16/12/2025
سوريا بين مركزية مدمّرة وفيدرالية إنقاذية قراءة في التجربة السويسرية
لطالما شكّلت قضية إدارة التنوع القومي والديني واحدة من أعقد التحديات التي تواجه الدول المتعددة المكونات. فحين تفتقر الدولة إلى آليات عادلة لتوزيع السلطة، وأدوات سياسية تضمن مشاركة جميع المجموعات، تتحول التعددية إلى شرخٍ داخلي قد يقود بسهولة إلى صراع أهلي أو انهيار سياسي. وهذا ما شهدته دول كثيرة عبر التاريخ، وفي مقدمتها سويسرا التي عرفت، قبل أن تصبح رمزاً للتعايش والحياد والديمقراطية، قرونًا من الاضطرابات والحروب بين الكانتونات المختلفة.
على الطرف المقابل، تعيش سوريا منذ عام 2011 إحدى أطول فترات الانقسام والخراب في تاريخها الحديث، بعد ما يقارب نصف قرن من مركزية مطلقة احتكر فيها النظام السياسي السلطة والثروة، وقمع الهويات المحلية والقومية والدينية. ومع دخول الصراع عامه الرابع عشر، أصبحت الفجوات بين المكونات السورية أعمق من أي وقت مضى، حيث أدت إلى مزيد من التفكك والتوترات. وأصبحت العودة إلى نموذج “الدولة المركزية الصارمة” شبه مستحيلة.
هذه الفجوة بين التجربة السويسرية الناجحة والتجربة السورية المأزومة تثير سؤالاً أساسياً: هل يمكن أن تشكل الفيدرالية مخرجًا واقعيًا لسوريا، يضمن لكل مكون الحق في الحكم الذاتي ضمن إطار دولة واحدة؟ و هل يمكن للسوريين أن يستفيدوا من الدروس التاريخية السويسرية دون المرور بتجربة حروب أهلية مدمرة كما شهدتها سويسرا في القرون الماضية؟ هذا التناقض بين تجربة سويسرية استطاعت تحويل صراعاتها إلى عقد اجتماعي متين، وتجربة سورية تغرق في المركزية المدمّرة، يفتح الباب أمام سؤال محوري: هل تكون الفيدرالية — وليس إعادة إنتاج المركزية — هي الطريق الواقعي لإنقاذ ما تبقى من سوريا؟ و هل يمكن للسوريين الاستفادة من التجربة السويسرية من دون خوض الحروب نفسها؟ في هذا البحث المتواضع، سنقرأ جوانب من التجربتين بطريقة نقدية، نستعرض الحروب السويسرية وكيف مهدت للفيدرالية، ونقارنها بأزمة المركزية في سوريا، لنبحث عن خريطة طريق محتملة نستلهم منها نموذج فيدرالية سورية تناسب البيئة المحلية، فيدرالية تعيد بناء الثقة بين السوريين. لإنقاذ الدولة والمجتمع من انهيار كامل يلوح في الافق. في هذه الجزئية المحورية يمكن للسوريين الوقوف مليا على التجربة السويسرية، لأن الحروب الكثيرة التي عرفتها سويسرا على مدى قرون متواصلة لم تنتهي كما يبدو للوهلة الاولى، بسيطرة طرف على بقية الاطراف، بل انها قادت الجميع إلى الاقتناع بالفيدرالية كحل يرضي كافة الاطراف ويضع الدولة السويسرية على طريق النجاح، فهل يرتدع السوريون ويدركون بان حروب الابادة على الهوية لن تقود إلا إلى مزيدا من الضحايا والتفكك وربما إلى زوال الدولة.
