صابر بقور-Beggour Saber

صابر بقور-Beggour Saber Informations de contact, plan et itinéraire, formulaire de contact, heures d'ouverture, services, évaluations, photos, vidéos et annonces de صابر بقور-Beggour Saber, Organisme communautaire, Batna.

أستاذ جامعي جزائري 🇩🇿✒️
كاتب 📚
صانع محتوى 🎙️
تواصل معي لطلب استشارتك العلمية أو المهنية في
مجالات: ✅منهجية البحث العلمي
✅التسويق
✅العلاقات العامة
✅صناعة المحتوى

15/08/2026

هل أفهم أنك كنت هو في حياتك السابقة وفقا لفكرة الأوروبوروس  أم أنه مجرد إعجاب بفنه، فردت متحمسة في حياتي السابقة كنت الو...
13/08/2026

هل أفهم أنك كنت هو في حياتك السابقة وفقا لفكرة الأوروبوروس أم أنه مجرد إعجاب بفنه، فردت متحمسة في حياتي السابقة كنت الوردة البيضاء التي رسمها فانكوخ في لوحته نوار اللوز ALMOND BLOSSOMS

الوعي هو تلك الطفرة السحرية التي تأخذ موجة صوتية وتحولها إلى موسيقى تبكينا، وتأخذ فوتونات ضوئية وتحولها إلى غروب شمس حزي...
12/08/2026

الوعي هو تلك الطفرة السحرية التي تأخذ موجة صوتية وتحولها إلى موسيقى تبكينا، وتأخذ فوتونات ضوئية وتحولها إلى غروب شمس حزين؛ ببساطة إنه المعنى، الوعي هو الإدراك الذاتي؛ أن تعرف أنك تعرف. لكنه في جوهره يحمل لعنة كبرى: الرعب الوجودي. الوعي يجعل الإنسان الكائن الوحيد الذي يدرك حتمية فنائه

صباح الخيرات وجمعة مباركة يسعدني الإعلان عن نشر  مقالي الجديد باللغة الإنجليزية رفقة  شقيقتي الدكتورة د.فاطمة همال Dr.Fa...
07/08/2026

صباح الخيرات وجمعة مباركة
يسعدني الإعلان عن نشر مقالي الجديد باللغة الإنجليزية رفقة شقيقتي الدكتورة د.فاطمة همال Dr.Fatima Louiza HEMAL
والموسوم ب:
Following social media influencers and its impact on marital satisfaction among algerian woman, a statistical empirical study on a sample of algerian woman
متابعة مؤثرات الميديا الاجتماعية وأثره على الرضا الزوجي للمرأة الجزائرية ، دراسة على عينة من النساء الجزائريات
✅رابط الاطلاع على الدراسة :

https://www.ajessjournal.com/index.php/ajess/en/article/view/64/106

 #مفاهيم ✅مفهوم     ويتعلق بفكرة  أن القرارات البشرية يمكن التأثير فيها من خلال تصميم البيئة التي تُعرض فيها الخيارات، د...
06/08/2026

#مفاهيم
✅مفهوم

ويتعلق بفكرة أن القرارات البشرية يمكن التأثير فيها من خلال تصميم البيئة التي تُعرض فيها الخيارات، دون إلغاء حرية الاختيار. ويُعرف هذا الأسلوب بـ "الدفع اللطيف" (Nudging)، حيث يُعاد تنظيم الخيارات بطريقة تجعل بعض البدائل أكثر جاذبية أو سهولة من غيرها.
في البيئة الرقمية، أصبحت الخوارزميات هي المهندس الرئيس لهذه البيئة الاختيارية. فهي تحدد ترتيب نتائج البحث، وتوصي بالمحتوى، وتقترح الأصدقاء، وتعرض الإعلانات، وتختار الأخبار التي تظهر أولاً في الصفحة الرئيسة. وبذلك، فإن المستخدم لا يتعامل مع فضاء معلوماتي محايد، بل مع بيئة صممتها خوارزميات تسعى إلى تحقيق أهداف محددة، مثل زيادة التفاعل، أو تحسين تجربة الاستخدام، أو تعظيم الإيرادات الإعلانية.
وتعتمد هندسة الاختيار الخوارزمية على تحليل البيانات السلوكية للمستخدمين، بما يشمل سجل البحث، والتفاعلات السابقة، والموقع الجغرافي، والاهتمامات، والعلاقات الاجتماعية، ثم تستخدم نماذج التعلم الآلي لتوقع المحتوى أو الخيارات الأكثر احتمالاً لجذب انتباههم. وهكذا، لا تقتصر وظيفة الخوارزمية على تقديم المعلومات، بل تمتد إلى تشكيل بيئة القرار نفسها.
ومن منظور الحوكمة الخوارزمية، تمثل هندسة الاختيار آلية دقيقة لإدارة السلوك الاجتماعي، إذ تستطيع المؤسسات العامة والخاصة استخدام الخوارزميات لتشجيع سلوكيات معينة، مثل الامتثال الضريبي، أو ترشيد استهلاك الطاقة، أو تعزيز المشاركة في الخدمات الرقمية، أو تحسين الالتزام بالإجراءات الصحية. إلا أن هذه القدرة تثير تساؤلات أخلاقية حول الحدود الفاصلة بين التوجيه المشروع والتلاعب بالسلوك، خاصة عندما لا يكون المستخدم مدركاً للآليات التي تشكل خياراته.

المنهجية الفلسفية من المعطيات إلى النظرية.صدر : 2022يمثل كتاب "المنهجية الفلسفية: من المعطيات إلى النظرية" حالة نادرة من...
02/08/2026

المنهجية الفلسفية من المعطيات إلى النظرية.
صدر : 2022

يمثل كتاب "المنهجية الفلسفية: من المعطيات إلى النظرية" حالة نادرة من حيث نشأته، إذ لم يبدأ مشروعاً مستقلاً بذاته منذ البداية، بل نشأ من رحم مشروع آخر مختلف تماماً في موضوعه. ففي سنة 2013 كان المؤلفون الثلاثة، جون بنجسون وتيرينس كونيو وروس شيفر-لانداو، قد شرعوا في التخطيط لتأليف كتاب في حقل ما وراء الأخلاق، يتناول قضايا الواقعية الأخلاقية والتعبيرية وما شابهها من إشكالات معيارية.(1) غير أن مساراً غير متوقع اعترض هذا المشروع الأولي، حين تلقى المؤلفون في ورشة عمل عُقدت بمدينة أمستردام سنة 2015 انتقاداً لافتاً مفاده أنهم، وإن كانوا يمارسون منهجية فلسفية متميزة وواضحة المعالم في تناولهم لقضايا الأخلاق، إلا أنهم لم يبذلوا الجهد الكافي لتفصيل هذه المنهجية وتبريرها بشكل مستقل.(2) كان هذا التعليق بمثابة الشرارة التي غيرت مسار المشروع بالكامل؛ إذ قرر المؤلفون الثلاثة أن يحولوا اهتمامهم عن موضوع الأخلاق تحديداً، لينكبوا على معالجة سؤال أعمق وأكثر شمولاً، وهو سؤال طبيعة الاستقصاء الفلسفي في حد ذاته، بمعزل عن أي حقل بعينه.(3)

