النقابة الوطنية الجزائرية للنفسانيين

النقابة الوطنية الجزائرية للنفسانيين مرحبا بكم في الصفحة الرسمية للنقابة الوطنية الجزائرية للنفسانيين
SNAPSY

04/08/2026

هل آن الأوان لإستقلال العلوم النفسية؟

مرافعة أولية لإعادة التفكير في موقع علم النفس داخل التصنيف الأكاديمي الجامعي الحالي.

مقدمة:
لم يكن تصنيف العلوم يومًا حقيقة ثابتة أو نظامًا نهائيًا، بل ظل عبر تاريخ المعرفة يتغير كلما تطورت التخصصات وتبدلت موضوعاتها ومناهجها ومجالاتها التطبيقية. فالجامعة ليست مجرد فضاء لتدريس العلوم، بل هي أيضًا مؤسسة تعيد باستمرار تنظيم المعرفة وفق ما تفرضه التحولات العلمية. وانطلاقًا من هذا المنظور، يفرض علم النفس اليوم سؤالًا مشروعًا هو:
هل ما يزال تصنيفه ضمن العلوم الاجتماعية يعكس حقيقة بنيته المعرفية المعاصرة، أم أن تطوره العلمي والبحثي والمؤسساتي أصبح يدعو إلى إعادة النظر في موقعه داخل الخريطة.

هل آن الأوان لاستقلال العلوم النفسية ؟

ليس المقصود من هذا السؤال الدعوة إلى القطيعة بين علم النفس والعلوم الاجتماعية، ولا الادعاء بأن هناك نموذجًا دوليًا واحدًا لتصنيف التخصصات. فتصنيف العلوم يختلف باختلاف الأنظمة الجامعية والتقاليد الأكاديمية. وإنما المقصود هو إثارة نقاش مشروع حول مدى ملاءمة التصنيفات الحالية لواقع المعرفة النفسية المعاصرة و المتطورة بإستمرار.

لقد اعتدنا التعامل مع تصنيف العلوم باعتباره أمرًا ثابتًا، بينما يعلمنا تاريخ المعرفة أن التصنيفات نفسها تتغير كلما تطورت العلوم وتغيرت موضوعاتها وأدواتها ومجالاتها التطبيقية. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس: "إلى أي ميدان ينتمي علم النفس؟"،
بل: "هل ما زال التصنيف التقليدي يعكس حقيقة هذا العلم كما هو اليوم؟"

التصنيف ليس حقيقة أبدية:

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن تصنيف العلوم يعكس نظامًا طبيعيًا لا يتغير. غير أن تاريخ المعرفة يقدم صورة مختلفة تمامًا. فالعلوم لا تولد مستقلة، بل تنفصل تدريجيًا عن الحقول التي خرجت منها عندما تبلغ درجة من النضج تجعلها قادرة على بناء جهازها المفاهيمي ومنهجها ومؤسساتها الخاصة.

فالفيزياء و الكيمياء كانت يومًا جزءًا من الفلسفة الطبيعية، والطب ظل طويلًا مرتبطًا بتخصصات اخرى قبل أن يكتسب استقلاله المهني والمؤسساتي، كما أن علوم الحاسوب نشأت اعتمادًا على الرياضيات والمنطق والهندسة الكهربائية، ثم أصبحت ميدانًا أكاديميًا قائمًا بذاته.

ولا يعني هذا أن تلك العلوم انفصلت معرفيًا عن جذورها، بل يعني أنها اكتسبت من النضج ما جعلها تحتاج إلى إطار مؤسساتي مستقل يعكس طبيعة المعرفة التي تنتجها.

وهنا يبرز السؤال: هل يعيش علم النفس اليوم مرحلة مشابهة؟

حين أُدرج علم النفس ضمن العلوم الاجتماعية، كان ذلك مفهومًا في سياقه التاريخي؛ إذ كان الاهتمام الأكبر موجهًا إلى تفسير السلوك الإنساني في علاقته بالمجتمع والثقافة والتنشئة. أما اليوم فقد اتسعت حدوده على نحو يصعب اختزاله في هذا الإطار.

فالباحث في علم النفس المعاصر قد يعمل في مختبر لعلم الأعصاب، أو في مركز للتصوير الدماغي، أو في تطوير اختبارات القياس النفسي، أو في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي، أو في دراسة العمليات المعرفية باستخدام أدوات تجريبية معقدة. وأصبحت موضوعات مثل الإدراك، والذاكرة، والانتباه، واتخاذ القرار، والمرونة العصبية، والصحة النفسية، والتفاعل بين الدماغ والسلوك، جزءًا أساسيًا من هذا العلم.

إن هذا التحول لا ينفي البعد الاجتماعي لعلم النفس، لكنه يكشف أن هذا البعد لم يعد وحده كافيًا لتعريفه و إحتوائه.

هل يحدد موضوع الدراسة هوية الميدان؟

من أكثر الحجج تداولًا أن علم النفس ينبغي أن يبقى ضمن العلوم الاجتماعية لأنه يدرس الإنسان. غير أن هذه الحجة تثير إشكالًا منطقيًا؛ إذ إن الطب يدرس الإنسان، والاقتصاد يدرس الإنسان، والقانون يدرس الإنسان، وعلوم التربية تدرس الإنسان، ومع ذلك لا تُدمج هذه التخصصات في ميدان واحد.

فالذي يحدد هوية العلم ليس الكائن الذي يدرسه، وإنما طبيعة الأسئلة التي يطرحها، والمفاهيم التي يستخدمها، والمناهج التي يعتمدها، ونمط المعرفة الذي ينتجه.

ومن هذه الزاوية، يبدو علم النفس أقرب إلى كونه نسقًا معرفيًا مستقلاً منه إلى كونه مجرد فرع من العلوم الاجتماعية.

من التخصص إلى المنظومة المعرفية:

لم يعد علم النفس تخصصًا واحدًا، بل أصبح منظومة تضم عشرات الفروع، من علم النفس العصبي، وعلم النفس المعرفي، وعلم النفس الصحي، وعلم النفس الصناعي والتنظيمي، وعلم النفس القضائي، وعلم النفس الرياضي، وعلم النفس الإيجابي، والقياس النفسي، وغيرها.

ولكل واحد من هذه الفروع مجلاته العلمية، ومؤتمراته، ومجتمعاته البحثية، وأدواته المنهجية، وأسئلته الخاصة.

