10/06/2026
بقلم دكتور طه كوزي
حالة طوارئ في بيوتنا! فالأبناء في عطلة؟
بمجرد نتوء عطلة تربوية طبيعية أو اصطناعية ليوم أو يومين أو أسبوع أو أسبوعين في برنامج الأبناء، تدخُل العائلة بأسرها في حالة طوارئ بحثا عن برامج تعليمية لتأطير الأبناء آناء الليل وطيلة النهار، وفور إعلان عطلة مدرسية، طالت أم قصرت، تتحول البيوت إلى خلية استعْلامات متطورة بأجهزة إلكترونية دقيقة وحساسة في البحث عن برامج لتأطير البنات والأبناء...
لم يعد الوالدان اليوم، أحدُهما أو كلاهما، يُطيق رؤية بناته وأبنائه في بيته، ولم يعُد يقوى الواحد منهما على أن يؤطر ابنه وابنته بنفسه ويأخذ بيده، فقد أصبحوا عبء ثقيلا عليهما وعلى الحياة، بخاصة إن كان الوالدان كلاهما مشغولين بدوام وظيفي رسمي أو عمل منزلي غير رسمي...
كانت العطلة بالنسبة لأبناء جيلي فرصة لاستغوار تجارب اجتماعية مركبة من مغامرات، ومباريات كرة قدم مراطونية قد يبلغ الشوط فيها ساعتين كاملتين، وكانت بيئة العطلة مناخا اجتماعيا يعزز فينا معاني المغامرة، وكسب علاقات جديدة، ونضجا اجتماعيا غزيرا، ويضعنا وجها لوجه بين "المبادئ" التي نتعلمها في مدارسنا وزوايانا وتكايانا، ومغامرات طفولية قد تزج بنا في دائرة المشبوه والممنوع لعمر الطفولة: من دق أجراس البيوت والهرولة بعيدا عنها، وبرمجة مغامرات جبلية، والسباحة الجماعية مع الشلة والشرذمة من الأقران والأصحاب بإذن آبائنا وأمهاتنا وبغيره...
العطلة بالنسبة إلينا، في كثير من الأحيان، لحظات فراغ باعثة على الملل والقلق والبحث عن وسائل ذاتية لملء أوقات فراغنا بأنفسنا، والتعلق بأهداف إجرائية، هامة أو تافهة، نحققها دون الحاجة إلى أحد...
إن البرامج التربوية الصيفية هي مبادرات تربوية متميزة، بخاصة في زمن العطل الطويلة المزمنة، ولها دور متميز في تأطير الأبناء في برنامج زمني معقول غير مسرف، وغير قاتل لدور الأب والأم والأخت الكبرى والأخ الأكبر في البيت والعائلة...
لكنني أعارض، بشدة، أن يستعمل الأب والأم هذه البرامج وسيلة للاستقالة والانسحاب من مهامهما في التربية، فتتحول الأم، عند كل عطلة، إلى مرشدة في مكتب استعلامات وبرمجة وتنظيم لدورات تربوية للأبناء، ويتحول الأب إلى سائق ومسؤول لوجيستيكي للنقل، والإمداد، والعدة والعتاد التربوي...
الابن الناضج الواعي هو ثمرة دراسة وتربية وتعليم، لكنه أيضا غراس تجارب اجتماعية في لحظات العطل يلقى فيها مختلف صنوف البشر فتختبر فيه أخلاقه، وتزيدُه إدراكا ووعْيا بالحياة..
إن نُضج بناتنا وأبنائنا ثمرة لحظات تعلّم وتمدرُس، وكذا لحظات فراغ وملل، تبعث في النفس التحدّي بـحثا عن تجارب جديدة في الحياة في قابل الأيام، فالإنسان لا ينْشد إلى أهداف سامية إلا إن تجرع جرعات غير مفرطة من الملل والفراغ، وشريطة أن يكون الأب والأم، أحدهما أو كلاهما، حاضرا غير غائب، وأن يكون البيت أسرة حاضنة لا مجرد جدران إسمنتية باهتة خامدة لمحطة لوجيستيكية: للنقل، والخدمات الاجتماعية، والأمن، والمؤونة، والعتاد...
فهل أنت مع بناتك وأبنائك أم وأب؟ أم مجرد خلية للاستعلامات؟ ومكتب للخدمات؟