04/07/2026
طَالَ الوُقُوفُ عَلَى رُسُومِ الدَّارِ
وَالشَّوْقُ يَعْبَثُ فِي دَمِي وَقَرَارِي
وَعَفَتْ مَنَازِلُ أَهْلِنَا بَعْدَ النَّوَى
وَاسْتَوْطَنَتْهَا لَوْعَةُ الأَقْدَارِ
رِيحُ الصَّبَا مَرَّتْ عَلَى أَطْلَالِهَا
تَذْرُو الرِّمَالَ عَلَى الرُّبَى بِغُبَارِ
يَا دَارَ لَيْلَى بِالرُّبُوعِ تَبَدَّلَتْ
مِنْ بَعْدِ أُنْسٍ وَحْشَةَ الأَحْجَارِ
سَفَتِ الرِّيَاحُ نَسِيمَهَا وَعَبِيرَهَا
فَمَحَتْ مَعَالِمَ قِصَّةٍ وَحِوَارِ
هَذِي المَضَارِبُ قَدْ خَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا
وَبَكَى الغَمَامُ دِيَارَهُمْ بِمَطَارِ
عَيْنِي تَفِيضُ مِنَ الدُّمُوعِ صَبَابَةً
حُزْنًا عَلَى عَهْدِ الصِّبَا المِعْطَارِ
وَبَقِيتُ أَنْشُدُ فِي الطُّلُولِ صَحَابَتِي
وَاللَّيْلُ يُسْدِلُ عَتْمَةَ الأَسْتَارِ
يَا صَاحِبَيَّ قِفَا لِنَبْكِ مَنَازِلًا
كَانَتْ تُضِيءُ كَمَطْلَعِ الأَقْمَارِ
إِنِّي سَأَلْتُ الرَّكْبَ عَنْ سُكَّانِهَا
قَالُوا مَضَوْا فِي لُجَّةِ الأَسْفَارِ
شَدُّوا الرِّحَالَ عَلَى النَّجَائِبِ بُكْرَةً
يَقْفُونَ دَرْبًا فِي فِجَاجِ قِفَارِ
طَوَتِ المَطَايَا شُقَّةَ البَيْدَاءِ فِي
عَزْمٍ يَفُلُّ كَتَائِبَ الأَخْطَارِ
نَحْوَ المَدِينَةِ وَالمَفَازَةُ دُونَهَا
"مَغْنِيَةَ" الغَرَّاءِ ذَاتِ فَخَارِ
قَطَعُوا الفَيَافِيَ وَالسِّهَامُ تَلُوحُ مِنْ
شَمْسِ الهَجِيرِ بِحَرِّهَا السَّعَّارِ
خَبَّتْ بِهِمْ نُوقٌ كَأَنَّ رِقَابَهَا
سَفَنٌ تَمُوجُ عَلَى عُبَابِ بِحَارِ
حَتَّى بَدَتْ تِلْكَ المَشَارِفُ حُلْوَةً
تَسْبِي القُلُوبَ بِرَوْنَقٍ سَحَّارِ
رَفَعَتْ لَنَا الأَعْلَامَ فَوْقَ هِضَابِهَا
تَدْعُو الحَيَارَى طِيلَةَ الأَعْمَارِ
سِرْنَا إِلَيْهَا وَالمَسَافَةُ تَنْطَوِي
طَيَّ السِّجِلِّ بِشَوْقِنَا المَوَّارِ
فَبَدَتْ لَنَا مِنْ خَلْفِ كُلِّ ثَنِيَّةٍ
آيَاتُ حُسْنٍ مِنْ بَدِيعِ مَسَارِ
قُلْتُ احْطُطِ الرَّحْلَ المُكَلَّلَ بِالعَنَا
هَذَا المَقَامُ وَمَهْبِطُ الأَسْرَارِ
تِلْكَ الرُّبُوعُ الزَّاهِيَاتُ جَمَالُهَا
يَسْبِي النَّوَاظِرَ عِنْدَ كُلِّ نَهَارِ
جَبَلٌ يَشُمُّ السُّحْبَ فِي عَلْيَائِهِ
أَرْسَى قَوَاعِدَهُ عَلَى مِقْدَارِ
وَسُهُولُهَا خَضْرَاءُ يَضْحَكُ زَهْرُهَا