وهنا يبرز سؤال مؤسساتي: عندما يصبح أحد التخصصات منظومة معرفية بهذا الحجم، هل يبقى من الملائم أن يُدار إداريًا كما كان قبل خمسين عامًا؟

بين الاستقلال والتقاطع:

قد يُفهم من الدعوة إلى استقلال العلوم النفسية أنها دعوة إلى عزلها عن العلوم الاجتماعية أو العلوم الصحية، وهذا فهم غير دقيق.
فالاستقلال المؤسسي لا يعني الانغلاق المعرفي.
فالطب لا يعمل بمعزل عن البيولوجيا والكيمياء، وعلوم الحاسوب لا تستغني عن الرياضيات، والهندسة لا تنفصل عن الفيزياء. ومع ذلك فإن لكل واحد من هذه الحقول ميدانه الأكاديمي المستقل.

والأمر نفسه يمكن أن يصدق على العلوم النفسية؛ إذ يمكن أن تكون مستقلة تنظيميًا مع استمرار تفاعلها مع علم الاجتماع، والطب، والأحياء، وعلوم الأعصاب، والاقتصاد، والذكاء الاصطناعي.

نحو سؤال جديد:

لعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجامعات اليوم ليس: "هل يجب أن يبقى علم النفس ضمن العلوم الاجتماعية؟"، بل: "ما التصنيف الأكاديمي الأكثر قدرة على تمثيل واقع العلوم النفسية في القرن الحادي والعشرين؟"

إن إعادة طرح هذا السؤال لا تعني أن الجواب محسوم سلفًا، ولا أن إنشاء ميدان مستقل هو الخيار الوحيد. لكنها تعني أن التصنيفات الجامعية ليست نصوصًا مقدسة، وأن تطور المعرفة قد يفرض، بين حين وآخر، مراجعة الأطر التي ننظم بها العلوم.

و في الختام ليست هذه المقالة دعوة إلى إصدار قرار إداري عاجل، ولا مطالبة بتغيير شكلي في أسماء الميادين، بل هي دعوة إلى فتح نقاش أكاديمي هادئ.

04/08/2026

هل لقب "الطبيب" حكر على الأطباء؟
قراءة لغوية وتاريخية وعلمية وقانونية في العلاقة بين الطبيب والأخصائي النفساني العيادي.

يثير استعمال لقب "الطبيب" في مجال الصحة النفسية جدلاً متكرراً، خاصة عندما يطلق الناس على الأخصائيين النفسانيين العياديين لقب "طبيب نفسي"، أو عندما يعتقد بعض أفراد المجتمع أن كل من يعمل في مجال الصحة النفسية هو طبيب. ويرجع هذا الجدل إلى الخلط بين اللغة والعرف والقانون، وإلى عدم التمييز بين مفهوم اللقب المهني ومفهوم المهنة والاختصاص.
والحقيقة أن الطب النفسي وعلم النفس العيادي يشتركان في خدمة الإنسان، لكنهما يمثلان مهنتين مستقلتين، لكل منهما تاريخه، وتكوينه، ولقبه المهني، واختصاصه، وإطاره القانوني. ومن ثم فإن معالجة هذا الموضوع تقتضي قراءة تجمع بين اللغة والتاريخ والعلم والقانون، بعيداً عن التعصب لأي مهنة.

أولاً: ما المقصود باللقب المهني؟
اللقب المهني هو الاسم الذي يمنحه القانون لشخص استوفى شروطاً علمية ومهنية تخوله ممارسة مهنة معينة. وهو ليس مجرد وصف اجتماعي، بل صفة قانونية تحدد هوية صاحبها واختصاصه ومسؤوليته.
ولذلك فإن الطبيب، والأخصائي النفساني العيادي، والصيدلي، والمحامي، والمهندس، جميعها ألقاب مهنية، ويستمد كل منها حمايته من القانون الذي ينظم المهنة. وعليه فإن القول إن لقب "الطبيب" محمي قانوناً لا يعني أنه اللقب المهني الوحيد المحمي، بل إن كل لقب مهني تنظمه التشريعات يتمتع بالحماية القانونية داخل حدود مهنته.
ومن هنا فإن لقب "الأخصائي النفساني العيادي" هو الآخر لقب مهني محمي بقوة القانون الذي ينص على تنظيم المهنة وشروط ممارستها، ولا يجوز لغير المؤهلين استعماله أو انتحاله، تماماً كما لا يجوز انتحال لقب الطبيب أو الصيدلي أو المحامي.

ثانياً: المعنى اللغوي لكلمة "طبيب"
يرجع لفظ "طبيب" إلى الجذر العربي (ط ب ب)، وهو جذر يدل على الحذق والمهارة وإتقان الشيء.
قال ابن فارس في مقاييس اللغة: "الطاء والباء أصل صحيح يدل على حذق بالشيء."
وجاء في لسان العرب: "الطبيب هو الحاذق، ثم غلب استعماله على معالج المرضى."
وقال الزبيدي في تاج العروس: "الطب الحذق، والطبيب الحاذق بكل شيء، ثم خصه العرف بمن يداوي المرضى."

ويستفاد من ذلك أن كلمة "طبيب" مرت بمرحلتين:
مرحلة لغوية عامة، كان معناها الحاذق أو الخبير.
ومرحلة اصطلاحية مهنية، أصبح معناها الشخص المؤهل لممارسة الطب.
وهنا تظهر قاعدة مهمة، وهي أن اللغة تفسر أصل الكلمة، أما القانون فيحدد مدلولها المهني. فليس كل من يصدُق عليه الوصف اللغوي يحق له استعمال اللقب المهني، لأن الألقاب المهنية لا تمنحها اللغة، وإنما يمنحها القانون بعد استيفاء شروط علمية وتنظيمية محددة.

ثالثاً: كيف تطور لقب الطبيب؟
في الحضارات القديمة لم يكن هناك لقب مهني بالمعنى الحديث، بل كان المعالج يكتسب مكانته من الخبرة أو المكانة الاجتماعية أو الدينية.
ثم تطور الطب في الحضارات المصرية واليونانية والرومانية، وبلغ شأناً عظيماً في الحضارة الإسلامية مع علماء مثل الرازي وابن سينا والزهراوي، حيث أصبح الطب علماً قائماً على الدراسة والتجربة.
ومع قيام الجامعات الحديثة في أوروبا، ولا سيما منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أصبحت ممارسة الطب مرتبطة بالحصول على شهادة جامعية، ثم بالتدريب السريري، ثم بالترخيص القانوني، ثم بالتسجيل في الهيئات المهنية.
وهكذا تحول لقب "الطبيب" من وصف عام لمعالج المرضى إلى لقب مهني قانوني لا يكتسب إلا باستيفاء شروط محددة.