سويسرا قبل الفيدرالية تاريخ من الاضطرابات المتراكمة:
كانت سويسرا عبارة عن مجموعة كانتونات صغيرة شديدة التنوع، لغوياً ودينياً واقتصادياً. العلاقات بينها مبنية على تحالفات هشة، وكل كانتون يرى نفسه كيانًا مستقلاً أكثر منه جزءًا من دولة واحدة. عرفت سويسرا في هذه الحقبة حروب عديدة مهّدت كل واحدة منها الطريق إلى الفيدرالية، أهم هذه الحروب:
ـ مقاومة النفوذ الاجنبي: تمثل في الحروب ضد النمسا / آل هابسبورغ 1291–1515، ساهمت في توحيد الكانتونات الصغيرة دفاعياً لأول مرة، بينت أن التحالف الطوعي أقوى من السيطرة المركزية، ساهمت في الفيدرالية من خلال زرع فكرة اتحاد دفاعي بين مناطق مستقلة وليس دولة مركزية.
ـ الحرب القديمة 1436–1450: كانت نزاع داخلي بين كانتون زيورخ وباقي الكانتونات على النفوذ والأراضي، أظهرت خطر هيمنة كانتون واحد، وفرضت قاعدة لا قرار مصيري دون توافق جماعي، وخلقت مبدأ التوازن بين الكانتونات، وهذه خطوة واضحة نحو الفيدرالية.
ـ الحروب الدينية 1529–1712: حروب اندلعت بين البروتستانت والكاثوليك، حرب كابل الأولى والثانية، حربي فيلْفيتيك، كانت صراع عقائدي يشبه صراع الطوائف الدينية في سوريا خاصة والشرق الأوسط عامة، ادت الى القناعة بان لا مذهب قادر على حكم مذهب آخر، فكان الحل الوحيد هو حرية كل كانتون في إدارة شؤونه الدينية والتعليمية والقانونية، ما معناه ترسيخ الفيدرالية من خلال مبدأ "حكم محلي قوي" و"حياد ديني" على مستوى الاتحاد.
ـ الغزو الفرنسي 1798–1803: فرنسا غزت سويسرا وفرضت نموذج الدولة المركزية (الجمهورية الهلفيتية) ولكن التجربة المركزية لم تناسب دولة متعددة اللغات والديانات، فانهارت خلال خمس سنوات، بعدها أصبحت المركزية “تابو”، حيث فضل السويسريون أي نظام آخر عليها.
ـ حرب السوندربوند – الحرب الأهلية الأخيرة 1847: صراع بين اتحاد كانتونات كاثوليكية محافظة ضد كانتونات بروتستانتية ليبرالية، انتهت بانتصار الليبراليين، ثم كتابة دستور 1848، العبرة من الحرب هي ضرورة إيجاد توازن بين الحريات المحلية والسلطة المركزية، خلق جيش واحد، خارجية واحدة، وترك كل كانتون يتصرف بشؤونه الداخلية.
لماذا اختارت سويسرا الفيدرالية؟
نتيجة قرون من الصراع تشكل وعي للفيدرالية لدى السويسريين عبر الدم والجغرافيا والدين واللغات، و توج الوعي المشترك بصياغة دستور فيدرالي جديد في 1848، بعد إدراك الجميع باستحالة الحسم العسكري كحل دائم، حيث اكتشف السويسريون شيئًا جوهريًا، وهو ان أي كانتون ينتصر اليوم قد يُهزم غدًا. وان التنوع ليس حالة طارئة، بل بنية جوهرية للدولة. والحل ليس في هيمنة طرف واحد، بل في إيجاد آلية لتقاسم السلطة تسمح للجميع بالبقاء والازدهار، وأن لا أحد يستطيع فرض هيمنته على الجميع، مع الاقتناع بان التنوع ليس قابلاً “للصهر” في دولة مركزية، فالحكم المحلي يعطي الشعوب إحساساً بالأمان والكرامة، ويجب ان تكون السلطة المركزية خفيفة، محايدة، وسيطة.
كان دستور 1848 بمثابة عقد اجتماعي جديد اكمل النظام الفيدرالي الحديث في سويسرا وأعاد تعريف فكرة الدولة، دستور يعترف بالآخر بدلًا من محاولة صهره، ومن أهم مبادئه:
ـ توزيع واضح للصلاحيات بين المركز والكانتونات.
