04/02/2026
سُئِل عن رأيه فيما فعله ، فأجاب بأن الفساد الأخلاقي موجود في كل مكان، وأن هناك إبستين أمريكا و "إبستينات" بلدان المسلمين.❗️
هذا الجواب، رغم صحته الوصفية، يَختزِل عن سابق إصرار قضية شديدة التركيب في مستوى سطحي، وكأننا أمام فساد أخلاقي معزول، لا أمام بنية ابتزاز سياسي واقتصادي عابرة للحدود.
قضية إبستين لم تكن مجرد انحراف أخلاقي، بل شبكة ابتزاز دولية وأداة حكم غير معلنة، تجعل القرار السياسي رهينا لملفات سوداء، وتُحَوِّل الديمقراطيات المعلنة إلى واجهات شكلية، بينما تُدار الحقيقة من غرف مظلمة. لذلك لم يعد السؤال أخلاقيا بحتا، بل سياسيا بامتياز.
السؤال الحقيقي الذي كان يجب طرحه هو: لمن كان يشتغل إبستين؟ ولماذا ظهرت هذه الفضائح الآن؟ ولماذا اختارت العدالة الفيدرالية أن تقول بعض الحقيقة لا كلها، وأن تترك الشبكة الأوسع بلا محاسبة؟ من الخطأ الاعتقاد أن الفضائح تنفجر لأن الضمير استيقظ؛ بل تظهر عندما تتغير موازين القوة.
خلال مرحلة دونالد ترامب خرج الصراع بين البيت الأبيض ووزارة العدل وأجهزة الاستخبارات إلى العلن، فتغيرت التحالفات داخل ما يسمى الدولة العميقة، وفقدت بعض الملفات حصانتها. عندها استُخدم ملف إبستين كأداة ترميم رمزي لإظهار أن المؤسسات ما زالت تعمل، لا كمشروع محاسبة حقيقي. كما أن ربط القضية بتسريب فضائح أخلاقية لشخصيات سياسية ومالية دولية لم يكن بريئا، بل جزءا من تكتيك إشغال وتحويل أنظار، وتخفيف ضغط في ملفات دولية أخطر، دون كسر التحالفات الاستراتيجية. قُدمت أسماء يمكن التضحية بها أو ابتزازها، وأُغلقت الأبواب قبل الوصول إلى ما يمس أجهزة استخبارات ومراكز تمويل وتحالفات عابرة للحدود، لأن فتح الملف حتى نهايته يعني سقوط الجميع.❗️
هكذا يبدو ملف إبستين أخلاقيا فضيحة، لكنه سياسيا أداة ابتزاز مثالية: جرائم موثقة، قُصّر، تسجيلات محتملة، وأسماء من الصف
الأول. ملفات جرائم لا تُستخدم للمحاسبة، بل للضبط والترويض وإعادة التموضع. الابتزاز هنا صامت، قائم على التلويح لا الفضح الكامل.
ففي ملف إيران تحديدا، لا تسعى إ،،،رائيل بالضرورة إلى حرب شاملة غير مضمونة، لكنها تريد ضغطا دائما، وعقوبات، وعزلة، وتفويضا مفتوحا للتحرك العسكري متى شاءت. وجود سياسيين أمريكيين أو داعمين إقليميين مقيدين أخلاقيا بملفات حساسة يجعل تصعيدهم ضد إيران أسهل، واعتراضهم على المغامرات الإ،،،رائيلية أصعب. هنا يصبح ملف إبستين أداة صمت، لا أداة قرار.
أما الإمارات العربية المتحدة، فقد تحولت من مجرد حليف اقتصادي أو منصة لوجستية إلى فاعل أمني وسيط دولي، ولاعب في ملفات الطاقة، والتكنولوجيا، والتطبيع، والتوازنات الإقليمية. وحين يكبر دور الحليف أكثر مما ينبغي، لا يُكسر التحالف، بل يُعاد تحديد الحجم، عبر تقارير وتسريبات وشيطنة انتقائية، وتذكير ضمني بأن الهشاشة الأخلاقية سلاح دائم. ليس بالضرورة عبر إبستين مباشرة، بل عبر منطق واحد: كل من يملك نفوذا زائدا، عليه أن يتذكر حدوده.❗️
لو فُتحت كل خيوط الملف لانكشف من يبتز من، ومن يحمي من، ومن يستخدم الجسد كسلاح جيوسياسي. وهذا لا يخدم إ،،،رائيل، ولا واشنطن، ولا النظام الغربي ككل. لذلك كُشف ما يردع، وأُخفي ما يُسقط.
قضية إبستين لم تكن لحظة عدالة، بل تمرينا على حدودها. وهنا تكمن الفاجعة الأعمق: أن نُعلِّم العالم كيف يتعايش مع هذه الفضائح، وكيف يهضمها بلا مقاومة، ثم يواصل السير وكأن شيئا لم يكن. نصدمكم بالفضائح لا ليحاسب المجرمون، بل ليُعاد تطبيع القبح بوصفه واقعا لا بديل عنه.
هكذا فهم تجار العلمانية الرسالة فارتأوا التطبيع مع هذا الفساد لكثرته، لا فضحه. بينما الأخطر من الجريمة هو الصمت عنها، والأخطر من الصمت هو تطبيعها باعتبارها أمرا شائعا. فحين نقول هذا موجود في كل مكان، نحن لا نفسر الواقع، بل نبرئه، ونمنح الجلاد ذريعة، ونطلب من الضحية أن تصمت باسم الواقعية.❗️
ما نشهده اليوم ليس انهيار منظومة أخلاقية فحسب، بل ارتدادا حضاريا كاملا إلى قانون الغاب. عالم تخلى حتى عن شعاراته الليبرالية، وعن ديمقراطيته المعلبة، وعن خطابات حقوق الإنسان التي كانت تمنحه غطاء أخلاقيا: الأقوى يَفرض، والأضعف يُسحق، والضحايا يُطلب منهم التكيف لا العدالة. وهكذا يُعاد تشكيل النظام الدولي الجديد لا بوصفه منظومة حكم، بل بوصفه غابة سياسية منظمة، تُشرعن فيها الوحشية باسم الواقعية، فكيف يغضّون الطرف عن كل هذا، ويُصرّون على اختزال قضية إبستين في صورة انحراف معزول لا كمرآة لقيادة نظام كوني لَعِين ؟
..