رابعاً: كيف ظهر لقب الأخصائي النفساني العيادي؟
لم يكن علم النفس في بداياته مهنة مستقلة، بل كان فرعاً من الفلسفة.
ومع إنشاء فيلهلم فونت أول مختبر لعلم النفس التجريبي سنة 1879، بدأ علم النفس ينفصل تدريجياً عن الفلسفة.
ثم جاء لايتنر ويتمر سنة 1896، فأنشأ أول عيادة نفسية واستعمل لأول مرة مصطلح "علم النفس العيادي"، لتبدأ مرحلة جديدة أصبح فيها الأخصائي النفساني العيادي يمارس التقييم والتشخيص والعلاج النفسي وفق أسس علمية مستقلة.
وخلال القرن العشرين، اعترفت الدول والجامعات والهيئات المهنية بعلم النفس العيادي بوصفه مهنة مستقلة، وأصبح لقب "الأخصائي النفساني العيادي" لقباً مهنياً منظماً، لا يكتسب إلا بعد تكوين جامعي متخصص وتدريب مهني واستيفاء الشروط التي يحددها القانون في كل دولة.
ومن ثم فإن هذا اللقب ليس وصفاً عاماً، بل هو لقب مهني محمي شأنه شأن بقية الألقاب المهنية المنظمة.

خامساً: هل الطبيب النفسي هو الأخصائي النفساني العيادي؟
الجواب: لا.
فالطبيب النفسي هو طبيب درس الطب البشري أولاً، ثم تخصص في الطب النفسي، ولذلك يظل طبيباً من الناحية القانونية والمهنية، مع اختصاص إضافي في تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية والعقلية من المنظور الطبي، بما في ذلك وصف الأدوية والمتابعة الطبية.
أما الأخصائي النفساني العيادي فهو متخصص في علم النفس العيادي، تلقى تكويناً في نظريات الشخصية، وعلم النفس المرضي، والقياس النفسي، والاختبارات النفسية، والتشخيص النفسي، والعلاج النفسي، وإعادة التأهيل النفسي. وهو لا يمارس الطب، وإنما يمارس مهنة مستقلة لها أدواتها ومنهجها واختصاصها.
إذن فالاختلاف بينهما ليس اختلافاً في القيمة أو المكانة، وإنما اختلاف في طبيعة التكوين والاختصاص.

سادساً: هل إحدى المهنتين أعلى من الأخرى؟
علمياً وقانونياً، لا.
فالطب النفسي ليس مرحلة متقدمة من علم النفس، كما أن علم النفس العيادي ليس فرعاً من الطب.
إنهما مساران جامعيان مختلفان، ينطلق أحدهما من العلوم الطبية، وينطلق الآخر من العلوم النفسية.
ولهذا فإن العلاقة بينهما ليست علاقة تبعية، وإنما علاقة تكامل.
فالطبيب النفسي يحتاج إلى الأخصائي النفساني العيادي في التقييم و التشخيص النفسي والاختبارات والعلاج النفسي وإعادة التأهيل، كما يحتاج الأخصائي النفساني إلى الطبيب النفسي عندما تستدعي الحالة تقييماً طبياً أو علاجاً دوائياً أو متابعة عضوية.
ولهذا تعمل الأنظمة الصحية الحديثة وفق مفهوم الفريق متعدد التخصصات، الذي يضم الطبيب النفسي، والأخصائي النفساني العيادي، والممرض المختص، والأخصائي الاجتماعي، وأخصائي العلاج الوظيفي وغيرهم، بحيث يؤدي كل عضو دوره في حدود اختصاصه.

سابعاً: هل يجوز للأخصائي النفساني العيادي أن يطلق على نفسه لقب "طبيب نفسي"؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب أولا التمييز بين ثلاثة مستويات.
فمن الناحية اللغوية، فإن أصل كلمة "طبيب" يدل على الحذق، لكن هذا الأصل اللغوي لا ينشئ حقاً في استعمال اللقب المهني.
ومن الناحية العلمية، فإن مصطلح "الطبيب النفسي" يطلق فقط على خريج الطب المتخصص في الطب النفسي، بينما يطلق مصطلح "الأخصائي النفساني العيادي" على خريج علم النفس المتخصص في علم النفس العيادي.
أما من الناحية القانونية، فإن استعمال الألقاب المهنية يخضع للتشريعات الوطنية. وفي معظم الأنظمة القانونية لا يجوز استعمال لقب "الطبيب" أو "الطبيب النفسي" على غير خريح كلية الطب أو إذا كان ذلك يوهم الجمهور بأن الشخص حاصل على مؤهل طبي وترخيص بممارسة الطب، كما لا يجوز لغير المؤهل استعمال لقب "الأخصائي النفساني العيادي" إذا كان القانون ينظم هذه المهنة ويحمي لقبها.
وعليه فإن اللقب الصحيح لخريج علم النفس العيادي هو "الأخصائي النفساني العيادي"، وهو لقب مهني مستقل لا يقل قيمة عن لقب الطبيب النفسي، وإنما يعبر عن مهنة مختلفة.

و في الأخير إن الجدل الدائر حول لقب "الطبيب" لا يحسم بالانتصار لمهنة على حساب أخرى، وإنما بالتمييز بين اللغة والعلم والقانون.
فاللغة تخبرنا أن الطبيب هو الحاذق، لكن الاصطلاح المهني والقانون الحديث جعلا لقب "الطبيب" لقباً خاصاً بمن استوفى شروط ممارسة الطب. وفي المقابل، فإن "الأخصائي النفساني العيادي" ليس وصفاً عاماً، بل هو أيضاً لقب مهني محمي بقوة القانون، ولا يجوز انتحاله أو استبداله بلقب آخر.
ولذلك فإن الطبيب النفسي والأخصائي النفساني العيادي ليسا اسماً واحداً لمهنة واحدة، ولا أحدهما بديلاً عن الآخر، وإنما هما مهنتان مستقلتان نشأتا في مسارين تاريخيين مختلفين، ولكل منهما تكوينه الجامعي واختصاصه وإطاره القانوني. وتكمن قوتهما الحقيقية في تكاملهما داخل فريق متعدد التخصصات، حيث يسهم كل منهما بعلمه وخبرته في تشخيص الاضطرابات النفسية وعلاجها ورعاية المريض، دون تداخل في الهوية المهنية أو تجاوز لحدود الاختصاص.