فَتَرُوحُ تَنْفُثُ أَطْيَبَ الأَزْهَارِ
أَنْهَارُهَا تَجْرِي فَتَرْوِي غُلَّةً
مِنْ صُنْعِ رَبٍّ خَالِقٍ صَوَّارِ
وَرَبِيعُهَا كَالبُرْدِ يُكْسَى وَشْيَهُ
مُتَنَوِّعُ الأَلْوَانِ وَالأَشْجَارِ
وَالنَّسْمَةُ العَذْبَاءُ فِي غَدَوَاتِهَا
تَشْفِي السَّقِيمَ وَتُذْهِبُ الأَكْدَارِ
صَدَحَتْ بَلَابِلُهَا عَلَى أَفْنَانِهَا
تُهْدِي المَسَامِعَ أَعْذَبَ الأَشْعَارِ
ظِلٌّ ظَلِيلٌ تَحْتَ دَوْحٍ بَاسِقٍ
يَقِيِ المُسَافِرَ لَفْحَةَ الأَوْضَارِ
غَابَاتُهَا كَاللَّيْلِ أَسْدَلَ شَعْرَهُ
فِيهَا السَّكِينَةُ لِلْفَتَى المِغْوَارِ
تَتَعَانَقُ الأَغْصَانُ فِي وَدْيَانِهَا
لِتُظِلَّ كُلَّ مُسَافِرٍ صَبَّارِ
غَيْثٌ يُهَادِنُ تُرْبَهَا فَيَشُقُّهُ
عَنْ كُلِّ نَبْتٍ يَانِعٍ مِدْرَارِ
فَكَأَنَّ مَغْنِيَةَ البَهِيَّةَ جَنَّةٌ
نَزَلَتْ مِنَ الفِرْدَوْسِ لِلأَبْصَارِ
يَا نِعْمَ قَوْمٌ حَلَّ فِيهَا رَحْلُنَا
أَهْلُ المَكَارِمِ سَادَةُ الأَمْصَارِ
إِنْ جِئْتَهُمْ لَيْلًا رَأَيْتَ قُدُورَهُمْ
مَنْصُوبَةً لِلضَّيْفِ وَالزُّوَّارِ
يَتَبَاشَرُونَ بِطَارِقٍ فِي سَاحِهِمْ
وَكَأَنَّهُ سَيْلٌ مِنَ الأَمْطَارِ
وُجُوهُهُمْ بِيضٌ تُضِيءُ بَشَاشَةً
مِثْلَ الشُّمُوسِ تَلُوحُ فِي الإِسْفَارِ
شِيَمُ العُرُوبَةِ فِي دِمَائِهِمُ هَمَتْ
فَوَرِثُوهَا طِيلَةَ الأَعْصَارِ
الصِّدْقُ دَيْدَنُهُمْ وَطِيبُ خِصَالِهِمْ
نَبْعٌ يَفِيضُ بِمَكْرُمَاتٍ غِزَارِ
يَحْمُونَ ذِمَّتَهُمْ بِحَدِّ مُهَنَّدٍ
وَيَصُونُونَ العِرْضَ كَالْأَحْرَارِ
هُمْ يَبْذُلُونَ النَّفْسَ دُونَ حَرِيمِهِمْ
أُسْدُ الشَّرَى فِي جَحْفَلٍ كَرَّارِ
لَا يَبْخَلُونَ بِمَالِهِمْ أَوْ رُوحِهِمْ
عِنْدَ الخُطُوبِ وَسَاعَةَ الإِعْسَارِ
الجَارُ فِيهِمْ آمِنٌ فِي سِرْبِهِ
لَا يَخْشَى ظُلْمًا أَوْ شَقَاءَ جِوَارِ
لَهْفِي عَلَى تَارِيخِهَا المُتَجَذِّرِ
فِي عُمْقِ أَزْمَانٍ ذَوَاتِ ثِمَارِ
سَلْ عَنْ مَآثِرِهَا الزَّمَانَ فَإِنَّهُ
يُنْبِيكَ عَنْ مَجْدٍ رَفِيعِ مَنَارِ
مَرَّتْ بِهَا رُسْلُ الحَضَارَةِ حِقْبَةً
فَتَرَكْنَ نَقْشًا فِي عَتِيقِ جِدَارِ
هِيَ مَعْبَرُ الأُمَمِ الَّتِي قَدْ شَيَّدَتْ
صَرْحًا مُنِيفًا نَاصِعَ الآثَارِ