ولم يكن هذا التحول اعتباطياً أو نزوة عابرة، بل استند إلى قناعة راسخة عبّر عنها المؤلفون بوضوح، مفادها أن الالتزامات المنهجية، وإن ظلت في الغالب ضمنية وغير معلنة، هي التي تشكل بعمق مسار النقاشات الفلسفية ونتائجها. فحين تتباعد هذه الالتزامات المنهجية بين المتحاورين دون أن يعوا ذلك، ينشأ سوء فهم متراكم ونزاعات لا تنتهي، وهو ما استحضر المؤلفون بشأنه عبارة كانط الشهيرة التي وصفت الفلسفة بكونها ساحة معارك من التناقضات التي لا نهاية لها.(4) ويرى المؤلفون أن جزءاً كبيراً من هذه المعارك العقيمة ناتج عن غياب الشفافية المنهجية، أي عن كون الفلاسفة يفترضون ضمنياً معايير معينة لما يُعد معطى مقبولاً وما يُعد منهجاً سليماً للتنظير، دون أن يصرّحوا بهذه الافتراضات أو يبرروها.(5) ويضاف إلى هذا الدافع دافع آخر لا يقل أهمية، وهو ما يصفه بعض الفلاسفة المعاصرين بالفضيحة أو الأزمة المنهجية التي تعيشها الفلسفة، والمتمثلة في أن الحقل ورث من هيمنة المنعرج اللغوي الذي طبع الفلسفة التحليلية طيلة عقود من القرن العشرين، لكنه انتقل بعد ذلك، مع صعود مقاربات جديدة كالفلسفة التجريبية والنزعة الطبيعية، دون أن يصوغ لنفسه منهجية بديلة دقيقة وواضحة لما ينبغي أن يكون عليه الاستقصاء الفلسفي غير اللغوي.(6) وثمة دافع ثالث يذكره المؤلفون، وهو ملاحظتهم أن الفلاسفة قد انشغلوا طويلاً بمسألة الحِجاج، أي بناء الحجج المنطقية الصحيحة والدفاع عنها، على حساب الانتباه لمسألة التنظير، أي كيفية تركيب هذه الحجج والنتائج الجزئية في نسق نظري متكامل يفسر مجالاً بأكمله، وهو ما دفعهم إلى محاولة إعادة الاعتبار لهذا البعد المهمَل من الممارسة الفلسفية.(7)

أما من حيث التعريف بالمؤلفين وطبيعة العمل، فإن الكتاب صدر في طبعته الأولى سنة 2022 عن دار نشر جامعة أكسفورد، وهو من تأليف ثلاثة فلاسفة أمريكيين بارزين معروفين بإسهاماتهم في حقول متداخلة من الإبستمولوجيا والأخلاق وفلسفة الذهن.(8) والعمل في طبيعته ليس دراسة في مذهب فلسفي بعينه، ولا هو محاولة للانتصار لمدرسة تحليلية أو قارية على حساب الأخرى، بل هو دراسة مونوغرافية مستقلة تتناول طبيعة الاستقصاء الفلسفي في عمومه وتجريده، بصرف النظر عن الموضوع المحدد الذي يُطبَّق عليه هذا الاستقصاء، سواء كان في الميتافيزيقا أو الأخلاق أو فلسفة الإدراك أو غيرها.(9)

وتتمحور الأطروحة المركزية لهذا الكتاب حول فكرة أساسية مفادها أن الاستقصاء الفلسفي، حين يعمل في وضعه النظري، هو نوع خاص من الاستقصاء النظري يتكون بنيوياً من مرحلتين متعاقبتين ومترابطتين.(10) المرحلة الأولى هي مرحلة جمع المعطيات، وهي نقطة الانطلاق التي يتم فيها تجميع الاعتبارات والملاحظات التي يتوجب على أي نظرية لاحقة أن تتعامل معها وأن تأخذها بعين الاعتبار.(11) والمرحلة الثانية هي مرحلة التنظير، وفيها يُبنى صرح النظرية ويُقيَّم بناء على تلك المعطيات المجموعة سلفاً.(12) ويصر المؤلفون على نقطة جوهرية، وهي أن الهدف الأسمى والنهائي الذي يسعى إليه هذا الاستقصاء بمرحلتيه ليس مجرد تحصيل معرفة عادية أو اعتقاد صادق مبرر بموضوع البحث، بل هو تحقيق ما يسمونه الفهم النظري، وهو هدف أكثر عمقاً وتطلباً من مجرد المعرفة الجزئية المتفرقة.(13)

وينبني هذا التمييز الدقيق بين المعرفة والفهم على أساس أن المعرفة قد توجد وتتحقق حتى مع وجود قدر من التشويش أو الارتباك المفاهيمي لدى صاحبها، في حين أن الفهم يستلزم إضاءة شاملة ومنتظمة للموضوع، تتجاوز مجرد الإحاطة بحقيقة معزولة إلى إدراك موقعها ضمن نسق أوسع من العلاقات والتفسيرات.(14) ويسوق المؤلفون لتوضيح هذا الفارق مثالين دالين، أولهما مثال النسبة الرياضية، إذ يمكن لتلميذ أن يعرف أن قيمة "پي" هي نسبة محيط الدائرة إلى قطرها، دون أن يكون هذا التلميذ قد استوعب فعلياً مفهوم النسبة ذاته استيعاباً يزيل عنه كل ارتباك، وثانيهما مثال البناء الاجتماعي، إذ قد يعرف الفيلسوف أن العرق بناء اجتماعي، لكنه إن كان يحمل تصوراً خاطئاً عن ماهية البناء الاجتماعي في ذاته، فإن معرفته هذه تظل مشوبة بخلل يمنعها من الارتقاء إلى مرتبة الفهم المطلوب.(15)

وتتحدد معالم "الفهم النظري" الذي يُعد الغاية القصوى للاستقصاء الفلسفي من خلال ست خصائص أساسية، يشترط المؤلفون توفرها مجتمعة في أي نظرية تطمح لتحقيق هذا الفهم، ولا يكفي توفر بعضها دون بعض. الخاصية الأولى هي الدقة، أي أن تكون النظرية دقيقة في تمثيلها للواقع الذي تتصدى لتفسيره، بحيث تتجنب التعميمات المضللة أو التشويهات التي تُخرج الظاهرة عن حقيقتها.(16) والخاصية الثانية هي الاستناد إلى الأسباب، بمعنى أن النظرية يجب أن تكون مدعومة باعتبارات وأسباب حقيقية تسندها، لا أن تكتفي بمجرد الاتساق الداخلي الشكلي الذي قد يتحقق حتى في بنية متماسكة لكنها فارغة من المضمون التبريري.(17) أما الخاصية الثالثة فهي المتانة، وتعني أن على النظرية أن تكون قادرة على الإجابة عن نطاق واسع من الأسئلة المتعلقة بالسمات الجوهرية للمجال الذي تبحث فيه، لا أن تقتصر على تفسير جزئية ضيقة وتترك بقية المجال بلا تفسير.(18)

وتأتي الخاصية الرابعة وهي الإضاءة، ومفادها أن النظرية الناجحة لا تكتفي بوصف الظواهر كما هي، بل تقدم تفسيراً حقيقياً يجيب عن سؤال "لماذا" الظواهر على هذا النحو، فالوصف المجرد للوقائع، مهما كان دقيقاً، لا يرقى إلى مرتبة الفهم ما لم يصحبه تعليل يضيء الأسباب الكامنة وراءها.(19) والخاصية الخامسة هي النظامية، وتعني أن تكشف النظرية عن العلاقات المنهجية والروابط الداخلية بين مختلف عناصر المجال المدروس، بحيث لا تظل هذه العناصر متناثرة معزولة، بل تندرج ضمن نسق متماسك يُظهر كيفية ارتباطها ببعضها البعض.(20) أما الخاصية السادسة والأخيرة فهي الاتساق، أي أن تنسجم النظرية داخلياً بين مختلف مكوناتها من جهة، وأن تنسجم أيضاً مع النظريات الأخرى الدقيقة والراسخة في المجالات المجاورة أو المتصلة بها من جهة أخرى، فلا تصطدم بما ثبت صحته في حقول معرفية أخرى بلا مبرر كافٍ.(21)

ويخلص المؤلفون من عرض هذه الخصائص الست إلى أن الطريقة الفلسفية السليمة هي تلك التي تضع الباحث على الطريق المؤدي إلى تحقيق هذا الفهم بأبعاده الستة مجتمعة، وهو ما يمهد لمناقشة "المعطيات الفلسفية" بوصفها نقطة الانطلاق الضرورية لأي استقصاء يطمح إلى بلوغ هذه الغاية.(22)