03/08/2026

العنف والكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي، أو كيف تساهم الخوارزميات في صناعة بيئة رقمية عنيفة و عدوانية وتُهمّش الخطاب العقلاني؟

لا يقتصر انتشار العنف والكراهية في الفضاء الرقمي على سلوك المستخدمين وحدهم، بل يتأثر أيضا بالطريقة التي صُمِّمت بها المنصات الرقمية وآليات عملها. فمعظم هذه المنصات تعتمد على خوارزميات هدفها الأساسي زيادة مدة بقاء المستخدم داخل التطبيق وتعظيم التفاعل مع المحتوى، لأن ذلك ينعكس مباشرة على عائداتها الإعلانية ونموها التجاري. ومن هذا المنطلق، لا تميز الخوارزميات بين المحتوى الإيجابي أو السلبي من حيث القيمة الأخلاقية، وإنما تقيس نجاح المنشور بقدرته على إثارة الانتباه وتحفيز التفاعل، سواء كان هذا التفاعل إعجابا أو تعليقا أو مشاركة أو حتى موجة من الجدل والغضب.
وتشير دراسات علم النفس الاجتماعي والاتصال الرقمي إلى أن الإنسان يستجيب بصورة أسرع للمثيرات الانفعالية السلبية مقارنة بالمثيرات المحايدة أو الإيجابية، وهي ظاهرة تعرف بـ"الانحياز إلى السلبية". فالمنشورات التي تتضمن استفزازا أو شتائم أو اتهامات أو أخبارا صادمة تثير مشاعر قوية، فتدفع المستخدم إلى الرد أو إعادة النشر أو الدخول في نقاشات حادة، وهو ما تفسره الخوارزميات على أنه محتوى "ناجح" يستحق الوصول إلى عدد أكبر من المستخدمين.
وهكذا تنشأ حلقة مغلقة تعزز نفسها بنفسها؛ فكلما أثار المحتوى مزيدا من الانفعالات، منحته الخوارزميات انتشارا أوسع، وكلما ازداد انتشاره، ازداد عدد المتفاعلين معه، فيستمر في الصعود داخل المنصة. وفي المقابل، غالبا ما يجد المحتوى الهادئ، والعقلاني، والقائم على التحليل والحوار المتزن، صعوبة في تحقيق المستوى نفسه من الانتشار، لأنه لا يولد القدر ذاته من التفاعل السريع الذي تبحث عنه الخوارزميات.
ومع مرور الوقت، يخلق هذا الواقع انطباعا مضللا لدى المستخدمين بأن العنف اللفظي، والسخرية، والتنمر، والكراهية أصبحت اللغة السائدة في المجتمع، بينما قد يكون الواقع مختلفا تماما. فالمنصات لا تعكس المجتمع كما هو، بل تعكس ما تمنحه الخوارزميات أولوية في الظهور. وهذا ما يعرف في علم النفس الإدراكي بـ"تحيز التوافر و التردد"، حيث يميل الإنسان إلى الاعتقاد بأن الظواهر التي يراها باستمرار هي الأكثر انتشارا، حتى وإن كانت تمثل أقلية في الواقع.
ولا تتوقف آثار هذه الآلية عند حدود الإدراك، بل تمتد إلى تشكيل السلوك ذاته. فبعض المستخدمين يلاحظون أن المنشورات الهادئة لا تحظى باهتمام كبير، بينما تحقق المنشورات المستفزة آلاف المشاهدات والتعليقات، فيبدؤون تدريجيا بتغيير أسلوبهم سعيا وراء الشهرة أو التأثير أو زيادة عدد المتابعين. وهنا تتحول العدوانية من مجرد وسيلة للتعبير عن الغضب إلى استراتيجية للحصول على الانتشار والاعتراف الاجتماعي داخل الفضاء الرقمي.
ومن أخطر نتائج هذه الديناميكية أنها تساهم في تطبيع خطاب الكراهية والعنف، إذ يصبح التعرض اليومي لهذا النوع من الخطاب أمرا مألوفا، فتضعف حساسية الأفراد تجاهه، ويصبح استخدام الألفاظ الجارحة أو الإهانات أو التشهير سلوكا عاديا في النقاشات العامة. كما تؤدي هذه البيئة إلى زيادة الاستقطاب الاجتماعي، حيث تنقسم المجتمعات الرقمية إلى مجموعات متصارعة، لا تسعى إلى الحوار أو البحث عن الحقيقة، بل إلى الانتصار لرأيها وإقصاء الطرف الآخر.
لذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على مطالبة الأفراد بالتحلي بالأخلاق وحسن السلوك، بل تستدعي أيضا مسؤولية المنصات الرقمية في مراجعة خوارزمياتها، وتعزيز ظهور المحتوى الرصين، والحد من مكافأة المحتوى الذي يقوم على الإثارة والكراهية والعنف. كما تتطلب نشر ثقافة التربية الإعلامية والرقمية، حتى يدرك المستخدم أن ما يراه على شاشته ليس بالضرورة صورة حقيقية للمجتمع، وإنما هو نتيجة لاختيارات خوارزمية صممت لتعظيم التفاعل، لا لتعظيم الحقيقة أو جودة الحوار.

03/08/2026

لماذا يصبح الإنسان أكثر عدوانية خلف الشاشة الرقمية؟

من أبرز الظواهر النفسية التي كشفتها وسائل التواصل الاجتماعي أن كثيرا من الأشخاص يتصرفون في العالم الرقمي بطريقة تختلف جذريا عن سلوكهم في الحياة الواقعية. فقد نجد شخصا هادئا، مهذبا، ومتزنا في علاقاته المباشرة، لكنه يتحول على المنصات الرقمية إلى شخص سريع الغضب، كثير السخرية، أو شديد العدوانية في تعليقاته. وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن شخصيته قد تغيرت، بل إنه يعكس تأثير البيئة الرقمية في تعديل السلوك الإنساني.

من الناحية النفسية، يؤدي وجود الشاشة كوسيط بين الفرد والآخرين إلى خلق ما يمكن تسميته بالمسافة النفسية. فالإنسان لا يرى تعابير وجه الطرف الآخر، ولا يسمع نبرة صوته، ولا يلاحظ انفعالاته أو دموعه أو معاناته. وعندما تغيب هذه المؤشرات الإنسانية، يضعف التعاطف تدريجيا، ويصبح توجيه الكلمات الجارحة أسهل مما لو كان الشخص واقفا أمام من يخاطبه وجها لوجه.