مِنْ عَهْدِ أَمْجَادِ الأُلَى قَدْ أَوْغَلُوا
فِي المَجْدِ مِنْ بَدْوٍ وَمِنْ حُضَّارِ
كَمْ جَيْشِ غَازٍ رَامَ كَسْرَ صُمُودِهَا
فَرَدَّهُ الخَيْبَاتُ لِلأَدْبَارِ
قَلْعَةُ عِزٍّ مَا اسْتَكَانَتْ لِلْعِدَا
بَلْ زَلْزَلَتْهُمْ سَاعَةَ الإِعْصَارِ
بِمَقَامِ "مَغْنِيَةَ" التَّقِيَّةِ شُرِّفَتْ
فَغَدَتْ مَزَارًا سَاطِعَ الأَنْوَارِ
بَرَكَاتُهَا شَمِلَتْ بَنِي وَطَنِي الَّذِي
جَعَلَ المَدِينَةَ قِبْلَةَ الأَنْظَارِ
فَتَوَارَثَ الأَحْفَادُ رَايَةَ عِزِّهَا
مَرْفُوعَةً تَسْمُو عَلَى الأَقْطَارِ
أَنْجَبْتِ يَا ذَاتَ المَفَاخِرِ فِتْيَةً
قَادُوا مَسِيرَةَ أُمَّةٍ وَذِمَارِ
أَبْطَالُ حَرْبٍ إِنْ تَنَادَى صَارِخٌ
خَاضُوا المَنَايَا سَاحَةَ المِضْمَارِ
بِدِمَائِهِمْ كَتَبُوا صَحَائِفَ مَجْدِنَا
يَوْمَ الفِدَاءِ بِعَزْمِهِمْ وَالبَتَّارِ
لَمْ يَرْضَخُوا لِلْمُعْتَدِي فِي غَيْهِ
بَلْ جَرَّعُوهُ مَرَارَةَ الإِنْكَارِ
وَعُلَمَاءُ نَوَّرُوا بِعُلُومِهِمْ
ظُلَمَ الجَهَالَةِ وَالعُقُولِ البَوَارِ
فُقَهَاءُ فِي الدِّينِ الحَنِيفِ مَنَارَةٌ
يَهْدُونَ كُلَّ مُشَتَّتٍ مُحْتَارِ
وَشَوَاعِرٌ رَفَعُوا بَيَانًا سَاطِعًا
مِثْلَ النُّجُومِ تُضِيءُ لِلسُّمَّارِ
صَاغُوا القَوَافِيَ جَوْهَرًا فِي عِقْدِهَا
يَرْتَادُهَا الرَّاوُونَ كَالأَحْبَارِ
مِنْهُمْ فَرِيدُ العَصْرِ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ
كُلُّ المَحَافِلِ فِي رُبَى النُّظَّارِ
حَمَلُوا رِسَالَةَ عِلْمِهِمْ وَيَقِينِهِمْ
فَغَدَوْا مَنَابِعَ حِكْمَةٍ وَوَقَارِ
وَإِذَا أَتَيْتَ لِسُوقِهَا أَبْصَرْتَهُ
يَعْجَبُ مِنْهُ الوَافِدُ المَرَّارِ
تِلْكَ العُطُورُ تَضُوعُ فِي عَرَصَاتِهَا
مِسْكٌ وَعَنْبَرُ فَاحَ فِي الأَسْوَارِ
تَأْتِي لَهَا الرُّكْبَانُ مِنْ كُلِّ الدُّنَا
يَبْغُونَ طِيبَ تِجَارَةٍ وَبِهَارِ
"رَأْسُ الحَوَانِيتِ" الَّذِي ضَرَبَتْ بِهِ
أَمْثَالَهَا فِي صَنْعَةِ العَطَّارِ
أَلْوَانُهَا مِثْلُ الرَّبِيعِ زَوَاهِيًا
صَفْرَاءُ، حَمْرَاءٌ، بِلَوْنِ نَضَارِ
وَالزَّارِعُونَ حُقُولَهُمْ فِي هِمَّةٍ
يَسْتَبْشِرُونَ بِمَوْسِمِ الإِثْمَارِ
يَغْدُونَ فَجْرًا وَالمَنَاجِلُ فِي اليَدِ
يَحْصُدْنَ قَمْحًا صَافِيَ المِعْيَارِ
