23/07/2026
نظمت «مؤسسة إنسان لأبحاث الفكر والمجتمع» ندوةً فكريّةً لصالح خريجي برنامج التميّز المعرفي، بعنوان «شرعية السلطة في الإسلام بين الفقه والنص» مع الدكتور «صالح بن بشير بوشلاغم»، الأستاذ المشارك في كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان، وخريج معهد عمي سعيد الثانوي ومحضرة الشيخ باسعيد واعلي بالجزائر، وذلك يوم الخميس 02 صفر 1448هـ/ 16 جويلية 2026م بمقر المؤسسة بالجزائر العاصمة.
انطلقت الندوة من ضرورة سؤال "الشرعية" في التجمعات الإنسانية، أي من يأمر؟ ومن يطيع؟ وعلى أيّ أساس؟ والأبعاد المعرفية والواقعية لهذا السؤال الذي يحدد دائرة الشرعية السياسية عامة، وفي الفقه الإسلامي تحديدا للتمييز بين السياسة الشرعية والفقه السياسي والشرعية السياسية، التي هي جوهر نشأة السلطة وأساس ممارستها لمهامها في المجتمع، ودراسة موقف الوحي الإلهي والتراث الفقهي والتاريخ السياسي الإسلامي، فلابد من دراسة هذه الموضوعات في أبعادها الأربعة: الوحي، الفقه، التاريخ، الواقع وهذا ما يسعى الباحث للقيام به في أبحاثه العلمية عامة في مجال الفقه السياسي أو السياسة الشرعية.
بدأت الندوة بعرض الأوضاع السياسيّة في مكّة قبل الإسلام، وذلك لأهمية معرفة كيفيات تفاعل المجتمع القرشي مع الوحي في المجال السياسي ودور الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا المجال، فبين وزن المعطى القبلي حينها وأهمية عقد الإيلاف في ترسيخ مكانة قريش في الجزيرة. ثمّ عرّج إلى سؤال جوهري عن ممارسة الرسول عليه الصلاة والسلام للسلطة تحت سؤال: "هل بُعث النبيّ حاكمًا؟" أم أنه "بعث مبلّغًا ثم صار حاكمًا؟"، وبعد سرد عدة أحداث تاريخية خلص إلى كونه -عليه الصلاة والسلام- كان يراعي رضا الأمة فيما يتعلق بقرارات السلطة بدءًا ببيعة العقبة ثم صحيفة المدينة وصولًا إلى تشاوره مع الصحابة قبل كل قرار إستراتيجي كبير. ثم واصل على هذا المنوال قراءة أحداث السقيفة وتبعاتها وصولًا إلى الدولة الأموية والعباسية، مؤكّدًا أن أساس الشرعية السياسية في الإسلام هو "رضا الأمة" وكون الأمر "شورى بين الناس"، وفي الجانب التاريخي أسفر تطور الأحداث عن ثلاث اتجاهات في معيار الشرعية السياسية.
أما النص الشرعي فإنه لا يضع تفاصيل لطرق ممارسة السلطة السياسيّة، إلا أنّه يؤكد على أمرين: الشورى وعدم الاستبداد، وكذا إقامة العدل وعدم الركون للظالمين. فاستحصال الشرعية السياسية شأنٌ بشريٌّ محكوم بالشورى وإقامة العدل. كما يرى أن مقاصد الشريعة في المجال السياسي أربعة مقاصد: مقصد إقامة العدل وهو المقصد الأصلي للباب وتتبعه ثلاثة مقاصد تبعية الحرية والأمن وإقامة العمران.
وممّا ذكره الباحث في عرضه أن السياق الاجتماعيّ القبلي كان مؤثرًا وضاغطًا وأعطى أمثلة من مختلف حقب التاريخ الإسلامي، مع تركيز على دولة اليعاربة والدولة الرستمية، إذ يؤّكد أن من أهم مواطن القصور فيهما عدم تحوّل الممارسة السياسية إلى مؤسسات دستورية تفرض سيطرتها على المجتمع ولا تخضع للاجتهادات المرحلية الفردية. وأعقب العرض مناقشات وأسئلة ومداخلات من مختلف الأساتذة، أثروا فيها الموضوع كما طرحوا استشكالات أخرى تحتاج بحثًا.
يأتي هذا العرض في إطار استثمار مخرجات برنامج التميز المعرفي، وكذا في إطار جهود المؤسسة في تفعيل البحث العلمي وتثمينه بالعرض والمناقشة والنقد، وتعزيز التعاون العلمي مع مختلف المؤسسات العلمية.