03/12/2025
خصرُ قصيدةٍ جفلَتْ من الأشباه
__
دخيل الخليفة
__
كرَزٌ تبعْثرَ في ارتباكِ الصُّبحِ، وانْدَثرتْ فصولُ البوْحِ عنْ عِنَبِ اليقينِ الآهِ فارْتجَفَ الكلامُ.
الوقتُ يغزلُ ليلَنا المحْفوفَ بالنارنْجِ، يأخذُنا لقافيتَيْنِ تلْتَهِمانِ قلبَيْنا منَ الولَهِ المُراوغِ، من لُغاتِ الموجِ، يسْرقُنا الوِئامُ.
وطنٌ تكدّسَ تحتَ أهْدابي، وغَطَّ دلالَهُ بسماءِ روحي، ثمَّ هيَّأَني لرفْرَفةِ التوحُّدِ بينَ ذاكرةِ السواحلِ والصحاري، كي أُزاوِجَ ضحْكَ مُفْرَدتَيْنِ تقْتَسِمانِ سرَّ الليلِ، أعْبرُ ما تَواطأَ والغياب، أطيرُ، يسْكُنُني الغَمامُ.
هذا حصادُ الضَّوءِ، خصْرُ قصيدةٍ جَفلَتْ منَ الأشْباهِ، غصْنٌ مثْقلٌ بالطيشِ، نهْرٌ صاهلٌ بالدفءِ، رمّانُ البراءةِ، صرْخةُ الطفلِ المُباغتِ، آخرُ النبَضاتِ يهْدلُها الحَمامُ.
هذا مساءٌ تملئينَ بهِ سلالَكِ منْ فضاءِ الرّوحِ، تعْتَمرينَ قبَّعةَ النُّبوءةِ، تُولَدِينَ منَ الحُروفِ الخُضْرِ، منْ وتَرٍ يُمارِسُ نُضْجَهُ في سِرْبِ كرْكَرةٍ تَضِجُّ مُهيّئاً للحبِّ طلَّتَهُ البهيّةَ؛ مُدْنَفاً لمْلمْتُ عمْري منْ أصابعهِ المُضيئةِ، ثمَّ شاكَسَني على ساقَيْنِ من صخَبٍ، ولاحقَني على نهْرٍ يُطرِّزهُ الإوَزْ.
- الحبُّ بنتٌ منْ كرَزْ!
لا تهْربي منّي إليَّ بلِ ادْخُلي في وحْشَةِ السُّمّاقِ، في شفتَيْنِ ترْتَشفانِني منْ هذهِ الصحراءِ، من وجَعِ الشُّموعِ، وعلِّميني غِبْطَة العصفورِ، كي أرثَ الغصونَ جميعَها. لا تتْرُكيني باحثاً عنّي بفضْفَضةِ القَميصِ الأزرقِ اللاهي بورْدَتِهِ، مللْتُ منَ التبَعْثُرِ بينَ أقْنعةِ المُلوكِ، وعلِّقيني بينَ رمشِكِ والحنينِ، ورَتِّبي فوضايَ في همْسِ الأصابعِ كي أُقاسِمَكِ الضلوعَ، نعيد أعشاشَ الشموسِ لغُصنِها الميّادِ، خليّني بصوتِكِ لثْغةً أحْلَى من النايِ ـ الغيابِ، شُجَيرةً عاثتْ بضحْكتِها الفُصولُ.
حلٌم تأبَّطَ عمْرَهُ ومشَى إليكِ، ومنْكِ تنْسكِبُ الشَّوارعُ فوقَ أوراقي، خُذيني للنّدَى ظِلاً يبوحُ بكاءَهُ؛ يتَموْسَقُ التّفاحُ بينَ أصابعي لهَباً فـألْعَقُ جمْرَهُ المسْحورَ بالهذَيانِ، ضُمّيني لشهْدِكِ إنني وعَلٌ خَجولُ.
جمَحَتْ هضابُكِ، أيْنَعَ البلّورُ في صخَبِ الهدوءِ، فألْهِميني دفْقةَ النَّهْرِ الحزينِ، قراءةَ الهذَيان، وانسَيْ ما أقولُ.
شغَبٌ أوانُكِ فاحْرِثي دونَ اكْتراثٍ في مساءاتي، فضاءاتي، انتماءاتي، وإنّي أدْركُ المعْنَى بصوتٍ جارحٍ ولِهٍ يُحرّضُهُ الفضولُ.
وطنٌ منَ الحُبِّ المُعتَّقِ ليلُكِ المهْووسُ في جُغرافيا هذا الرّخامِ الآدميِّ، أنا امْرؤٌ لا أمَّ تفْرشُ جفْنَها ظلّاً لقافِيَتي فضُمّيني لشَعْرِك إنّهُ المنْفَى البَديلُ.
هذا مساءٌ فاضحُ الفَوضَى، خيولُ الروحِ تصْهلُ، تلْبِطُ الأسْماكُ في وهَجِ الطَّراوةِ بيننا، يتدفَّقُ الجمْرُ الحنونُ، أُمَسْرِحُ الكلماتِ مُرْتدِياً سماءَكِ، أعْبرُ السفْحَ المُمَوْسقَ، أقتَفي قمَراً تورَّطَ بي وذَوّبَني على غَبشٍ، توشْوِشُني مرايا خصْرِكِ المنْحوتِ دونَ يدٍ، بلادٌ شرَّعَتْ أبوابَها لي كي أمُرَّ على الحصادِ، كما يمُرُّ الذئبُ في المرْعَى، أُباغِتُ في دَبيبِ الرّوحِ أيّةَ ومْضةٍ تَنقادُ لي، أدْنو لأقطِفَ وحْيَها، أنسَى صحاري الحنْظلِ الأبَدي كيفَ تُناكفُ الفقراءَ، اقرأ ليلَها فتَنِزُّ بي نارٌ ويمْلَؤني صَهيلُ.
لا تقْلبي الفنجانَ فوقَ دمي، أبوحُكِ ما قرأتُ من الدُّجَى:
لم يطَّلِعْ أحدٌ على فَخذَيْنِ من عاجٍ سوايَ، خدمْتُ من سكِرَتْ على موتي وعذَّبَني هوايَ؛ ضعِي زنابقَكِ الرقيقةَ فوق ذاكرتي ولمِّي النزْفَ، ضُمّيني لقلبكِ فالمدينةُ أنكرَتْ لُغَتي، وهذا الأزرقُ المزروعُ باللغةِ الغريبةِ لم يعُدْ وتَري القديمَ، كشَفْتُ سرَّ البئرِ فاندفَعَ السعارُ عليَّ من بيتِ القصيدةِ، كنتُ أحملُ في الظلامِ طفولتي في عزِّ غفْوَتِها، وضلْعِي ـ في ذهولٍ ـ ظلَّ يتْبَعُني كأنّي قاتلٌ وأنا قتيلُ!
مَنْ يَطرقُ البابَ؟ احتمالٌ أنْ أكونَ أنا!
وأنتِ المستحيلُ.