17/09/2026
حين يصبح الفشل بطولة ثمة ظاهرة تستحق التأمل في زمننا هذا بعض الذين لم يتركوا في دفتر الحياة إنجازا واحدا صاروا يتحدثون عن الاقتصاد بلسان الخبراء وعن السياسة بلسان رجال الدولة وعن الإدارة بلسان أصحاب التجربة وعن الدبلوماسية بلسان من قضوا أعمارهم بين العواصم يجلس الواحد منهم أمام هاتفه ويضع الجزائر كلها في كفة ثم يبدأ بتوزيع الأحكام بثقة من امتلك مفاتيح الحقيقة وأخفى عنها الجميع إن شيدت الدولة قال كان عليها أن تشيد أكثر وإن أنجزت قال هذا واجب وإن نجحت قال الظروف خدمتها وإن تعثرت صاح في وجه الجميع ألم أقل لكم وإن تغيرت الأحوال بحث عن مؤامرة وإن بقيت على حالها وجد في الجمود دليلا جديدا على الفشل موهبة نادرة تلك التي تجعل صاحبها قادرا على تحويل كل خبر إلى مأخذ وكل إنجاز إلى صدفة وكل جهد إلى تقصير المسألة ليست في النقد فالنقد الصادق ضرورة وليست في الاختلاف فالاختلاف دليل حياة لكن الخلل يبدأ حين يتحول الاعتراض إلى هوية ويصبح التشاؤم مهنة ويغدو التقليل من كل ما يتحقق وسيلة لصناعة بطولة وهمية ذلك الذي لا يقدم مشروعا ولا يحمل مبادرة ولا يعرف من الميدان إلا ما يظهر في الصور يملك مع ذلك رأيا نهائيا في كل شيء يعرف كيف تدار الدولة وكيف تبنى المدن وكيف يعالج الاقتصاد وكيف تصاغ القرارات وكيف ينبغي أن يتحرك الآخرون وحده لا يجد في قاموسه فعلا واحدا اسمه العمل والأكثر إثارة للسخرية أن صاحب هذه العبقرية لا يكتفي برفض الواقع بل يريد من الجميع أن يروا العالم بعينيه إذا رأيت إنجازا طلب منك البحث عن عيبه وإذا رأيت نجاحا فتش عن سببه الخفي وإذا شعرت بالأمل اتهمك بالسذاجة هكذا يتحول الفشل إلى موقف مريح لا مسؤولية فيه ولا مخاطرة ولا تعب يكفي أن تجلس بعيدا عن الميدان ثم تنتظر سقوط من يعمل لتقول بكل ثقة لقد كنت أعرف الدولة ليست معصومة من الخطأ والمؤسسات ليست فوق النقد والمشاريع ليست كلها ناجحة والمسؤولون ليسوا جميعا على درجة واحدة من الكفاءة لكن الفارق كبير بين من يضع إصبعه على الخلل ليقترح علاجا وبين من يبحث عن الخلل ليستعمله دليلا على أن كل شيء خاطئ هناك من يسأل ماذا نستطيع أن نفعل وهناك من لا يتجاوز سؤاله ماذا قدموا لنا الأول يصنع أثرا والثاني يصنع ضجيجا الأول يدخل الميدان والثاني يدخل التعليقات الأول يترك شيئا خلفه والثاني يترك رأيا ولعل أكثر ما يستحق التأمل أن أسهل مهنة في هذا الزمن ليست البناء ولا الإدارة ولا البحث ولا الابتكار أسهل المهن أن تكون خبيرا بعد وقوع الأحداث وأن تكون شجاعا بعد انتهاء المعركة وأن تشرح للذين عملوا لماذا كان عليهم أن يفعلوا شيئا آخر ليس من البطولة أن ترى العيوب فذلك متاح للجميع البطولة أن تملك شجاعة الإصلاح وأن تدفع ثمن المحاولة وأن تضع شيئا حقيقيا في ميزان الوطن أما أن تجعل من عجزك عن الفعل فضيلة ومن تشاؤمك بصيرة ومن فشل الآخرين دليلا على عبقريتك فتلك ليست بطولة ذلك فقط فشل يرتدي بذلة أنيقة