وقبل الانتقال إلى تفصيل نظرية المعطيات، يعرض المؤلفون نقداً مفصلاً لعدد من نماذج الاستقصاء المنافسة التي سبق لفلاسفة آخرين أن اقترحوها، مبرزين أوجه قصورها مقارنة بنموذجهم ثنائي المرحلتين. فأول هذه النماذج هو نموذج ديكارت الاستنباطي كما ورد في كتابه "قواعد لتوجيه العقل"، والذي يرى أن المنهج الفلسفي السليم يقوم على اختزال القضايا المعقدة إلى أبسط عناصرها الأولية، ثم الصعود من هذه العناصر البسيطة بواسطة الحدس العقلي المحض لإعادة بناء المعرفة بالبقية.(23) وينتقد المؤلفون هذا النموذج بوصفه نموذجاً "محلياً" لا يصلح إلا للمشروع الديكارتي الخاص، ولا يمكن تعميمه ليكون قاعدة عامة صالحة لكل أشكال الاستقصاء النظري في العلوم والإنسانيات، التي لا تعتمد بالضرورة على الحدس العقلي الخالص وحده.(24)

أما النموذج الثاني فهو النموذج البراغماتي عند جون ديوي، القائم على خمس مراحل متعاقبة ينتهي فيها الاستقصاء بالملاحظة والتجربة الحسية.(25) وينتقد المؤلفون هذا النموذج لكونه يغفل مجالات نظرية واسعة لا يمكن حسمها بالتجربة أو الملاحظة، فمعضلات من قبيل "مفارقة الكاذب" أو التساؤل عن سبب وجود شيء بدلاً من لا شيء، لا يمكن حلها بالرجوع إلى التجربة العلمية أو الملاحظة الحسية، مما يجعل نموذج ديوي قاصراً عن استيعاب طبيعة الأسئلة الفلسفية التجريدية.(26)

وثالث هذه النماذج هو "النموذج الجدلي"، الذي يصور الممارسة الفلسفية بوصفها صراعاً بين إجابات مرشحة متنافسة، تُساق لكل منها حجج مؤيدة وأخرى معارضة، إلى أن يُحسم النزاع لصالح إحداها.(27) ورغم أن هذا النموذج يبدو للوهلة الأولى واعداً ومطابقاً لما يجري فعلاً في الممارسات الفلسفية النقاشية، إلا أن المؤلفين يرون أنه يشوه طبيعة الاستقصاء تشويهاً جوهرياً، ذلك أنه يغفل الدور التأسيسي لـ"المعطيات" بوصفها منطلقاً سابقاً على التنظير؛ فالفيلسوف، كما يشبهونه بشرلوك هولمز، لا يمكنه أن "يصنع الطوب بدون طين"، أي لا يمكنه أن يُنظِّر قبل أن يجمع معطياته أولاً.(28) كما أن هذا النموذج يختزل الممارسة الفلسفية بأكملها في "الحِجاج"، في حين أن الحجة وحدها، مهما بلغت من الصلابة المنطقية، لا تصنع نظرية متكاملة، إذ يمكن للحجة أن تكون صحيحة ومقنعة تماماً دون أن تفلح في معالجة أي معطى حقيقي من معطيات المجال، كما هو الحال في بعض الحجج التي تكتفي بالنفي المجرد لوجود كيانات معينة دون أن تشكل بذلك نظرية ميتافيزيقية متكاملة البنيان.(29)

ويضيف المؤلفون إلى هذه الانتقادات نقداً لنموذج رابع، وهو نموذج "العوالم الممكنة" الذي اقترحه روبرت ستالناكر، والذي يصور الاستقصاء الفلسفي كعملية تدريجية لتضييق مساحة العوالم الممكنة المتوافقة مع معطياتنا حتى نصل إلى العالم الفعلي.(30) ويرى المؤلفون أن هذا النموذج، على الرغم من أناقته الشكلية، يظل نموذجاً ناقصاً لأنه يكتفي بوصف حدوث الاستقصاء من الخارج، دون أن يكشف عن المكونات الداخلية لهذه العملية أو كيفية ترابط أجزائها فيما بينها بوصفها نشاطاً معرفياً حياً.(31)

وأخيراً، يتصدى المؤلفون لموقف ديفيد تشالمرز الذي يجعل من "التقارب الجماعي" أو الاتفاق العام على الحقيقة هو الغاية القصوى المنشودة من الممارسة الفلسفية.(32) ويرفض المؤلفون هذا التصور من جهتين متكاملتين: فمن جهة أولى، الاتفاق غير كافٍ لتحقيق الغاية المنشودة، إذ يمكن للجميع أن يتفقوا على حقيقة معينة دون أن يكونوا قد فهموها فهماً نسقياً عميقاً بالمعنى الذي فصّله المؤلفون في خصائصهم الست؛ ومن جهة ثانية، الاتفاق أيضاً غير ضروري لتحقيق هذه الغاية، إذ لو تمكن باحث واحد من بناء نظرية تحقق فيها الخصائص الست للفهم مجتمعة، فإن استقصاءه يكون قد نجح ووصل إلى غايته، حتى لو ظل سائر الفلاسفة الآخرين غير موافقين عليه.(33)

تنتقل مناقشة المؤلفين، بعد الفراغ من نقد نماذج الاستقصاء المنافسة، إلى صلب موضوع "المعطيات الفلسفية"، بوصفها حجر الزاوية الذي يقوم عليه الاستقصاء النظري برمته، والذي يمثل نقطة البداية الضرورية التي لا يستقيم بدونها أي تنظير جاد.(34) ويحدد المؤلفون للمعطيات أربع خصائص جوهرية تجعلها صالحة لأداء هذه الوظيفة التأسيسية. الخاصية الأولى هي كونها نقطة انطلاق، بمعنى أن المعطيات هي مدخلات للتنظير وليست مخرجات له؛ أي أنها ما نبدأ به قبل الشروع في بناء النظرية، لا ما نصل إليه بعد الانتهاء منها.(35) والخاصية الثانية هي كونها مقيدة للاستقصاء، إذ تعمل المعطيات بمثابة "مرساة" تربط البحث بموضوعه الحقيقي وتمنعه من الانحراف عنه؛ فإهمال هذه المعطيات يجعل الباحث يضل الطريق عن جوهر الموضوع الذي يفترض أنه يدرسه أصلاً.(36)

أما الخاصية الثالثة فهي كون المعطيات قابلة للجمع، إذ لا تظهر من تلقاء نفسها، بل يتم تحصيلها عبر إجراءات وتقنيات محددة، كالحدس والملاحظة والحس المشترك والتحليل اللغوي.(37) والخاصية الرابعة والأخيرة هي كون المعطيات محايدة، وهذا الحياد لا يعني أنها بالضرورة صادقة أو غير قابلة للطعن، بل يعني أنها غير قطعية، أي قد تكون خاطئة أو حتى متناقضة في بعض الأحيان، لكنها مع ذلك تعمل بمثابة "عملة مشتركة" يمكن لجميع الفلاسفة من مختلف المدارس والمشارب أن يقبلوها كمنطلق مشترك للنقاش، حتى وإن اختلفوا فيما بعد حول كيفية تفسيرها أو استيعابها.(38)

ويواجه المؤلفون في هذا السياق تحدياً فلسفياً قديماً ومتجدداً، هو تحدي "تلوث المعطيات بالنظرية"، والذي يذهب إلى أن المعطيات ليست في الحقيقة محايدة كما يُدَّعى، بل هي في العمق مشبعة ومتشربة بنظريات مسبقة توجه إدراكنا لها من الأساس.(39) ويرد المؤلفون على هذا التحدي بحجتين أساسيتين؛ فمن جهة أولى، وجود التزامات نظرية مستمدة من مجالات أخرى، كالعلوم الطبيعية مثلاً، داخل معطى ما، لا يفسد بالضرورة حياد هذا المعطى بالنسبة للمجال الفلسفي المدروس تحديداً، فالتلوث بنظريات مجال آخر لا يعادل التحيز داخل المجال نفسه.(40) ومن جهة ثانية، يوضح المؤلفون أن المناهج السليمة لا تعامل المعطيات باعتبارها مقدسة لا يمكن المساس بها، بل يمكن للنظرية في النهاية أن ترفض بعض هذه المعطيات كلياً إذا تبين بعد فحص دقيق ومتأنٍ أنها لم تكن في الأصل سوى أوهام أو أخطاء إدراكية.(41)