كما أن الفضاء الرقمي يمنح بعض المستخدمين شعورا بالأمان أو الحصانة، سواء باستعمال أسماء مستعارة أو لاعتقادهم بأن احتمال محاسبتهم ضعيف. وينتج عن ذلك انخفاض الإحساس بالمسؤولية الشخصية، فيصبح الفرد أكثر استعدادا لقول أو كتابة أمور يعلم في قرارة نفسه أنه لن يتجرأ على التلفظ بها في الواقع. ويسمى علماء النفس هذه الظاهرة التحرر من القيود الاجتماعية في البيئة الرقمية، حيث تتراجع الرقابة الذاتية التي تضبط السلوك في الحياة اليومية.

ومن الجوانب المهمة أيضا أن الإنسان في التفاعل المباشر يتلقى تغذية راجعة فورية؛ فهو يرى أثر كلماته على الآخرين، ويشعر بالحرج إذا تجاوز الحدود، وقد يتراجع أو يعتذر. أما في التواصل الإلكتروني، فإن هذا الأثر الإنساني يصبح ضعيفا أو غائبا، فينخفض الشعور بالذنب، ويزداد احتمال الاستمرار في السلوك العدواني.

ويضاف إلى ذلك ما يعرف في علم النفس بـ عدوى السلوك الاجتماعي. فعندما يرى المستخدم أن التعليقات العدوانية أو الساخرة تحصد آلاف الإعجابات والمشاركات، قد يعتقد – ولو بصورة غير واعية – أن هذا الأسلوب هو السائد والمقبول، فيبدأ بتقليده سعيا للحصول على الاهتمام أو القبول الاجتماعي. وهكذا تتحول العدوانية من سلوك فردي إلى نمط جماعي يعيد إنتاج نفسه باستمرار.

كما أن بعض المنصات تكافئ، بصورة غير مباشرة، المحتوى المثير للجدل، لأن الانفعال – سواء كان غضبا أو صدمة أو استنكارا – يدفع المستخدمين إلى التعليق والمشاركة والبقاء مدة أطول على المنصة. ونتيجة لذلك، يجد أصحاب الخطاب المتزن أنفسهم أقل ظهورا، بينما يبرز أصحاب الخطاب الاستفزازي، مما يعطي انطباعا مضللا بأن العدوانية أصبحت القاعدة، مع أنها قد تكون صادرة عن أقلية شديدة النشاط.

ولا ينبغي إغفال أن وسائل التواصل أصبحت بالنسبة لبعض الأفراد متنفسا لتفريغ الضغوط النفسية والإحباطات اليومية. فالشخص الذي يعاني من ضغوط اقتصادية أو أسرية أو مهنية، أو يشعر بالفشل أو التهميش، قد ينقل هذا الاحتقان إلى الفضاء الرقمي، فيهاجم الآخرين أو يسخر منهم أو يدخل في صراعات لا علاقة لها بالأسباب الحقيقية لمعاناته. وفي هذه الحالة، لا يكون الطرف الآخر هو المشكلة، وإنما يصبح مجرد هدف يسقط عليه الفرد غضبه المكبوت.

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في تفاعل الطبيعة البشرية مع بيئة رقمية تقل فيها الرقابة الاجتماعية، ويضعف فيها الشعور بالمسؤولية، وتزداد فيها مكافأة السلوك المثير على حساب السلوك المتزن. ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على سن القوانين، بل تتطلب بناء ثقافة رقمية تقوم على المسؤولية الأخلاقية، وتعزيز الذكاء الانفعالي، وتنمية مهارات الحوار واحترام الاختلاف، حتى يبقى العالم الافتراضي امتدادا للقيم الإنسانية، لا فضاء تنفلت فيه الغرائز والانفعالات من كل ضابط.

03/08/2026

وسائل التواصل الاجتماعي بين صناعة الوعي وصناعة الفوضى، لماذا تصاعدت مظاهر العنف والكراهية والتنمر؟
وكيف يمكن استعادة الفضاء الرقمي لدوره الذي وُضع له؟

خلال السنوات الأخيرة، أصبح من الصعب تصفح منصات التواصل الاجتماعي دون مصادفة مشاهد من العنف، أو عبارات سب وشتم، أو حملات تنمر، أو خطاب كراهية، أو نشر للفضائح، أو تداول لمقاطع الجرائم والحوادث بطريقة تكاد تجعلها مادة يومية للاستهلاك. وقد أثار هذا التحول تساؤلات عميقة حول ما الذي يحدث للمجتمع؟ ولماذا تحولت فضاءات كان يؤمل أن تكون جسورا للتواصل والتعلم وتبادل الخبرات إلى ساحات للصراع والاستقطاب والإساءة ؟
في بداياتها، قدمت وسائل التواصل الاجتماعي نفسها كوسيلة لتقريب المسافات بين الناس، وتعزيز الحوار، ونشر المعرفة، وتبادل التجارب الإنسانية، وفتح آفاق جديدة للتعلم والتعاون. وقد نجحت بالفعل في تحقيق كثير من هذه الأهداف، إلا أن الاستخدام غير الرشيد، إلى جانب عوامل نفسية واجتماعية وتقنية متعددة، أدى إلى بروز آثار جانبية أصبحت تمثل تحديا حقيقيا للمجتمعات.