ـ حقّ الكانتونات في إدارة التعليم، الأمن المحلي، الضرائب المحلية، والثقافة.
ـ حماية اللغات والأديان على مستوى الدستور.
ـ إقامة نظام سياسي تشاركي يعتمد على التوافق لا على الأغلبية الساحقة.
ـ حياد سويسرا الخيار الذي ثبّت الفيدرالية: بعد حروب داخلية طويلة، أدركت سويسرا أن صراعات الجوار الأوروبي قد تسحبها نحو صدامات جديدة. فاختارت الحياد الدائم. فكان بمثابة “درع سيادي” سمح للكانتونات بترتيب شؤونها الداخلية دون تدخل خارجي، ليساهم بشكل كبير في استقرار التجربة الفيدرالية الوليدة.
ـ الديمقراطية المباشرة أداة لمنع عودة الاحتقان: استحدث الدستور أدوات جديدة أعادت الثقة بين المكونات، من هذه الادوات الاستفتاء الشعبي الإجباري على أي تعديل دستوري، المبادرات الشعبية التي تسمح للمواطنين باقتراح القوانين، إمكانية إسقاط قرارات البرلمان شعبيًا، هذه الآليات منعت عودة الشعور بالتهميش أو الخوف من سلطة مركزية قاهرة.
ـ الهوية الوطنية لسويسرا ليست عرق واحد او لغة واحدة، ولا دين واحد، بل هي عقد مواطنة شبكي لا قومي، في سوريا يمكن تطوير نموذج مشابه هوية جامعة مبنية على المواطنة والقانون، مع احتفاظ كل مكوّن بهويته القومية الثقافية والدينية بحرية كاملة.
الحالة السورية من المركزية الصارمة إلى الانقسام العميق
ـ سوريا ما قبل 2011:
كانت سوريا دولة مركزية منذ 1920 وحتى 2025 لم تُنتج سوى التهميش، والقمع، دولة محكومة بقبضة أمنية منذ سبعينيات القرن الماضي، سارت في اتجاه مركزي متشدد، يمكن تلخيصه في السمات الأساسية التالية. ـ غياب الحكم المحلي الحقيقي، المحافظات كانت وحدات إدارية بلا صلاحيات، كل القرارات تصدر من دمشق، السلطة التنفيذية، المالية، الأمنية والثقافية محكومة من المركز. - إلغاء التنوع القومي والديني، إنكار وجود القومية الكوردية والآشورية، التعامل مع الطوائف الدينية باعتبارها ملفات أمنية, تطبيق سياسة التعريب بفرض الهوية العربية على مجتمع متعدد الهويات، سياسة ادت إلى تراكم الحقد بين المكوّنات. - دولة قائمة على “الفرد” وليس المؤسسات، الأسد الأب ثم الابن حوّلا الدولة إلى هرم مقلوب يقوم على شخص الرئيس وطبقة أمنية ضيقة.
ـ سوريا ما بعد 2011 انفجار الهويات المكبوتة:
مع خروج الشارع ضد النظام، حدثت تغييرات جذرية. ـ تفككت السلطة المركزية. ـ عادت الهويات المحلية والقومية إلى الواجهة. ـ تشكلت سلطات أمر واقع متعددة: قسد (الكورد ) في الشمال الشرقي Rojava، فصائل إسلامية (تنظيم الدولة الاسلامية، هيئة تحرير الشام، فصائل الجيش الحر) في مناطق متفرقة من سوريا. ـ نشوء مناطق نفوذ دولية: تركية، إيرانية، روسية وأمريكية.