وفي إطار سعيهم لتحديد ماهية المعطيات بدقة أكبر، يعرض المؤلفون ويناقشون ثلاث نظريات منافسة سبق لفلاسفة آخرين أن اقترحوها لتفسير طبيعة المعطى الفلسفي، مبينين أوجه القصور في كل واحدة منها. فأولى هذه النظريات هي النظرية السوسيولوجية، التي ترى أن المعطيات هي، ببساطة، ما يتفق عليه جمهور الفلاسفة فيما بينهم.(42) وينتقد المؤلفون هذه النظرية بحجة أن مجرد اتفاق الناس على أمر ما لا يحدد بالضرورة طبيعة الحقيقة في ذاتها؛ فقد يتفق جمع كبير من الناس على خطأ شائع لا يجعل منه صواباً بمجرد شيوعه واتفاقهم عليه.(43)

وثانية هذه النظريات هي النظرية الميتافيزيقية، التي تذهب إلى أن المعطيات هي الحقائق التي يتكون منها الواقع في ذاته.(44) وينتقد المؤلفون هذا الطرح لأنه يلغي عملياً خاصية "الحياد" الضرورية التي يشترطونها في المعطى؛ ذلك أن المعطيات، بحسب تصورهم، قد تكون في بعض الأحيان خاطئة أو مجرد ظواهر سطحية تحتاج هي نفسها إلى تفسير، لا حقائق نهائية مسلَّم بها.(45) وثالثة هذه النظريات هي النظرية النفس-لغوية، التي ترى أن المعطيات ليست سوى توصيفات لكيفية ظهور الأشياء لنا إدراكياً، أو لكيفية استخدامنا نحن للغة في وصفها.(46) وينتقد المؤلفون هذا الطرح بدوره لأنه يفصل المعطيات عن الواقع نفسه فصلاً تعسفياً؛ فالفيلسوف حين يبحث في طبيعة الألوهية أو في طبيعة الأخلاق، إنما يبحث في هذه الأمور ذاتها لا في مجرد كيفية حديثنا عنها لغوياً.(47)

ويختتم المؤلفون هذا الفصل بالتمهيد لنظريتهم الخاصة، التي يطلقون عليها اسم "النظرية الإبستمولوجية للمعطيات"، والتي تنص على أن المعطى هو كل ما يملك الباحثون بشأنه "سبباً إبستمولوجياً جيداً" يدفعهم لتقبله بوصفه سمة من سمات الواقع الذي يدرسونه، على أن يُفصَّل هذا التصور بشكل أعمق في الفصل الموالي.(48)

وينتقل المؤلفون في هذا الفصل التالي إلى الجانب الإبستمولوجي الدقيق لهذه النظرية، فيوضحون أن الاعتبار لا يصير معطى بالنسبة للفيلسوف إلا إذا كان هذا الفيلسوف يملك سبباً إبستمولوجياً جيداً للاعتقاد به، وهذا السبب لا يُشترط فيه أن يكون يقينياً قاطعاً أو غير قابل للدحض بتاتاً، بل يكفي أن يكون قوياً بما فيه الكفاية لجعل هذا الاعتبار نقطة انطلاق موثوقة يمكن البناء عليها.(49) وخلافاً لكثير من المناهج المعاصرة التي تنظر بريبة إلى البديهيات وتشكك في مصداقيتها، يمنح المؤلفون دوراً مركزياً لكل من الحدوس والحس المشترك؛ فالحدوس تُعد مصدراً غنياً للمعطيات لأنها تتيح وصولاً مباشراً نسبياً إلى طائفة من الحقائق المفاهيمية أو الأخلاقية، أما الحس المشترك فيُعد بمثابة مرساة خارجية تحمي الممارسة الفلسفية من الانزلاق نحو نظريات متطرفة أو "مجنونة"، كالسفسطة المطلقة أو التشكيك الشامل الذي ينسف كل معرفة.(50)

ومن المفاهيم التقنية المهمة التي يقدمها المؤلفون في هذا السياق مفهوم "معطلات المعطيات"، ومفاده أن الباحث ليس ملزماً في كل الأحوال بتفسير كل معطى يصادفه إذا وجد ما يسمى بـ"المعطل"، وهو سبب إبستمولوجي يكشف أن المعطى الذي بدا في البداية صحيحاً كان في حقيقته وهماً ناتجاً عن خطأ في الإدراك أو التحليل، مما يعفي النظرية من عبء استيعابه أو التوفيق معه.(51) كما يميز المؤلفون بين درجات متفاوتة من قوة المعطيات، فهناك "المعطيات الجوهرية"، وهي التي لا يمكن لأي نظرية تحترم نفسها أن تتجاهلها دون أن تفقد مصداقيتها بالكامل، وهناك في المقابل معطيات هامشية أقل مركزية، يمكن التضحية بها أو اعتبارها ثانوية إن كانت النظرية البديلة توفر فهماً أعمق وأشمل للنظام الكلي الذي تتناوله.(52)

ويوضح المؤلفون أيضاً أن الحياد الذي يشترطونه في المعطيات هو حياد "عملي" بين النظريات المتنافسة داخل المجال المحدد نفسه، كالحياد المطلوب بين الواقعية الأخلاقية والتعبيرية مثلاً في حقل ما وراء الأخلاق، وليس حياداً "مطلقاً" عن كل ما يحمله الإنسان من معتقدات سابقة بصفة عامة.(53) وفي مواجهة التيارات التي ترى أن كل ما نعتبره معطيات ليس إلا نتاجاً ثقافياً أو سيكولوجياً محضاً لا قيمة معرفية موضوعية له، يجادل المؤلفون بأن الاستقصاء النظري يستحيل عليه منطقياً أن يبدأ من "نقطة الصفر" المطلقة؛ فبدون معطيات أولية نثق بها إبستمولوجياً منذ البداية، لن يبقى هناك فرق جوهري بين ممارسة الفلسفة وممارسة الخيال المحض غير المقيد بشيء.(54)

يميز المؤلفون، في تفصيلهم لكيفية جمع المعطيات، بين عنصرين متكاملين لا ينبغي الخلط بينهما، وهما "المصدر" و"التقنية". فالمصدر هو الطريقة العامة التي نشكل بها أفكارنا حول المدخلات التي نتعامل معها، كالإدراك الحسي أو الاستبطان أو الحدس أو الحكم اللغوي، ويشترط في هذا المصدر أن يكون في "وضع إبستمولوجي جيد" حتى يتمكن من تزويدنا بأسباب قوية يُعتد بها.(55) أما التقنية فهي كيفية تطبيق هذا المصدر بالذات على المدخلات المحددة، كأن نوجه انتباهنا نحو البيئة المحيطة بنا، أو أن نفكر في تجربة فكرية معينة نستحضرها ذهنياً.(56) ويرى المؤلفون أن العلاقة بين المصدر والتقنية علاقة مرنة غير جامدة، إذ يمكن دمج مصدر واحد مع تقنيات متعددة ومختلفة، كاستخدام الحدس مثلاً لتقييم تجربة فكرية معينة تارة، ولتقييم مبدأ عام مجرد تارة أخرى، والعكس صحيح أيضاً.(57)

ونظراً لأن المعطيات المتاحة للباحث كثيرة جداً ومتفاوتة الأهمية، يقترح المؤلفون مجموعة من القواعد الاستكشافية العملية التي تساعد الباحث على تمييز المعطيات الجوهرية من المعطيات الهامشية. فمن جهة الاستبعاد، إذا كان المعطى مشبعاً بتفاصيل دقيقة جداً لا طائل من ورائها، أو إذا كان يمكن استنتاجه ببساطة من معطى آخر أعم منه في المجال نفسه، فهذا يشير غالباً إلى أنه ليس معطى جوهرياً بالمعنى الدقيق.(58) ومن جهة التأكيد، إذا كان المعطى قد لعب دوراً مركزياً وحاسماً على مر تاريخ النقاشات الفلسفية في هذا المجال، أو إذا كان من شأن التعامل الجاد معه أن يُحدث تحولاً ملموساً في مسار النقاش القائم، فإن هذا يرجح كونه معطى جوهرياً يستحق الاهتمام الأول.(59)