من الناحية النفسية، تمنح المنصات الرقمية شعورا بالمسافة والأمان، فيعتقد بعض الأشخاص أنهم يستطيعون قول ما لا يجرؤون على قوله في الواقع. كما أن إخفاء الهوية أو ضعف الشعور بالمسؤولية المباشرة قد يؤدي إلى انخفاض الضوابط الأخلاقية والسلوكية، فتظهر سلوكيات عدوانية لم تكن لتظهر في التفاعل المباشر.
ومن جهة أخرى، تعتمد كثير من المنصات على خوارزميات تهدف إلى زيادة التفاعل، وغالبا ما تجذب المنشورات المثيرة للغضب أو الجدل أو الصدمة اهتماما أكبر من المحتوى الهادئ والمتوازن. وهكذا يجد المحتوى السلبي طريقه إلى الانتشار بسرعة، فينشأ انطباع بأن العنف والعدوانية أصبحا اللغة السائدة، بينما يتم تهميش الخطاب العقلاني والهادئ.
كما لا يمكن إغفال الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يعيشها كثير من الأفراد، مثل البطالة، والضغوط المهنية، والمشكلات الأسرية، والشعور بالإحباط أو فقدان الأمل. وقد تتحول المنصات الرقمية بالنسبة لبعضهم إلى فضاء لتفريغ الغضب والانفعال بدلا من أن تكون وسيلة للحوار والتواصل.
ومن العوامل المهمة أيضا غياب التربية الرقمية لدى فئات واسعة من المستخدمين. فكثيرون لم يتلقوا تكوينا حول أخلاقيات التواصل الإلكتروني، أو كيفية التحقق من المعلومات، أو احترام خصوصية الآخرين، أو إدارة الخلافات بطريقة حضارية. ونتيجة لذلك، أصبح نشر الإشاعات أو تصوير الحوادث والضحايا أو التشهير بالأشخاص أو السخرية منهم سلوكا يراه البعض عاديا رغم ما يترتب عليه من أضرار نفسية واجتماعية.
وتسهم المنافسة على تحقيق الشهرة وعدد المشاهدات والإعجابات في دفع بعض صناع المحتوى إلى نشر كل ما يثير الانتباه، حتى وإن كان ذلك على حساب كرامة الأشخاص أو مشاعر الضحايا أو احترام القيم الإنسانية. فكلما كان المحتوى أكثر إثارة، زادت فرص انتشاره، وهو ما يشجع على إعادة إنتاج هذا النوع من المحتوى بصورة مستمرة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط انتشار المحتوى السلبي، وإنما احتمال تحول التعرض المتكرر له إلى حالة من الاعتياد النفسي، بحيث تصبح مشاهد العنف والإهانة والتنمر أمورا مألوفة، فيضعف الإحساس بخطورتها، ويتراجع التعاطف مع الضحايا، وتزداد قابلية بعض الأفراد لتقليدها أو تبريرها.
ورغم خطورة هذه المؤشرات، فإن تحميل المسؤولية لوسائل التواصل وحدها سيكون تبسيطا للمشكلة. فالمنصة ليست سوى أداة، بينما يتوقف أثرها على كيفية استخدامها، وعلى البيئة الأسرية والتربوية والثقافية والقانونية التي تحيط بالمستخدم.
ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب رؤية شاملة تقوم على عدة محاور، أهمها:
- تعزيز التربية الرقمية في الأسرة والمدرسة والجامعة.
- نشر ثقافة الحوار واحترام الاختلاف ونبذ خطاب الكراهية.
- دعم الصحة النفسية والوقاية من الاضطرابات والانفعالات غير المضبوطة.
- تشجيع إنتاج محتوى إيجابي يعزز قيم التعاون والاحترام والتسامح.
- رفع الوعي بخطورة التنمر الإلكتروني والتشهير وانتهاك الخصوصية.
- تطوير مهارات التفكير النقدي حتى لا يصبح المستخدم أداة لنشر الإشاعات أو المحتوى المسيء.
- تطبيق القوانين المعمول بها بعدالة لحماية الحقوق والحريات، مع احترام حرية التعبير في إطار المسؤولية.
إن مستقبل الفضاء الرقمي لا تحدده التكنولوجيا وحدها، بل تحدده القيم التي نحملها ونحن نستخدمها. فإذا انتشر الاحترام والمسؤولية والوعي، أصبحت وسائل التواصل وسيلة لبناء الإنسان والمجتمع. أما إذا غابت الأخلاق والوعي، فإنها قد تتحول إلى فضاء يعكس أسوأ ما في الإنسان.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في إيقاف التطور التكنولوجي، وإنما في مواكبة هذا التطور بثقافة رقمية مسؤولة، وتربية أخلاقية راسخة، ووعي نفسي واجتماعي يجعل من الكلمة وسيلة للإصلاح لا للإساءة، ومن الاختلاف فرصة للحوار لا سببا للعداء، ومن وسائل التواصل جسورا للتقارب الإنساني لا ميادين للصراع والانقسام و الاستقطاب.

03/08/2026
03/08/2026

مكتب الفحص النفسي في المؤسسات العمومية للصحة، ليس امتيازًا، بل شرط أساسي لممارسة المهنة.