مقارنة تحليلية لماذا توافق غالبية السويسريين على الفيدرالية ولماذا هي موضع نزاع بين الاطراف السورية؟
يعود هذا إلى جوانب مختلفة بين سويسرا و سوريا:
ـ جوانب ثقافية: الثقافة السويسرية في سياقها التاريخي العام ثقافة اوروبية ـ برجوازية نهلت من قيم ومبادئ الثورة الفرنسية، عرفت الديموقراطية والبرلمان والنظام الدستوري العلماني وحقوق الانسان، و نهلت من الفكر الحر ساهمت في نشوء وعي مشترك قائم على التوافق و مبدأ قبول الآخر والتنوع والاختلاف. اما ان الثقافة السورية فإنها وليدة البيئة التي وجدت فيها، وتعود عميقا في سياقها التاريخي العام إلى نظام الاستبداد الشرقي نظرية ( الملك الاله/الحكم المطلق) المتفرد التي ما زالت قائمة، ثقافة بدوية اقطاعية مغلفة بغطاء ديني، تميل إلى النزاع والغزو وإقصاء الآخر، أقول هذا وانا اعتذر من البعض الذين يطيب لهم التغني جزافا بفسيفساء التنوع في سوريا، حيث لم نجد هذه الايام سوى الجثث والخرائب، ولا نسمع غير اصوات الداعين إلى مزيد من سفك الدماء، اين هي لوحة الفسيفساء البديعة، هل هي ثقافة السبي، ام غزو الجار للجار، ام تحويل دور العبادة إلى مراكز للتحريض على القتال، كيف يمكن لهذه الثقافة ان تنتج وعي جمعي منفتح يصل إلى قناعة بأن سوريا تتسع للجميع وان الفيدرالية كفيلة بخلق توازن عادل بين كافة المكونات، وان الاصرار على المواقف الحالية يفتح الطريق لحروب مدمرة تطول عقود و ربما تنتهي بزوال سوريا.
ـ طبيعة الصراع, في سويسرا صراع داخلي بين كيانات متوازنة القوة. اما الصراع في سوريا، صراع داخلي، إقليمي، دولي متشابك.
ـ شكل القيادة السياسية, سويسرا لا زعيم مطلق، المؤسسات هي التي تحكم. في سوريا: الفرد هو الدولة، والمؤسسة مجرد واجهة.
ـ طريقة التعامل مع التنوع، سويسرا اعتراف بالتنوع، حماية دستورية، تمثيل سياسي. سوريا إنكار التنوع، قمع، وعسكرة العلاقة مع المكونات.
ـ الكانتونات السويسرية رأت أن “النصر الكامل مستحيل ”.أما في سوريا فقد فشلت الدولة المركزية الصارمة بسقوط نظام الاسد 08. 12. 2024 مع ذلك يرفض الرئيس السوري المؤقت احمد الشرع التخلي عن هذا النموذج، ويصر على تكرار سياسة النظام السابق، بالسعي إلى إقصاء مكونات وطنية كاملة و احتكار الدولة من قبل نخبة أمنية طائفية ضيقة, وتحويل الجيش إلى أداة حماية للنظام لا للدولة، غياب أي نظام لتوزيع السلطة يمنح الأقاليم دورًا حقيقيًا.
هل يمكن استنساخ النموذج السويسري في سوريا؟
لا تُعدّ الفيدرالية نموذجًا مؤسسيًا موحدًا يمكن تطبيقه بصورة نمطية على جميع الدول المتعددة القوميات أو الأديان، بل هي إطار دستوري مرن يتشكل تبعًا للخصوصيات التاريخية والاجتماعية والأمنية لكل دولة. وتُظهر التجارب المقارنة أن نجاح النظم الفيدرالية يرتبط بقدرتها على معالجة الإشكاليات البنيوية الخاصة بكل حالة وطنية، لا باستنساخ نماذج جاهزة. وفي السياق السوري، تبرز مجموعة من التحديات البنيوية أمام أي مشروع فيدرالي محتمل، وإذا كان للفيدرالية سياق عام واحد او متشابه في خطوطها العريضة، فان لكل دولة فيدرالية تجربة فريدة في بناء نظام مميز مستمد من خصوصية الدولة، هناك اختلافات في الدقائق والتفاصيل بين فيدرالية واخرى، ما هو موجود في فيدرالية السويد ليس بالضرورة ان يكون موجودا في فيدرالية المانيا.