ولتوضيح هذه الأفكار المجردة، يسوق المؤلفون مثالاً تطبيقياً من حقل ما وراء الأخلاق، حيث يوردون قائمة من المعطيات الجوهرية التي ينبغي على أي نظرية أخلاقية جادة أن تتعامل معها، منها معطى الارتباط بين ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي، ومعطى الاستقلال الذي يفيد بأن بعض المطالب الأخلاقية قائمة بذاتها بغض النظر عن مشاعرنا أو رغباتنا الشخصية، ومعطى اللافرار الذي يعني أن المطالب الأخلاقية لا يمكن الهروب منها في سياق التقييم المعياري، ومعطى العملية الذي يشير إلى أن الأحكام الأخلاقية تحمل طابعاً عملياً يوجه الفعل ويحفزه، وأخيراً معطى القابلية للخطأ الذي يقر بإمكانية أن يخطئ الناس في فهمهم للواقع الأخلاقي.(60)

ويقدم المؤلفون في هذا السياق مفهوماً تقنياً دقيقاً آخر، وهو مفهوم "منتحلي صفة المعطيات"، ويقصدون به تلك الادعاءات التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها معطيات حقيقية، لكنها في واقع الأمر مجرد مدَّعين لا يستحقون هذه الصفة.(61) ويكشف المؤلفون هؤلاء المنتحلين بعدة طرق؛ فتارة يُكتشف وجود خلل في التقنية التي استُخدمت أصلاً في جمع هذا المعطى المزعوم، وتارة أخرى تظهر أدلة قوية تدحض الادعاء الذي كنا نعامله باعتباره معطى ثابتاً، وتارة ثالثة يتبين أننا أخطأنا في تفسير ما قدمه المصدر أصلاً، كأن نعتبر ادعاءً مطلقاً معطى في حين أن المصدر لم يكن يدعم في الحقيقة سوى ادعاء مشروط ومقيد.(62)

ويؤكد المؤلفون كذلك على الطابع الاجتماعي، لا الفردي المحض، للأسباب الإبستمولوجية التي تجعل شيئاً ما معطى. فالمعطى، بحسب تصورهم، هو ما يملك الباحثون مجتمعين، لا كل فرد على حدة، سبباً جيداً لتصديقه.(63) وهذا يعني أن الجماعة العلمية قد تملك سبباً وجيهاً لقبول أمر معين حتى لو كان بعض أفرادها يفتقرون إلى هذا السبب بصفة شخصية، بسبب تبنيهم آراء غريبة أو خاصة تعمل بالنسبة لهم كمعطلات فردية.(64)

وفي هذا الإطار أيضاً، ينتقد المؤلفون رؤية تيموثي ويليامسون التي تشترط في المعطى أن يكون "غير قابل للنزاع" على الإطلاق حتى يقنع جميع الأطراف المتحاورة بلا استثناء.(65) ويرى المؤلفون أن هذا الشرط المتشدد من شأنه أن يقتل الممارسة الفلسفية في مهدها؛ ذلك أن الفلاسفة، بطبيعة حرفتهم، قادرون على التشكيك في أي شيء مهما بدا واضحاً وبديهياً للعيان. وبدلاً من هذا الشرط المتعذر تحقيقه، يقترح المؤلفون أن تُفهم المعطيات باعتبارها "عملة مشتركة" يمكن التعامل بها والاستناد إليها، حتى لو رفض بعض "التجار" الأفراد قبولها أو التعامل بموجبها.(66)

وأخيراً، يميز المؤلفون تمييزاً دقيقاً بين المعطيات والأدلة، فالمعطيات هي "مدخلات" نبدأ بها البحث، ويظل وضعها الإبستمولوجي من حيث كونها صادقة أو غير صادقة أمراً مفتوحاً في مستهل الاستقصاء لم يُحسم بعد، أما الأدلة فهي وضع إبستمولوجي "إيجابي" يشير إلى صحة أمر ما، وهي ليست محصورة في بدايات البحث فقط، بل قد تظهر وتتراكم خلال مسار البحث نفسه.(67)

وبهذا يكون المؤلفون قد أتموا تأسيس نظريتهم للمعطيات الفلسفية، لينتقلوا بعد ذلك إلى المرحلة الثانية من الاستقصاء، وهي مرحلة التنظير، وتحديداً إلى "سؤال المنهج" الذي يبحث في كيفية تحويل هذه المعطيات المجموعة إلى نظرية ناجحة تحقق الفهم النظري المنشود.
ينتقل المؤلفون بعد إتمام تأسيسهم لنظرية المعطيات إلى معالجة "سؤال المنهج"، وهو السؤال الذي يربط بين المرحلة الأولى من الاستقصاء، أي جمع المعطيات، والمرحلة الثانية، أي بناء النظرية. ويُعرِّف المؤلفون المنهج بأنه مجموعة من المعايير التي تقدم من جهة تعليمات لكيفية بناء النظرية، ومقاييس من جهة أخرى لتقييم مدى نجاحها.(68) ويؤدي المنهج، في تصورهم، وظيفة "المحرك" الذي من المفترض أن يقود الباحث من المعطيات الخام إلى الهدف النهائي المنشود، وهو الفهم النظري، معالجاً في الوقت نفسه مشكلة "قصور التحديد"، أي كون عدة نظريات متنافسة قد تتوافق جميعها مع المعطيات ذاتها دون أن يكون بينها ما يرجح إحداها على البقية.(69)

ويرى المؤلفون أن أي منهج فلسفي سليم لا بد أن يتعامل بجدية مع ثلاثة "معطيات منهجية" مستمدة من واقع الممارسة الفلسفية الفعلية لا من التنظير المجرد. أول هذه المعطيات هو معطى "المودة" أو "الألفة"، ومقتضاه أن يكون المنهج المقترح صديقاً للأنشطة الفلسفية المعتادة، كتقديم الحجج وإثارة الاعتراضات والرد عليها والتوضيح وتطوير التفسيرات، مع حساسية دائمة لنتائج المنطق والعلم والحس المشترك.(70) وثاني هذه المعطيات هو معطى "الحسم"، ومقتضاه أن يكون المنهج قادراً فعلاً على المفاضلة بين النظريات المتنافسة واختيار الأنسب من بينها، بدل أن يترك الأمر مفتوحاً على كل الاحتمالات المتوافقة مع المعطيات دون حسم.(71) وثالث هذه المعطيات، وهو الأكثر تعقيداً وتركيباً بينها، هو معطى "الفضائل"، الذي يشترط أن يتصف المنهج السليم بست خصائص مجتمعة: الشمولية في التعامل مع نطاق واسع من المعطيات، واشتراط وجود اعتبارات إيجابية داعمة، والنظرة الشمولية الكاشفة عن العلاقات النظامية والتفسيرية، وتعدد الأبعاد المعيارية للتقييم، والهرمية التي تقر بأن بعض المعايير أكثر أهمية من غيرها، والقدرة المقارنة على تقييم المزايا النسبية بين النظريات المتنافسة.(72)

وبعد تحديد هذه المعطيات المنهجية الثلاثة، يستعرض المؤلفون أربعة مناهج بارزة سائدة في الفلسفة المعاصرة، وينتقدونها جميعاً لعجزها عن تحقيق "الفهم النظري" بشكل كامل. أول هذه المناهج هو منهج التحليل، الذي يركز على تعريف وتحليل المفاهيم والمصطلحات المركزية في المجال المدروس.(73) وينتقد المؤلفون هذا المنهج لكونه قد يغفل الحاجة الماسة إلى الحجج والتفسيرات الأوسع التي تتجاوز مجرد التحليل المفهومي الضيق للمصطلحات.(74) ويوضح المؤلفون في هذا السياق أن منهج التحليل ليس نوعاً واحداً متجانساً، بل يشمل أساليب متنوعة، كأسلوب "الرامسنة"، والتحليل التحسيني الذي طورته هاسلانجر، والتفسير بحسب المفهوم الذي قدمه كارناب، بل وحتى ما يسمى بالتحليل الوجودي عند هيدجر.(75) كما يستعير المؤلفون تمييزاً دقيقاً من الفيلسوف "هـ. هـ. برايس" بين الوضوح التحليلي والوضوح الشامل، ليؤكدوا أن الفلسفة لا تهدف فقط إلى الوضوح في تعريف المصطلحات، بل تسعى أيضاً إلى وضوح شامل يكشف العلاقات النسقية والتفسيرية بين مختلف عناصر المجال.(76)