تتكرر في العديد من المؤسسات العمومية للصحة ظاهرة تثير الكثير من الانشغال لدى النفسانيين، تتمثل في عدم تخصيص مكتب للفحص النفسي، أو تحويل المكاتب التي كانت مخصصة لهذا الغرض إلى مصالح طبية أو شبه طبية أو إدارية تحت مبرر "ضرورة المصلحة" أو "نقص الهياكل". ويترتب عن ذلك وضع غير مهني يجد فيه النفساني نفسه يتنقل يوميًا بحثًا عن مكان يجلس فيه، أو يضطر إلى إجراء المقابلات النفسية في ظروف لا تضمن الحد الأدنى من الخصوصية والسرية.
ورغم أن المادة 8 من القانون الأساسي للنفسانيين في الصحة العمومية واضحة في هذا الشأن و كذا التعليمة الوزارية رقم (001) المؤرخة في 16 مارس 2008 المتعلقة بتحهيز قاعات الفحص النفسي، قد نصت على توفير مكتب للفحص النفسي، فإن تطبيقها لا يزال متفاوتًا بين المؤسسات العمومية للصحة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على جودة الخدمات النفسية المقدمة للمريض وعلى ظروف ممارسة النفساني لمهنته.
إن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بوجود مكتب من عدمه فحسب، وإنما يتعلق بفهم طبيعة الممارسة النفسية داخل المؤسسة الاستشفائية. فالبعض يختزل دور النفساني في التدخل بجانب سرير المريض (Au chevet du malade)، وكأن هذه هي الصورة الوحيدة للممارسة النفسية داخل المستشفى، بينما الواقع المهني والعلمي يؤكد أن هذه ليست سوى إحدى صور التدخل النفسي وليست كلها.
فالتدخل النفسي بجانب سرير المريض يكون مناسبًا في حالات معينة، خاصة عندما تمنع الحالة الصحية للمريض من التنقل، أو عندما يكون التدخل النفسي مرتبطًا بحالة استعجالية أو بمتابعة ميدانية داخل المصلحة. غير أن هذا النمط من التدخل لا يمكن أن يحل محل المقابلة النفسية المنظمة التي تحتاج إلى فضاء هادئ وآمن يحترم خصوصية المريض ويشجعه على التعبير الحر عن معاناته النفسية.
إن الفحص النفسي ليس مجرد حديث عابر مع المريض، بل هو عملية علمية ومهنية تقوم على بناء علاقة علاجية قائمة على الثقة، وتوظيف المقابلة العيادية، والملاحظة، والاختبارات النفسية عند الحاجة، وتحليل المعطيات في بيئة تضمن السرية. وهذه الشروط لا يمكن توفيرها في ممرات المستشفى أو داخل غرف الاستشفاء المكتظة أو أمام المرضى الآخرين أو الزوار أو أفراد الطاقم الصحي.
فكيف يمكن لمريض يعاني من اكتئاب شديد، أو من أفكار انتحارية، أو من اضطرابات أسرية، أو من صدمة نفسية، أو من مشاكل تتعلق بحياته الخاصة، أن يتحدث بحرية وهو يعلم أن كل ما يقوله قد يسمعه الآخرون؟ وكيف يمكن للنفساني أن يلتزم بالسر المهني إذا كانت ظروف العمل نفسها تمنعه من احترام هذا الالتزام؟
إن السر المهني ليس خيارًا شخصيًا للنفساني، بل هو التزام أخلاقي وقانوني يحمي المريض قبل أن يحمي الممارس. ولذلك فإن توفير مكتب للفحص النفسي يعد من الوسائل الأساسية التي تمكن النفساني من احترام هذا الواجب المهني.
ومن جهة أخرى، فإن خدمات النفساني العيادي داخل المستشفى لا تقتصر على المرضى المقيمين في المصالح الاستشفائية، بل تمتد أيضًا إلى مرافقي المرضى الذين يعيشون هم كذلك ضغوطًا نفسية كبيرة بسبب مرض أحد أفراد الأسرة، أو طول فترة العلاج، أو مواجهة تشخيصات خطيرة، أو الاستعداد لفقدان قريب. وكثيرًا ما يطلب هؤلاء مقابلات نفسية لا يمكن تقديمها في فضاءات مفتوحة أو أمام الآخرين.
كما أن وجود مكتب للفحص النفسي يسمح باستقبال المرضى الذين يستطيعون التنقل من مصالح الاستشفاء إلى المكتب، وهو ما يوفر لهم إطارًا أكثر ملاءمة للمقابلة العلاجية، ويخفف في الوقت نفسه الضغط داخل المصالح الطبية، ويمنح النفساني إمكانية تنظيم مواعيده ومتابعة الحالات بصورة أكثر فعالية.
وقد يقترح البعض الاكتفاء باستقبال المرضى داخل عيادات الفحوصات الخارجية، غير أن هذا الطرح يغفل خصوصية المرضى المقيمين داخل المستشفى، والذين قد تستمر إقامتهم أيامًا أو أسابيع أو أشهر، ويحتاجون إلى متابعة نفسية منتظمة ومتواصلة خلال فترة الاستشفاء. فهؤلاء ليسوا مرضى خارجيين، بل هم جزء من المسار العلاجي داخل المؤسسة، ومن حقهم الاستفادة من فضاء يحفظ كرامتهم وخصوصيتهم أثناء التكفل النفسي.
إن توفير مكتب للفحص النفسي لا يتعارض مع التدخلات الميدانية داخل المصالح، بل يكملها. فالنفساني يمارس عمله وفق حاجات الحالة النفسية والطبية؛ فقد ينتقل إلى سرير المريض عندما تستدعي الضرورة ذلك، وقد يستقبل المريض داخل مكتبه عندما تسمح حالته بذلك، ولكل نمط من التدخل أهدافه ومجاله وشروطه المهنية.
كما أن المكتب لا يقتصر دوره على إجراء المقابلات النفسية، بل يمثل فضاءً لإعداد الملفات المهنية، وتحرير التقارير النفسية، وحفظ الوثائق والسجلات والاختبارات النفسية، وإنجاز الأعمال العلمية والإحصائية والتنسيقية، وهي كلها مهام تدخل ضمن الوظيفة اليومية للنفساني داخل المؤسسة الصحية.
إن المؤسسة الصحية التي تستثمر في توفير الظروف الملائمة للممارسة النفسية لا تدافع عن مصلحة النفساني فحسب، وإنما تحمي حق المريض في علاج نفسي يحترم كرامته وإنسانيته وخصوصيته، وترفع من جودة الرعاية الصحية باعتبار أن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن احترام التعليمة الوزارية رقم (001) المؤرخة في 16 مارس 2008، وتخصيص مكتب للفحص النفسي داخل كل مؤسسة عمومية للصحة، ليس ترفًا إداريًا ولا مطلبًا فئويا، بل هو تجسيد لمبادئ الممارسة المهنية السليمة، وضمان لاحترام السر المهني، وتكريس لحق المريض في الاستفادة من تكفل نفسي لائق ينسجم مع المعايير العلمية والأخلاقية للمهنة.
إن جودة العلاج النفسي لا تبدأ بكفاءة النفساني وحدها، بل تبدأ أيضًا بتوفير البيئة المهنية التي تمكنه من أداء مهامه الأساسية القانونية. فالمكتب ليس قطعة أثاث، وإنما فضاء علاجي، ووسيلة عمل، وضمانة لحقوق المريض، وعنوان لاحترام مهنة علم النفس داخل المؤسسة العمومية للصحة.

02/08/2026

بخصوص تدخلات النفساني العيادي أثناء الأزمات و الكوارث:

بناء على طلب الكثير من الزملاء، يطيب لنا أن نضع بين يدي جميع النفسانيين العياديين على سبيل التذكير و الإفادة مختصر منهجية التدخلات المهنية أثناء الأزمات و الكوارث و التي تُعد من صميم علم النفس العيادي للأزمات والكوارث و الطوارىء و الصدمات (Psychologie clinique de l'urgence et de la psychotraumatologie).
ومن المهم الإشارة إلى أن التدخل النفسي يختلف باختلاف المرحلة الزمنية للازمة أو الكارثة، لأن الاحتياجات النفسية للمصابين و الضحايا تتغير حسب تطور الزمن و مع تطور المراحل و الأحداث.
و تتلخص هذه الفترات الزمنية في ثلاث مراحل أساسية هي :
1- المرحلة الٱنية (Phase immédiate) ( من 0 ساعة إلى 24 ساعة)
2- مرحلة ما بعد الصدمة المباشرة (Post-immediat) (من 24 ساعة إلى 72 ساعة)
3- المرحلة البعدية (Phase différée) (بعد 72 ساعة وتمتد لأسابيع أو أشهر)

وفيما يلي تصور علمي متكامل لتدخلات النفساني العيادي في الأزمات والكوارث وفق المراحل الزمنية للتكفل النفسي.