وَنِسَاؤُهَا مِثْلُ الشُّمُوسِ أَصَالَةً
يَنْسِجْنَ زَرْبِيًّا رَفِيعَ شِعَارِ
خُيُوطُهَا بِالفَنِّ قَدْ نُسِجَتْ عَلَى
نَوْلِ الأَصَالَةِ نَسْجَةَ الإِبْهَارِ
حَيَوَاتُهُمْ مَزْجُ التُّقَى بِمَعَاشِهِمْ
فِي سَعْيِهِمْ لِتِجَارَةٍ وَعَمَارِ
يَا مَوْطِنَ الأُلْفَاتِ فِي كَنَفِ النَّدَى
جَمَعَ الخَلَائِقَ فِي صَفَا تَيَّارِ
مِنْ كُلِّ عِرْقٍ قَدْ تَلَاقَوْا إِخْوَةً
يَتَقَاسَمُونَ الخَيْرَ بِالإِيثَارِ
تَلْقَى الغَرِيبَ بِهَا كَأَنَّهُ أَهْلُهَا
يَنْسَى الغَرِيبُ مَتَاعِبَ المِشْوَارِ
يَتَعَاوَنُونَ عَلَى النَّوَائِبِ إِنْ دَهَتْ
كَالبُنْيَانِ مَرْصُوصًا بِغَيْرِ شِنَارِ
وَالحُبُّ فِيهِمْ سُنَّةٌ وَفَرِيضَةٌ
يَمْشُونَ فِيهَا خُطْوَةَ الأَبْرَارِ
بَيْنَ الشُّيُوخِ نَصِيحَةٌ وَمَوَدَّةٌ
وَشَبَابُهُمْ يَمْشُونَ كَالْأَخْيَارِ
وَمَجَالِسُ الشُّورَى تَلُمُّ شَتَاتَهُمْ
لَا شِقْوَةٌ فِيهَا وَلَا إِضْرَارِ
طُوبَى لِمَنْ سَكَنُوا بِهَا وَتَجَاوَرُوا
وَتَنَاسَلُوا فِي بَلْدَةِ الأَطْهَارِ
يَا دُرَّةَ الغَرْبِ الَّتِي فِي عِشْقِهَا
بَاتَ الفُؤَادُ مُلَوَّعًا بِشَرَارِ
إِنْ غِبْتُ عَنْكِ فَإِنَّ طَيْفَكِ سَاكِنٌ
فِي مُقْلَتِي يَا مُنْتَهَى أَوْطَارِي
وَإِذَا ذَكَرْتُكِ هَزَّنِي وَجْدٌ كَمَا
هُزَّ الجَنَاحُ لِطَائِرٍ مِطْيَارِ
مَا شَاقَنِي عَبَثًا نَسِيمُكِ حِينَ مَا
هَبَّتْ رِيَاحُ الصُّبْحِ بِالْأَخْبَارِ
حَمَّلْتُهَا مِنْ مُهْجَتِي قُبُلَاتِهَا
تَهْوِي إِلَيْكِ بِمَدْمَعٍ غَزَّارِ
لَوْ خُيِّرَتْ نَفْسِي بِمُلْكِ زَمَانِهَا
مَا رُمْتُ عَنْكِ بَدِيلَةً لِلْجَارِ
أَنْتِ المَلَاذُ لِمَنْ تَشَرَّدَ قَلْبُهُ
وَأَمَانُ خَائِفِ سَطْوَةِ الأَشْرَارِ
تَفْدِيكِ رُوحِي إِنْ أَلَمَّ مُلِمَّةٌ
أَوْ جَارَ دَهْرٌ قَاسِيُ الأَطْوَارِ
دُومِي بِعِزٍّ يَا حَبِيبَةَ مُهْجَتِي
قَلْعًا مَنِيعًا شَامِخَ المِعْمَارِ
تَبْقَى قَوَافِي الشِّعْرِ قَاصِرَةً إِذَا
رَامَتْ بُلُوغَ كَمَالِكِ الجَبَّارِ
أُسْطُورَةٌ تُرْوَى لِأَجْيَالٍ غَدَتْ
نِبْرَاسَ عِزٍّ خَالِدِ التِّذْكَارِ
صَلَّى الإِلَهُ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ
مَا سَبَّحَ المَخْلُوقُ لِلْقَهَّارِ