وثاني هذه المناهج هو منهج الحِجاج، الذي يركز على بناء حجج قوية منطلقة من مقدمات تفضي إلى نتائج محددة.(77) وينتقد المؤلفون هذا المنهج بحجة أن الحجة وحدها ليست نظرية متكاملة؛ فالفهم الحقيقي يتطلب دمج النتائج الجزئية المتفرقة في نسق تفسيري متكامل يتجاوز مجرد صحة الحجج المنطقية المنفردة.(78) ويشير المؤلفون في هذا الصدد إلى أن الحجة قد تكون ناجحة تماماً من الناحية المنطقية حتى لو فشلت في معالجة أي معطى حقيقي من معطيات المجال، كما في بعض الحجج التي تكتفي بنفي وجود كيانات مجردة مثلاً، دون أن يشكل هذا النفي بذاته نظرية ميتافيزيقية متكاملة الأركان.(79)

وثالث هذه المناهج هو منهج التكلفة والعائد، الذي يعامل الممارسة الفلسفية كنوع من "التحليل المحاسبي" يوازن بين مزايا النظرية، كالبساطة، وعيوبها، كمخالفتها للحس المشترك.(80) وينتقد المؤلفون هذا المنهج لكونه يسمح بمقايضات غير سليمة، كالتضحية بالدقة مقابل البساطة، وهو ما يضر بتحقيق الفهم النظري في نهاية المطاف.(81) ويشيرون في هذا السياق إلى أسلوب ديفيد إينوك الذي يعامل الفلسفة كعملية جمع "نقاط معقولية" بناءً على قدرة النظرية على الإجابة عن الأسئلة أو بساطتها، منتقدين فكرة إمكانية تجميع هذه النقاط أو المقايضة الحرة بينها.(82) كما يستحضر المؤلفون رد كريس دالي، الذي يرى أن الخلاف حول هذا المنهج ليس خلافاً حول المنهج نفسه بقدر ما هو خلاف حول "الأوزان" النسبية التي نمنحها لكل معيار من معاييره.(83)

ورابع هذه المناهج وآخرها هو منهج التوازن الانعكاسي، الذي يهدف إلى تحقيق الانسجام بين أحكامنا الأخلاقية أو الفلسفية الخاصة وبين المبادئ العامة التي نتبناها.(84) وينتقد المؤلفون هذا المنهج لكونه يركز تركيزاً مفرطاً على معيار "الاتساق" وحده، مما قد يفضي إلى نظريات متسقة داخلياً تماماً، لكنها في الوقت ذاته غير مدعومة بأدلة كافية أو تفتقر إلى الدقة الواقعية المطلوبة.(85) ويذكر المؤلفون في هذا الإطار موقف كينيث والدن، الذي يقدم رؤية "ضد-ماهوية" لهذا المنهج، معتبراً إياه ما يتبقى لنا فحسب حين ندرك أننا لا نملك في الأصل منهجاً محدداً يضع قواعد صارمة للنجاح الإبستمولوجي.(86) كما يستحضرون الموقف المقابل تماماً لتوماس سكانلون، الذي يذهب إلى أن هذا المنهج هو "اللعبة الوحيدة" الممكنة والمدافع عنها، وأن أي بديل آخر عنه ليس سوى وهم فلسفي محض.(87)

ويسوق المؤلفون في سياق هذا النقد أمثلة فلسفية دالة توضح خطورة الوقوع في هذه المزالق المنهجية؛ فيذكرون موقف توماس ناغل الذي يرى أن الواقعية الأخلاقية لا تحتاج إلى دعم إيجابي يتجاوز مجرد "الافتراض" الأولي لصحتها، وهو ما ينتقده المؤلفون مؤكدين أن أي نظرية تطمح إلى توفير فهم حقيقي يجب أن تكتسب مصداقيتها اكتساباً، لا أن تُفترض افتراضاً.(88) ويذكرون أيضاً موقف تيد سايدر الذي يدافع عن "العدمية" بخصوص الأشياء المركبة استناداً إلى معيار البساطة وحده، إذ يرى أن هذه العدمية تسمح بإلغاء مفهوم "الجزء" بالكامل من الأيديولوجيا الأساسية للنظرية.(89) وفي المقابل، يستحضرون موقف ديفيد لويس بوصفه مثالاً للفيلسوف الذي يدرك تعدد المعايير المنهجية، كالملاءمة مع الحس المشترك والوحدة والاقتصاد المفاهيمي، حين يدافع عن نظريته الشهيرة في العوالم الممكنة.(90)

ويخلص المؤلفون من هذا الاستعراض النقدي الشامل إلى أن المناهج الأربعة السائدة، على الرغم مما قد تحققه من فوائد جزئية في تحقيق أهداف محدودة كالمعرفة أو الاعتقاد المبرر، إلا أنها تفشل جميعاً في تلبية معطى "الفضائل" بكامل أبعاده، ولا تضمن بمفردها الوصول إلى الهدف الأسمى المتمثل في الفهم النظري الشامل، وهو الفشل الذي يبرر في نظرهم الحاجة الملحة إلى بديل منهجي جديد، هو "المنهج ثلاثي المستويات" الذي سيفصلونه في الفصل الموالي.(91)

يقدم المؤلفون، بعد استيفاء نقدهم للمناهج السائدة، حلهم البديل الذي يطلقون عليه اسم "المنهج ثلاثي المستويات"، بوصفه إطاراً منظماً يهدف إلى قيادة الباحث من المعطيات الخام نحو الفهم النظري المنشود، متجاوزاً العيوب التي كشفوا عنها في المناهج التقليدية.(92) ويرى المؤلفون أن التنظير الفلسفي السليم ينبغي أن يمر عبر ثلاثة مستويات من المعايير، مرتبة ترتيباً هرمياً بحيث يحظى كل مستوى بأولوية على المستوى الذي يليه.(93)

المستوى الأول هو مستوى الاستيعاب، ويتمثل في قدرة النظرية على التعامل مع المعطيات الجوهرية للمجال.(94) ولا يعني الاستيعاب هنا بالضرورة قبول كل معطى بوصفه حقيقة مسلَّمة، بل يعني أن على النظرية أن تشرح هذا المعطى، أو أن تبين كونه وهماً، أو أن تدمجه ضمن نسقها العام بطريقة أو بأخرى.(95) ويضيف المؤلفون إلى هذا المستوى معياراً مكملاً هو معيار التفسير، الذي يذهب إلى أنه لا يكفي أن تتوافق النظرية مع المعطيات توافقاً سلبياً، بل يجب عليها أن تفسر أيضاً لماذا تبدو هذه المعطيات على النحو الذي هي عليه، إذ توجد علاقة تبادلية بين الاستيعاب والتفسير تضمن ألا تكون النظرية مجرد وصف جامد، بل إضاءة حقيقية للمجال المدروس.(96)

والمستوى الثاني هو مستوى الدعم الإيجابي، ومقتضاه أنه لا يكفي أن تكون النظرية متوافقة مع المعطيات فحسب، بل يجب أن تملك أسباباً إيجابية مستقلة تجعلنا نفضلها فعلاً على غيرها من النظريات المنافسة.(97) ويتضمن هذا المستوى معيارين متكاملين، أولهما معيار التدعيم، الذي يشترط وجود حِجاج إيجابي فعلي يسند الادعاءات المركزية للنظرية، بحيث لا تكون النظرية مجرد تخمين متسق مع المعطيات، بل بناءً مدعوماً فعلاً بأدلة حقيقية.(98) وثانيهما معيار الدمج، الذي ينظر في مدى انسجام النظرية مع "أفضل صورة لدينا عن العالم"، شاملة العلوم الطبيعية والمنطق والرياضيات، للتأكد من أن النظرية الفلسفية لا تعيش في عزلة تامة عن سائر المعارف الإنسانية الأخرى.(99)