ان الفيدرالية في الجانب النظري عبارة عن تجارب خبرات دراسات وتراث فكري متراكم، يمكن الرجوع إليه واستلهام فيدرالية مبتكرة منه، بما يتوافق مع ظروف البلد المعني، وعليه من الصعوبة بما كان استنساخ النموذج السويسري لتطبيقه في سوريا، لكن يمكن الاستفادة من هذا النموذج وغيره، وانتاج فيدرالية تناسب الوضع السوري، هناك عناصر في النسخة السويسرية يمكن نقلها إلى سوريا، وهناك مسائل وقضايا تخص الجغرافية السورية، تحتاج إلى حلول مبتكرة يأتي بها السوريون انفسهم.
اهم العناصر المشتركة بين الفيدراليات
ـ دستور إتحادي (عقد اجتماعي)، سوريا بأمس الحاجة إلى صياغة عقد اجتماعي جديد ينص على ـ اعتراف صريح بالتنوع القومي والديني ـ توزيع السلطة بحيث لا يهيمن مركز واحد على الجميع ـ نظام تشاركي يمنع احتكار القرار وإقامة حكومات محلية حقيقية تمتلك صلاحيات واسعة.
ـ التعددية القومية ـ الدينية، ان التعددية في سوريا مركبة ومعقدة لكثرة الإثنيات والطوائف، هناك القضية الكوردية، والتي تشكل في الوقت الراهن مسألة محورية، لا يمكن لأي سلطة القفز من فوقها، والحكمة تقتضي الاهتداء بالنموذجين السويسري والعراقي، وذلك بالاعتراف بحق الشعب الكوردي في تقرير المصير، في صيغة اقليم فيدرالي، جعل اللغة الكوردية لغة رسمية في الاقليم الكوردي، هذه نقاط رئيسية اما الملفات الاخرى وهي كثيرة يمكن التوصل إلى حلول لها بالحوار بين سلطة دمشق والقادة الكورد.
إلى جانب القضية الكوردية توجد خلافات بين العلويين والسلطة الجديدة "السنية" من جهة، وبين الدروز والسنة من جهة اخرى، وهي حساسيات سياسية ـ دينية متداخلة لها جذور تاريخية، لكهنا تفاقمت عقب هروب الرئيس السوري السابق بشار الاسد، حيث تعرض العلويون لمجازر على يد قوات الحكومة المؤقتة وانصارها، ثم وقعت نفس الانتهاكات بحق الدروز، وكانت ردة فعل الدروز انهم اعلنوا القطيعة مع النظام الجديد وطالبوا بالانفصال عن سوريا، وفي الآونة الاخيرة انضم العلويون إلى الكورد في المطالبة بالفيدرالية، واذا كان عنوان الخلاف بين العلويين والدروز طائفيا فان له ابعاد اخرى ثقافية فكرية واجتماعية، هذا يصعب العيش معا ضمن دولة مركزية تحكمها سلطة لها خلفية طائفية متشددة، هذا كان حال السويسريين الذين خاضوا حروب دينية، ثم وجدوا السلام في الفيدرالية.
بالنسبة لبقية المكونات الدينية ( المسيحيين الايزيديين والاسماعيليين) والمكونات الاثنية ( الارمن الشيشان والتركمان) الذين زادت مخاوفهم من الاضطهاد تحت سيطرة حكومة هيئة تحرير الشام، لا بد من ان تكون لها حصة في دستور اتحادي يضمن حماية هذه المكونات ويحفظ حقوقها.
بعبع الفيدرالية:
السائد بين فئات من السوريين العرب هو ان الفيدرالية بعبع من صنع دول الكفر!! لتمزيق العالم العراسلامي، ويتماهى اكثرية الفئات السورية المدركة لماهية الفيدرالية مع الفهم الشعبوي الخاطئ ، لترى اليوم الخاصة قبل العامة يخلطون بين مفهوم الفيدرالية ومفهوم الانفصال او الاستقلال، تسمع الناس في المقابلات التلفزيونية يقولون: "لا اعرف ما هي الفيدرالية لكن يبدو أنها شيء سيئ " هذا يدل على حجم التحريض ضد الفيدرالية.
