت الجماعات المحلية مقاطعة كل من يشارك في الانتخابات، وهي عقوبة اجتماعية قاسية تمس حتى النساء والأطفال.

وبذلك وجد المرشحون أنفسهم يخاطبون فراغاً.

وفي ميشليه واجهتنا حالة خاصة تتعلق بخالي #الشريف بن قداش، الذي كان يتمتع بنفوذ عائلي واجتماعي كبير، وقرر الترشح ضد مرشح الإدارة الاستعمارية.

كان هذا الرجل شخصية معقدة: ابن قائد تقليدي وشاعر صوفي، ومهندس سابق في الأشغال العمومية، استقال من منصبه ليتولى قيادة منطقته. وقد دخل في صراع مع الإدارة الاستعمارية بسبب فسادها وتعسفها.

في البداية تمكنت من إقناعه بالتخلي عن الترشح، مذكراً إياه بأن المعركة لم تعد معركة محلية بل أصبحت معركة وطنية من أجل التحرر.

لكن بعد أيام دعانا إلى اجتماع في مخزن صغير بميشليه، بحضور #عمر اوصديق #وولد حمودة ووالدي وبعض المناضلين.

وهناك أعلن فجأة أنه أهان الإداري الفرنسي واستقال من منصبه كقائد، وأنه قرر الترشح في الانتخابات لمواجهة مرشح الإدارة.

وطلب منا دعمه.

كان ذلك مثالاً آخر على التعقيد السياسي والاجتماعي الذي كانت تعيشه الجزائر آنذاك: فقد كانت الوطنية الجزائرية تتشكل داخل مجتمع ما يزال تحكمه العلاقات العائلية والرمزية التقليدية، وتتصارع فيه الرغبة في الإصلاح مع منطق الثورة.

وهكذا، بين العمل السري، والتنظيم السياسي، والصدام مع الاستعمار، والترددات الداخلية، كنا نحن الشباب نتعلم السياسة والثورة معاً، وسط عالم قديم كان ينهار، وعالم جديد لم يولد بعد بالكامل.

Adresse

AIT HIDJA
Tizi Ouzou

Site Web

Notifications

Soyez le premier à savoir et laissez-nous vous envoyer un courriel lorsque L'Histoire du Scoutisme Algérien تاريخ الكشافة الجزائرية publie des nouvelles et des promotions. Votre adresse e-mail ne sera pas utilisée à d'autres fins, et vous pouvez vous désabonner à tout moment.

Partager