أما المستوى الثالث فهو مستوى الفضائل النظرية، ويتضمن تقييم النظرية بناءً على فضائل من قبيل البساطة والقوة التفسيرية والاتساق الخارجي مع العلوم الأخرى والشمولية.(100) ويؤكد المؤلفون أن هذه الفضائل لا تمنح النظرية "الحقيقة" بصورة تلقائية، بل تُستخدم حصراً للمفاضلة بين نظريات قد تساوت فيما بينها في مستويي الاستيعاب والتدعيم.(101)

ومن أهم إضافات هذا الفصل فكرة أن هذه المستويات الثلاثة ليست متساوية في الأهمية على الإطلاق؛ فالاستيعاب والدعم الإيجابي لهما أولوية قاطعة على الفضائل النظرية، بحيث لا يجوز التضحية بالدقة أو بشرح المعطيات، وهما من المستوى الأول، من أجل تحقيق البساطة وهي من المستوى الثالث، وهو ما يحل مشكلة "المقايضات غير السليمة" التي سبق للمؤلفين أن انتقدوها في منهج التكلفة والعائد.(102) ويربط المؤلفون بين هذه المستويات الثلاثة وبين الخصائص الست للفهم النظري التي سبق تفصيلها؛ فالاستيعاب والدعم يضمنان تحقق الدقة والاستناد إلى الأسباب، في حين تضمن الفضائل النظرية أن تكون النظرية مضيئة تفسيرياً ومنظمة ومتسقة.(103)

ويوضح المؤلفون كذلك كيف يعالج هذا المنهج مشكلة "قصور التحديد" التي تنشأ حين تتوافق عدة نظريات مع المعطيات ذاتها؛ فإذا تساوت نظريتان في المستوى الأول، ينتقل الباحث للمفاضلة بينهما في المستوى الثاني عبر قوة الدعم الإيجابي، وإذا تساوتا كذلك في هذا المستوى الثاني، ينتقل عندئذ إلى المستوى الثالث، حيث تُستخدم الفضائل النظرية كالبساطة أو الاتساق مع العلم كفيصل أخير للمفاضلة بينهما.(104) ويدافع المؤلفون عن منهجهم هذا بوصفه منهجاً غير إقصائي، إذ يسمح باستيعاب أدوات التحليل والحجاج والتوازن الانعكاسي جميعاً كأدوات فرعية داخل مستوياته الثلاثة، كما يصفونه بأنه منهج شفاف، إذ يُلزم الباحث بأن يوضح بدقة أين تكمن قوة نظريته وأين تكمن نقاط ضعفها، كأن يكشف مثلاً أن نظريته بسيطة جداً لكنها تفشل في استيعاب معطى جوهري معين.(105)

ولتوضيح كيفية اشتغال هذا المنهج عملياً، يطبقه المؤلفون على معضلة العقل والجسد، أي النزاع الشهير بين "نظرية الهوية" التي ترى أن الحالات العقلية هي في جوهرها حالات دماغية، وبين "الثنائية" التي ترى استقلال العقل عن المادة استقلالاً جوهرياً.(106) ففي المستوى الأول، تتفق كلتا النظريتين على استيعاب معطيات مشتركة، كالقصدية في المواقف الذهنية من إيمان ورغبة، والروابط الضرورية القائمة بين الحالات العقلية المختلفة.(107) غير أن الثنائية تدعي تفوقها في استيعاب معطى "الكيفيات المحسوسة"، أي وجود شعور معين مصاحب لمجرد التجربة الواعية، ومعطى "التعددية في التحقق"، أي إمكانية وجود حالات عقلية متماثلة في كائنات ذات تراكيب دماغية مختلفة جذرياً.(108) في المقابل، تدعي نظرية الهوية تفوقها هي الأخرى في استيعاب معطى الارتباط الدائم والمطرد بين النشاط الدماغي والحالات العقلية، ومعطى التفاعل السببي المباشر بين الأحداث العقلية والأحداث الفيزيائية.(109) ويشير المنهج إلى أن أي نظرية عاجزة عن استيعاب معطى معين مباشرة يجب عليها إما أن تنكره بحجج قوية مقنعة، كإنكار نظرية الهوية للتعددية في التحقق، أو أن تقدم إضافات تفسيرية معقولة، كتقديم أنصار الثنائية لقوانين سيكوفيزيائية تفسر ارتباط الحالات العقلية بالدماغ رغم استقلالها عنه.(110)

وفي المستوى الثاني، يقدم أنصار الثنائية حججاً إيجابية مستمدة من حجة اليقين الذاتي، أو من إمكانية تصور وجود "الزومبي الفلسفي"، أي كائنات تشبهنا جسدياً تماماً لكنها تفتقر إلى أي وعي داخلي.(111) في المقابل، يعتمد أنصار نظرية الهوية على حجج استقرائية مستمدة من نجاحات العلم التجريبي، وعلى حجة كون الهوية تمثل "أفضل تفسير" ممكن للارتباطات الملحوظة بين الحالتين العقلية والدماغية.(112) أما من حيث معيار الدمج، فتظهر هنا فجوة واضحة بين النظريتين؛ إذ تُتهم الثنائية بالفشل في الدمج الخارجي لكونها تتعارض مع "أفضل صورة علمية لدينا عن العالم"، أي مع الفيزياء والبيولوجيا المعاصرتين، في حين تُتهم نظرية الهوية بدورها بالتعارض مع الحس المشترك والوعي المباشر الذي يمتلكه كل إنسان عن ذاته.(113)

وفي المستوى الثالث، يأتي دور معيار البساطة بوصفه فاصلاً للتعادل بين النظريتين، لكن المؤلفين يلاحظون أن معظم الفلاسفة يدركون أن النزاع في المستويين الأول والثاني، أي في استيعاب المعطيات وقوة الحجج، لا يزال محتدماً جداً ولم يُحسم بعد، مما يجعل اللجوء المبكر إلى معيار البساطة أمراً غير حاسم في هذه المرحلة؛ فالبساطة وحدها لا يمكنها أن تنقذ نظرية فشلت أصلاً في استيعاب المعطيات الجوهرية لمجالها.(114) وبهذا التطبيق العملي، يتضح أن المنهج ثلاثي المستويات لا يُلزم الباحث باختيار إجابة واحدة قسراً، بل يوضح له بدقة أين تكمن التكاليف الإبستمولوجية لكل خيار يتبناه؛ فمن اختار الثنائية عليه أن يبرر تعارضها مع العلم، ومن اختار نظرية الهوية عليه أن يبرر إنكاره لبعض جوانب الوعي الذاتي المباشر.(115)

يعالج المؤلفون في الفصل الأخير من كتابهم قضية "التقدم الفلسفي"، محاولين الرد على التهمة الكلاسيكية المتكررة القائلة بأن الفلسفة عاجزة عن تحقيق تقدم حقيقي مقارنة بما تحققه العلوم الطبيعية أو الرياضيات.(116) ويرى المؤلفون أن هذا التشاؤم بشأن إمكانية التقدم ناشئ في جوهره عن خلط بين نوعين مختلفين من الأسئلة. فهناك من جهة الأسئلة الجذرية، وهي الأسئلة الكبرى والكلية التي تشغل الحقل الفلسفي بأكمله، كطبيعة الواقع أو وجود الإله، والتي لم يحقق فيها البشر بعد فهماً نظرياً نهائياً حاسماً، تماماً كما هو الحال في الأسئلة الجذرية المماثلة داخل الفيزياء نفسها، كسؤال أصل الكون.(117) وهناك من جهة أخرى الأسئلة الراهنة، وهي أسئلة أكثر تحديداً وتقنية يشتغل عليها الفلاسفة في حقبة زمنية معينة، كالعلاقة بين الوعي الظاهراتي والسلوك أو طبيعة التأسيس في الميتافيزيقا، ويؤكد المؤلفون أن الفلسفة قد حققت في هذا الصنف من الأسئلة تقدماً معرفياً هائلاً وملموساً.(118)