هل حقا الفيدرالية بعبع مخيف إلى هذه الدرجة، حسنا لماذا لم ينهي هذا البعبع الولايات المتحدة الامريكية...الخ، لماذا لا يسأل السوريون من انقذ الدولة الالمانية او السويسرية، أليست الفيدرالية من عالجت مسائل في دول شهدت مثل سوريا حروب ونزاعات، لماذا لا يأخذون العبرة من تجارب ناجحة؟ هل تتحمل سوريا مزيدا من الحروب الاهلية مصحوبة بتدخل خارجي، إذا كان الشعب منهك، والدولة توشك على التفكك. لم تخترع سويسرا الفيدرالية لأنها دولة مرفهة، بل لأنها كانت محطمة بسبب الحروب، إلى ان فهمت الكانتونات أن إلغاء الآخر مستحيل، وأن التعايش ليس خيارًا أخلاقيًا بل ضرورة وجودية، فهل على السوريين مقاتلة بعضهم 500 عام ريثما يقتنعون بان لا بديل للفيدرالية.
كيف يمكن للسوريين الوصول إلى الفيدرالية دون حروب جديدة؟
ـ تشكيل مجلس رئاسي فيدرالي متعدد القوميات.
ـ تشكيل برلمان فيدرالي بغرفتين واحدة للسكان، وأخرى للأقاليم.
ـ التفاوض بين القوى الفاعلة وليس بين السلطة المؤقتة والاحزاب.
ـ الاعتراف المتبادل و إشراك ممثلين عن العرب السنّة الكورد العلويين الدروز المسيحيين و بقية المكونات / المجتمعات المحلية.
ـ لا يمكن لأي عقد اجتماعي جديد أن ينجح دون الاعتراف بالشعب الكوردي وما يترتب على ذلك من الاعتراف بحقوقه كاملة.
ـ إزالة فكرة “الأكثرية والأقلية” من بنية الحكم.
ـ دولة من الأسفل إلى الأعلى: الدولة السورية الجديدة يجب أن تُبنى على عكس ما كانت عليه، الحكم المحلي هو الأساس، المركز خادم للأقاليم، لا سيدًا فوقها.
ـ ضمانات دولية ضرورية: بسبب هشاشة الوضع السوري وتشابك المصالح الإقليمية، لا بد من ضمانات أممية، مراقبة دولية للفترة الانتقالية, تجميد تدخلات القوى الخارجية.
ـ خريطة طريق انتقالية نحو الفيدرالية السورية.
مرحلة ما قبل الدستور:
وقف شامل لإطلاق النار ـ تشكيل هيئة حكم انتقالية تضمُّ ممثلين عن كل المكونات ـ سحب المظاهر المسلحة من المدن ـ لجنة دستورية جديدة لا اللجنة الحالية ـ دستور يعترف بالتعدد القومي والديني ـ نظام برلماني فيدرالي ـ مجلس رئاسي يمثل الأقاليم ـ توزيع الصلاحيات: يتولى المركز الدفاع، العلاقات الخارجية، العملة، التجارة الكبرى. تتولى الأقاليم: الثقافة، التعليم، الشرطة المحلية، الاستثمار، الضرائب المحلية ـ منع عودة الاستبداد، تحديد مدة الرئاسة، منع سيطرة طائفة أو عائلة على الجيش. ـ رقابة برلمانية مزدوجة غرفة السكان وغرفة الأقاليم.