أولاً: المرحلة الآنية (Phase immédiate)
1- الفترة الزمنية: من لحظة وقوع الحادث إلى غاية 24 ساعة تقريبًا.
2- الهدف الرئيسي:
الحفاظ على الحياة النفسية، وإعادة الإحساس بالأمان، وتسيير ظهور او تفاقم ردود الفعل الحادة.
3- الفئات المستهدفة:
الناجون.
المصابون.
عائلات الضحايا.
المفقودون بعد العثور عليهم.
المسعفون.
أعوان الحماية المدنية.
أفراد الأمن.
الطواقم الصحية.
4- مهام النفساني العيادي:
التقييم النفسي السريع
تحديد الأشخاص الأكثر هشاشة.
التعرف على علامات الانهيار النفسي.
تحديد الأشخاص المعرضين لخطر الانهيار أو الهلع الشديد.
5- تقديم الإسعافات النفسية الأولية (Psychological First Aid) وتشمل:
توفير الشعور بالأمان.
تقديم الطمأنينة الواقعية.
خفض مستوى الخوف.
المساعدة على استعادة السيطرة.
الإصغاء دون ضغط على الشخص للكلام.
تلبية الاحتياجات الأساسية.
ربط الشخص بعائلته.
6- تنظيم التواصل مع الضحايا:
منع ازدحام الفضوليين.
الحد من التعرض المفرط للإعلام.
حماية الخصوصية.
7- مرافقة عملية التعرف على الضحايا:
مرافقة العائلات.
تحضيرهم نفسيًا.
التدخل عند الانهيار الانفعالي.
8- دعم المسعفين:
مراقبة علامات الإجهاد.
تنظيم فترات الراحة.
التدخل عند ظهور الانهيار النفسي.
9- تقديم المشورة لقيادة الأزمة:
اقتراح كيفية التواصل مع العائلات.
تقديم توصيات للإعلام.
تنبيه المسؤولين إلى المخاطر النفسية.

ثانياً: مرحلة ما بعد الصدمة المباشرة: Post-immédiat
1 - الفترة الزمنية تمتد من 24 ساعة إلى 72 ساعة)
2-الهدف الرئيسي:
منع تثبيت الصدمة وتحويلها إلى اضطراب دائم.
3- مهام النفساني العيادي:
إعادة التقييم النفسي:
تقييم تطور الأعراض.
اكتشاف الحالات المعقدة.
متابعة ردود الفعل الحادة:
مثل:
الكوابيس.
البكاء.
القلق.
الشعور بالذنب.
الغضب.
الإنكار.
التشتت.
فرط اليقظة.
4- الدعم النفسي الفردي:
الإصغاء.
تفسير ردود الفعل الطبيعية.
تخفيف الشعور بالخوف.
تصحيح الأفكار الخاطئة.
5- الدعم الأسري:
مساعدة أفراد الأسرة.
تفسير ردود فعل الأطفال.
الوقاية من التفكك الأسري.
6- التكفل بالأطفال:
اللعب العلاجي.
الرسم.
الملاحظة السريرية.
توجيه الأولياء.
7- دعم المسعفين:
جلسات جماعية اختيارية للدعم.
متابعة الإرهاق النفسي.
الوقاية من الاحتراق المهني.
8- تحديد الأشخاص المعرضين للخطر:
مثل:
فاقدي أكثر من قريب.
الأطفال.
كبار السن.
المصابين السابقين باضطرابات نفسية.
المسعفين الذين شهدوا مناظر شديدة القسوة.

ثالثاً: المرحلة البعدية (Phase différée)
1- الفترة الزمنية: بعد 72 ساعة وتمتد لأسابيع أو أشهر.
2- الهدف الرئيسي:
التكفل باضطرابات ما بعد الصدمة وإعادة الإدماج النفسي والاجتماعي.
3- مهام النفساني العيادي :
التشخيص النفسي.
البحث عن:
اضطراب ما بعد الصدمة.
الاكتئاب.
اضطرابات القلق.
الحداد المعقد.
اضطرابات النوم.
الإدمان.
الاضطرابات الجسدية النفسية.
4- العلاج النفسي:
حسب الحالة:
العلاج السلوكي المعرفي الموجّه للصدمة.
العلاج الداعم.
العلاج الأسري.
العلاج الجماعي.
تقنيات تنظيم الانفعال.
5- مرافقة الحداد: le deuil
مساعدة الأسر على تقبل الفقد.
مرافقة الأطفال.
الوقاية من الحداد المرضي.
6- إعادة الإدماج:
العودة إلى العمل.
العودة إلى المدرسة.
استعادة الحياة الاجتماعية.
7- متابعة و مرافقة المسعفين:
الكشف عن اضطراب ما بعد الصدمة.
علاج الإرهاق المهني.
الوقاية من الصدمة الثانوية.
8- العمل المجتمعي:
حملات التوعية.
التثقيف النفسي.
تقوية الصمود المجتمعي.
تدريب المتدخلين.
9- البحث العلمي والتقييم:
جمع المعطيات.
تقييم فعالية التدخلات.
إعداد التقارير.
اقتراح تحسينات لخطط الطوارئ.

خلاصة:
في المراحل الثلاث، لا يقتصر دور النفساني العيادي على علاج الاضطرابات النفسية بعد ظهورها، بل يبدأ منذ اللحظات الأولى للأزمة من خلال حماية التوازن النفسي، وتقليل أثر الصدمة، ودعم الضحايا وعائلاتهم والمسعفين، ثم يتطور إلى التشخيص والعلاج وإعادة الإدماج. ولهذا أصبح وجود النفساني العيادي داخل منظومة إدارة الأزمات والكوارث عنصرًا أساسيًا في الاستجابة الشاملة، إلى جانب الفرق الطبية والإسعافية والأمنية.

Adresse

Centre De Santé Verneau Climat De France
Algiers

Heures d'ouverture

Lundi 08:00 - 16:30
Mardi 08:00 - 16:30
Mercredi 08:00 - 16:30
Jeudi 08:00 - 16:30
Dimanche 08:00 - 16:30

Téléphone

00213770 89 47 89

Notifications

Soyez le premier à savoir et laissez-nous vous envoyer un courriel lorsque النقابة الوطنية الجزائرية للنفسانيين publie des nouvelles et des promotions. Votre adresse e-mail ne sera pas utilisée à d'autres fins, et vous pouvez vous désabonner à tout moment.

Contacter L’organisation

Envoyer un message à النقابة الوطنية الجزائرية للنفسانيين:

Raccourcis

Partager

Type