ويحدد المؤلفون أربعة أشكال رئيسية يتجلى من خلالها هذا التقدم المعرفي. الشكل الأول هو كشف الصعوبات العميقة الكامنة في نظريات سابقة، كنقض تحليل المعرفة التقليدي القائم على الاعتقاد الصادق المبرر من طرف غيتييه، أو تقويض النزعة الوضعية المنطقية التي سادت لعقود.(119) والشكل الثاني هو صياغة تمييزات مفاهيمية جديدة ودقيقة، كالتمييز بين الوعي الظاهراتي ووعي الوصول، وهو تمييز حسّن فهمنا للعقل تحسيناً ملموساً.(120) والشكل الثالث هو التحسين التدريجي للنظريات القائمة، إذ إن النظريات المعاصرة، كالنزعة التعبيرية الجديدة مثلاً، هي أكثر تطوراً ودقة بكثير من أسلافها المباشرين.(121) والشكل الرابع هو توسيع حقل الإمكانات النظرية المتاحة، عبر تقديم خيارات مبتكرة لم تكن مطروحة من قبل، كنظرية "الواجبات الأولية" التي قدمها روس، أو ما يُعرف بإبستمولوجيا الفضيلة.(122)

ويجادل المؤلفون أيضاً بوجود "أطر مشتركة" تختفي خلف ما يبدو نزاعاً مستمراً لا ينتهي؛ فهذا النزاع الظاهري يخفي في العمق اتفاقاً واسعاً على أطر عمل مشتركة، تشمل تمييزات وتصنيفات وشروطاً ضرورية وتحليلات أصبحت بمرور الزمن جزءاً من "بديهيات" الممارسة الفلسفية ذاتها، وهذا الاتفاق الخفي هو الذي يسمح أصلاً بقيام نقاشات فلسفية عميقة ومثمرة.(123) ويؤكد المؤلفون أن استخدام المنهج ثلاثي المستويات يساعد على تفسير كيفية حدوث هذا التقدم؛ فالفلاسفة المعاصرون قد نجحوا في تقديم رؤى أكثر استيعاباً للمعطيات وأكثر قدرة على التفسير والتدعيم والدمج مقارنة بأسلافهم، كما يوضح هذا المنهج في الوقت نفسه سبب تعثر التقدم في الأسئلة الجذرية، نظراً لتعقيدها الهائل الذي يجعل بناء نظرية ممتازة حولها أمراً بالغ الصعوبة.(124)

ويعرض المؤلفون في هذا السياق مقارنة لافتة بين ما يقدمه عالِم المعادن من حقائق مكتسبة، وبين ما يمكن أن يقدمه فيلسوف الإدراك المعاصر من حقائق مماثلة، كالتمييز بين الإدراك ومجرد الاعتقاد، أو قدرة الإدراك على تأسيس المرجعية الفردية، ليخلصوا من هذه المقارنة إلى أن الفلسفة تملك بدورها "متناً من الحقائق" لا يقل أهمية عما تملكه العلوم الأخرى من متون معرفية.(125)

ويحدد المؤلفون أربعة أسئلة متداخلة يرون أن حل مشكلة التقدم الفلسفي يتطلب الإجابة عنها مجتمعة: السؤال الوجودي، وهو هل حققت الفلسفة فعلياً تقدماً معرفياً في أسئلتها المركزية؟ والسؤال المقارن، وهو هل هذا التقدم قابل للمقارنة بما تحقق في المجالات النظرية الأخرى؟ وسؤال كيفية الإنجاز، وهو كيف يمكن للفلسفة أصلاً أن تحقق هذا التقدم؟ والسؤال التقييمي، وهو كيف يمكننا الوصول إلى تقييم منهجي ومبدئي لهذا التقدم بعد تحققه؟(126) ويؤكد المؤلفون أن سؤالي كيفية الإنجاز والتقييم هما أصل المشكلة الحقيقي؛ فبدون منهج واضح ومحدد سلفاً، يستحيل بناء نظريات تحقق الفهم أو حتى تقييم مدى نجاحها في ذلك بشكل موضوعي.(127)

ومن النقاط اللافتة التي يعرضها الفصل فكرة "تقسيم العمل الإبستمولوجي"، ومقتضاها أن الفيلسوف ليس مطالباً بأن يقوم بكل شيء بمفرده منعزلاً عن جهود غيره؛ فنظراً لكون الفلسفة حقلاً شديد الترابط الداخلي، يصير من المشروع تماماً أن يعتمد الباحث على ثمار عمل الآخرين في تدعيم أجزاء من نظريته أو دمجها، شريطة أن يوضح بشفافية تامة النقاط التي اعتمد فيها فعلاً على جهود غيره، وهذا التعاون الضمني هو ما يسمح بتراكم الفهم عبر الأجيال المتعاقبة من الباحثين.(128)

ويضع المؤلفون كذلك تصنيفاً متدرجاً لجودة النظريات الفلسفية بحسب أدائها في مستويات المنهج الثلاثة؛ فهناك النظرية الكافية بالحد الأدنى، وهي التي تُحسن الأداء في المستوى الأول فحسب، أي استيعاب المعطيات؛ وهناك النظرية المحترمة، وهي التي تنجح في المستويين الأول والثاني معاً، أي الاستيعاب والتدعيم الإيجابي؛ وهناك النظرية الممتازة، وهي الهدف الواقعي الذي ينبغي أن يسعى إليه الباحثون، وتوفر فهماً جوهرياً عميقاً للمجال يتجاوز مجرد المعرفة السطحية؛ وأخيراً هناك النظرية المثالية، وهي التي تلبي جميع معايير المنهج بأقصى درجة ممكنة من الكمال، وهي غاية بالغة الصعوبة قلما تُدرَك فعلياً.(129)

ويقدم المؤلفون في هذا السياق مبدأً استدلالياً جديداً يسمونه "الاستدلال نحو مزود الفهم"، ومفاده أنه إذا وُجدت نظرية محترمة تلبي معايير المنهج ثلاثي المستويات بدرجة أعلى من منافساتها، فإن الباحثين يملكون عندئذ سبباً قوياً ووجيهاً لقبولها وتفضيلها على غيرها، ويرى المؤلفون أن هذا المبدأ هو الصيغة الأعمق والأدق لما يُعرف في الأدبيات الفلسفية بـ"الاستدلال نحو أفضل تفسير".(130)

ويكشف المؤلفون كذلك عن انحياز خفي غير مرئي يشوب طريقتنا في تقييم الفلسفة مقارنة بالعلم، ويسمونه "المعيار المزدوج"؛ فعند تقييمنا للفلسفة، نميل إلى التركيز على فشلها في حل الأسئلة الجذرية الكبرى، كوجود الإله، متجاهلين نجاحها الملموس في حل الأسئلة الراهنة الأكثر تحديداً؛ في حين أننا عند تقييمنا للعلم، نمدح نجاحه في الأسئلة الراهنة، كفك رموز الخريطة الجينية، متجاهلين في الوقت نفسه أن أسئلته الجذرية هو الآخر، كأصل المادة أو الكون، لا تزال مفتوحة بلا حل نهائي حاسم.(131)

ويسوق المؤلفون في ختام هذا الفصل قوائم تقنية دقيقة من الحقائق التي توصل إليها الفلاسفة المعاصرون في حقلين محددين، معتبرين هذه القوائم مجرد "قمة جبل الجليد" لما تحقق فعلياً من تقدم. ففي حقل ما وراء الأخلاق، يوردون ثلاث عشرة حقيقة دقيقة تتعلق بالعلاقة بين الأسباب الأخلاقية والتحفيز، من قبيل التمييز الدقيق بين "المحفز" بوصفه حالة ذهنية، و"السبب المحفز" بوصفه الاعتبار الذي يتصرف الشخص بناء عليه فعلياً.(132) وفي حقل فلسفة الإدراك، يوردون قائمة موازية من الحقائق، من قبيل أن الرؤية ليس

Adresse

Batna

Site Web

Notifications

Soyez le premier à savoir et laissez-nous vous envoyer un courriel lorsque صابر بقور-Beggour Saber publie des nouvelles et des promotions. Votre adresse e-mail ne sera pas utilisée à d'autres fins, et vous pouvez vous désabonner à tout moment.

Contacter L’organisation

Envoyer un message à صابر بقور-Beggour Saber:

Raccourcis

Partager