مسألة التشكيلات المسلحة:
دخل ابو محمد الجولاني زعيم تنظيم هيئة تحرير الشام إلى دمشق عقب انهيار جيش النظام السابق، ونصب نفسه رئيسا لسوريا باسم احمد الشرع، وجعل قواته تحل محل الجيش المنهار، لكنها لم تمتلك الاهلية لتكون نواة لجيش وطني، بل حافظت على تركيبتها الميليشياوية و خلفيتها التكفيرية، حيث عين الشرع عناصر مدرجة على لائحة الارهاب في مناصب عسكرية عليا، وسلم قيادة الفصائل إلى افراد متهمين بارتكاب الانتهاكات أو الى عناصر اجنبية متطرفة، وكانت النتيجة تورط قوات الشرع في مذابح طائفية بحق العلويين والدروز، مما اثار مخاوف مكونات قومية ودينية في مناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية ـ قسد، ولا سيما المكون الكردي، مخاوف جدية من تعرضها لانتهاكات جسيمة في حال فقدانها للترتيبات الأمنية القائمة، ساهمت هذه المخاوف في تعزيز القناعة بضرورة وجود آليات حماية محلية ضمن أي تسوية سياسية مستقبلية، و دفعت بقادة قسد إلى قبول مبدئي بالاندماج ضمن الإطار العام للدولة السورية، شريطة الحفاظ على قدر من الاستقلالية المؤسسية التي تضمن استمرارية مهامها الأمنية وحماية المناطق التي تتواجد فيها، في المقابل يصر الشرع على إعادة بناء جيش مركزي موحد، بما يشمل حلّ التشكيلات العسكرية القائمة او دمجها بالكامل في المؤسسة العسكرية التابعة له، غير أن هذا الطرح يواجه عقبات عملية وأيديولوجية، تتمثل في التباينات العميقة بين طبيعة قسد، بوصفها قوة ذات توجهات غير دينية وتتبنى مشاركة واسعة للمرأة، وبين القوات التابعة للسلطة الجديدة، التي تستند إلى مرجعيات دينية محافظة، ما يطرح إشكاليات تتعلق بالانسجام القيمي والوظيفي داخل مؤسسة عسكرية واحدة، في هذا السياق تبدو مسألة قوات قسد ودورها في المنظومة الأمنية المستقبلية للدولة كأبرز تحدي من مجموعة تحديات بنيوية أمام أي مشروع فيدرالي محتمل، يذكر ان قوات قسد تمثل فاعلًا عسكريًا منظمًا يتمتع بدرجة عالية من الاحترافية، وقد حظيت بدعم وتدريب من التحالف الدولي، كما لعبت دورًا محوريًا في مواجهة تنظيم “داعش”. وبفعل هذا الدور، اكتسبت هذه القوات شرعية وظيفية وأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فضلًا عن تمتعها بثقة قطاع واسع من السكان المحليين.
في هذا الإطار، يمكن للفيدرالية، في حال تبنيها دستوريًا، أن توفر مقاربة بديلة لمعالجة إشكالية التعدد العسكري، عبر توزيع الصلاحيات الأمنية بين مستوى اتحادي يتولى مهام الدفاع والسيادة، ومستويات إقليمية تمتلك قوات أمن محلية ذات طابع دفاعي داخلي، تعمل ضمن إطار دستوري واضح وتحت رقابة مدنية. ويتيح هذا النموذج إمكانية التوفيق بين متطلبات وحدة الدولة من جهة، وضرورات الاستقرار المجتمعي وحماية المكونات المحلية من جهة أخرى، ومتى ما ساد الاستقرار و هدأت النفوس، وتم تحويل الخوف المتبادل إلى ضمانات دستورية، يسهل حينها وضع صيغة لتحديد العلاقة بين الجيش الاتحادي والقوات المسلحة المحلية.
سوريا اليوم على مفترق طرق إما الاستمرار في نموذج الدولة المركزية التي لم تعد موجودة إلا على الورق، أو الانتقال إلى نظام فيدرالي يمنح كل مكوّن القدرة على إدارة شؤونه، ويحوّل التنوع من مصدر للانقسام إلى مصدر قوة، الفيدرالية ليست تقسيمًا لسوريا، بل قد تكون النظام الوحيد القادر على منع التقسيم، وتأسيس دولة حديثة تشبه واقع السوريين، لا أوهام الماضي.
زاكروس عثمان
كاتب وباحث مختص بالشأن الكوردي