05/06/2026
عمر بن سعيد.. عالم من بلاد الشنقيط قيدته أغلال العبودية ولم تكسره
تعد قصة العلامة السنغالي عمر بن سعيد (1770–1864) واحدة من أكثر الوثائق التاريخية إثارة للدهشة والشجن في تاريخ الهجرة القسرية إلى الأمريكتين. تبدأ فصول الحكاية عام 1995 حين عُثر في ولاية فيرجينيا الأمريكية على مخطوطة نادرة داخل شاحنة مهملة، ليتضح أنها صرخة صامتة سجلها عالم مسلم بمداد من الصبر قبل أكثر من قرن ونصف.
ولد الشيخ عمر بن سعيد في منطقة فوتا تورو بين نهري السنغال وغامبيا، حيث نشأ في بيئة علمية رصينة، وانقطع لطلب العلم الشرعي والتبحر في علوم اللغة العربية مدة خمس وعشرين سنة على أيدي كبار علماء غرب إفريقيا. لم يكن عمر مجرد رجل عادي، بل كان عالما فقيها أدركته يد الغدر في عام 1807 حين اجتاحت الجيوش بلاده، ليتحول من مقام العلم إلى أغلال الأسر، ويُساق عبر المحيط الأطلسي في رحلة مريرة استغرقت شهرا ونصفا حتى بلغ مدينة تشارلستون الأمريكية.
في مذكراته التي كتبها بالعربية، يصف عمر معاناته بلغة تقطر حزنا وتواضعا، فيقول: لا أستطيع أن أكتب عن حياتي لأني قد نسيت كثيرا من كلامي وكلام العرب. يا إخواني، أسألكم بالله ألا تلوموني، فإن عيني ضعيفتان وجسدي منهك. هذه الكلمات لم تكن مجرد اعتذار عن ضعف الذاكرة، بل كانت تجسيدا لمحاولات طمس الهوية التي واجهها العبيد المسلمون في تلك الحقبة.
بعد هروبه من سيد قاس في كارولينا الجنوبية، أعيد أسره في كارولينا الشمالية، حيث اشتراه رجل يدعى جيمس أوين. وعلى الرغم من محاولات أسياده تحويله إلى المسيحية، إلا أن مخطوطاته التي تركها كشفت عن تمسكه الخفي والمكين بدينه، حيث كان يفتتح كتاباته بالبسملة وآيات من القرآن الكريم، مما جعل منه أيقونة للصمود الروحي والثقافي.
عاش ابن سعيد أكثر من تسعين عاما، قضى أغلبها في قيود العبودية حتى وافته المنية عام 1864، ليوارى الثرى في مقاطعة بلادن. واليوم، تعد مخطوطاته المحفوظة في مكتبة الكونجرس الأمريكي كنزا تاريخيا لا يقدر بثمن، فهي ليست مجرد مذكرات شخصية، بل هي شهادة حية تؤرخ لوجود الإسلام في قلب أمريكا منذ بداياتها، وتثبت أن النور الذي يحمله العالم في صدره لا يمكن للأغلال أن تطفئه.
رحل عمر بن سعيد وبقي قبره في كارولينا الشمالية شاهدا على قصة عالم أزهق الظلم حريته، لكنه فشل في هزيمة إيمانه وعلمه.