31/05/2026
تصريح و تعليق حول تطبيق المادة 56 من القانون رقم 23-02 المتعلق بممارسة الحق النقابي الجديد.
عندما صدر القانون رقم 23-02 المؤرخ في 25 أفريل 2023 المتعلق بممارسة الحق النقابي، جاء في المادة 56 منه ما يلي: " .... يجب أن لا تتعدى مدة عهدة أعضاء هيئات القيادة و/أو الإدارة خمس (5) سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة (1). ولا يمكنهم ممارسة أكثر من عهدتين (2) نقابيتين متتاليتين أو منفصلتين خلال مسارهم النقابي في نفس المنظمة النقابية...." (وثيقة مرفقة في التعليقات) و على إثر ذلك شرعت وزارة العمل و التشغيل و الضمان الاجتماعي في إخطار النقابات بضرورة الإمتثال لأحكام هذه المادة و تنظيم عملية الإنتقال في رئاسة و قيادة المنظمات النقابية لكل من سبق له ممارسة أكثر من عهدتين في منظمته النقابية، و لقد أثار تأويل و تطبيق هذه المادة الكثير من الجدل في الأوساط النقابية التي طلبت توضيحات أكثر من وزارة العمل و التشغيل و الضمان الاجتماعي بإعتبار ان القانون رقم 23-02 المتعلق بممارسة الحق النقابي جديد و يحتاج إلى توضيح لبعض مواده و تقرير أحكام إنتقالية واضحة و صريحة، الأمر الذي لم يحدث إلى حد الأن، و عليه سنحاول من جانبنا و بإعتبارنا منظمة نقابية، التعليق على موقف و تصريحات ممثلي وزارة العمل و التشغيل و الضمان الاجتماعي حول كيفيات تطبيق المادة 56 من القانون رقم 23-02 المتعلق بممارسة الحق النقابي كالأتي:
1)- إن المصالح المختصة بوزارة العمل و التشغيل و الضمان الاجتماعي لم تراعي مبدأ عدم رجعية القوانين في تطبيق المادة 56 ، حيث ينص هذا المبدأ على أن كل قانون جديد لا يسري إلا على ما يقع في المستقبل ولا يكون له أي أثر رجعي ويطبق إبتداء من يوم نشره في الجريدة الرسمية وهذا وفق المادتان 2 و 4 من الأمر رقم 75 المؤرخ في 26 سبتمبر سنة 1975 المتضمن القانون المدني (وثيقة مرفقة في التعليقات) ، حيث تنص المادة 2 منه على أنه " لا يسري القانون إلا على ما يقع في المستقبل ولا يكون له أثر رجعي" و تنص المادة 4 منه على " تطبق القوانين في تراب الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية إبتداء من يوم نشرها في الجريدة الرسمية" و كذا في المادة 82 من الدستور 2020 (وثيقة مرفقة في التعليقات) التي تنص على " لا تحدث بأثر رجعي أية ضريبة، أو جباية، أو رسم، أو أي حق كيفما كان نوعه" وهذا كله وفق مبدأ الأثر الفوري للقوانين و مبدأ عدم رجعية القوانين.
2)- إن المادة 56 من القانون رقم 23-02 المتعلق بممارسة الحق النقابي، لا تتضمن نصاً صريحاً يجيز إحتساب العهدات السابقة لدخول القانون حيز التنفيذ، وحيث أن المبدأ المستقر فقهاً وقضاءً يقضي بأن القانون الجديد لا يجوز أن يرتب آثاراً قانونية سلبية على أوضاع قانونية اكتملت قبل نفاذه، إلا بنص صريح وواضح لا يحتمل التأويل.
3)- تسجيل غياب أي حكم انتقالي ضمن القانون رقم 23-02 المتعلق بممارسة الحق النقابي، يحدد كيفية احتساب العهدات السابقة لدخوله حيز التنفيذ، كما لا يوجد أي نص ينص صراحة على احتساب العهدات التي مورست في ظل القانون السابق ضمن الحد الأقصى للعهدات المحدد بالمادة 56، وحيث أن سكوت المشرع عن هذه المسألة لا يمكن تفسيره على أنه ترخيص ضمني بالرجعية، لأن الأصل هو عدم الرجعية والاستثناء يحتاج إلى نص صريح.
4)- في تفسير المادة 56 من القانون 23-02 والتي تنص على أنه: "لا يمكنهم ممارسة أكثر من عهدتين نقابيتين متتاليتين أو منفصلتين خلال مسارهم النقابي في نفس المنظمة النقابية." وحيث أن عبارة "خلال مسارهم النقابي" تحتمل أكثر من تفسير، فيمكن تفسيرها على أنها تخص المسار النقابي الخاضع لأحكام القانون الجديد بعد دخوله حيز التنفيذ، كما يمكن تفسيرها على أنها تشمل كامل المسار النقابي السابق واللاحق، وحيث أنه عند تعدد التفسيرات الممكنة، فإن التفسير الواجب الأخذ به هو ذلك الذي ينسجم مع المبادئ القانونية العامة وعلى رأسها مبدأ عدم رجعية القوانين و بما يحافظ على المراكز القانونية المكتسبة، وعليه فإن تفسير عبارة "المسار النقابي" بما يؤدي إلى احتساب عهدات سابقة على صدور القانون يشكل تطبيقاً رجعياً غير منصوص عليه صراحة مما يعد مخالفة للمادة 2 من القانون المدني.
5)- في حدود الرأي التفسيري للمحكمة الدستورية رقم 03 المؤرخ في 24 نوفمبر 2024 المنشور في الجريدة الرسمية رقم 82 المؤرخة في 18 ديسمبر 2024) بشأن تفسير الفقرة الأخيرة من المادة 122 من الدستور (وثيقة مرفقة في التعليقات) و الذي إستندت إليه وزارة العمل و التشغيل و الضمان الإجتماعي في تأويلها للمادة 56، حيث انتهت المحكمة الدستورية إلى أن تحديد العهدات البرلمانية يسري على الماضي والحاضر، نرى أن هذا الرأي صدر بمناسبة تفسير نص دستوري خاص بعضوية و عهدة المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، و بالتالي فإن الرأي التفسيري للمحكمة الدستورية المتعلق بالمادة 122 من الدستور، لا يمتد تلقائياً إلى المنظمات النقابية الخاضعة للقانون رقم 23-02. بل يقتصر فقط على العهدات الخاصة بالبرلمان و مجلس الأمة، كما أن المحكمة الدستورية بنت تفسيرها على اعتبارات خاصة بالحياة السياسية الوطنية وتجديد الطبقة السياسية والتداول الديمقراطي على السلطة، وهي اعتبارات مرتبطة بالسياق الدستوري والسياسي الذي نشأت فيه المادة 122 من الدستور، حيث أن المنظمات النقابية ليست مؤسسات دستورية تمارس السلطة السياسية، وإنما هي تنظيمات مستقلة ينظمها القانون رقم 23-02 بل و تتمتع بإستقلاليتها عن الحياة السياسية و عن الأحزاب السياسية وفق للمواد 14،13،12 من القانون رقم 23-02 وعليه فإن الرأي التفسيري المذكور يظل محصوراً في نطاق النص الدستوري الذي فسره، ولا يمكن تعميمه أو تمديد آثاره تلقائياً إلى نصوص قانونية أخرى تختلف من حيث الطبيعة والموضوع والغاية، إلا بنص تشريعي صريح أو اجتهاد قضائي مباشر يتعلق بالمادة 56 ذاتها.