Maître Walid Arfaoui

Maître Walid Arfaoui Avocat au barreau de Tunis

استغلال النفوذ… عندما يتحول «الجاه» إلى وسيلة للاتجار بالقرارفي جريمة استغلال النفوذ، لا يبحث القاضي فقط عن شخص له مركز ...
19/08/2026

استغلال النفوذ… عندما يتحول «الجاه» إلى وسيلة للاتجار بالقرار

في جريمة استغلال النفوذ، لا يبحث القاضي فقط عن شخص له مركز رسمي أو سلطة قانونية.

فالفصل 87 من المجلة الجزائية يتصور النفوذ باعتباره قدرة على التأثير لدى السلطة العامة، وقد يكون هذا النفوذ حقيقيًا أو مزعومًا.

وهنا تبرز مسألة دقيقة كثيرًا ما يقع تجاوزها:

متى يكون التباهي بالجاه مجرد سلوك اجتماعي، ومتى يتحول إلى عنصر من عناصر الجريمة؟

لقد اعتبرت محكمة التعقيب في القرار عدد 680/733 بتاريخ 4 جوان 2013 أن جريمة استغلال النفوذ تفترض وجود نفوذ حقيقي أو مزعوم، وأنه لا يكفي القول بوجود «تدخل» أو «علاقة» دون بيان طبيعة النفوذ وكيفية استعماله ونوعية الضغوط أو التأثيرات التي مورست على الجهة صاحبة القرار.

وهذا المبدأ بالغ الأهمية.

فأن يقول شخص:

«أنا أعرف فلانًا»
أو «لي علاقات داخل الإدارة»
أو «أستطيع الوصول إلى المسؤول»
أو حتى أن يتباهى بقدرته على التأثير،

لا يعني، بمفرده، أن جريمة استغلال النفوذ قد اكتملت.

التباهي بالجاه ليس هو الجريمة في حد ذاته.

لكن الصورة تختلف عندما يتحول هذا التباهي إلى عرض أو استعمال لنفوذ حقيقي أو مزعوم مقابل منفعة، بهدف الحصول أو محاولة الحصول من سلطة عامة على قرار أو امتياز لفائدة شخص معين.

وهنا يصبح السؤال القضائي:

من هو صاحب النفوذ؟

ما طبيعة النفوذ؟

لدى من يمارس؟

ما هو القرار المطلوب؟

ما هو المقابل؟

وهل توجد علاقة سببية بين المنفعة وبين استعمال النفوذ؟

محكمة التعقيب كانت واضحة أيضًا في القرار نفسه عندما أكدت ضرورة إثبات المقابل والعلاقة السببية بين العطية أو الوعد بها وبين استعمال النفوذ. فلا يكفي الاستنتاج أو التخمين لإثبات الركن المادي للجريمة.

كما ذهبت محكمة التعقيب في القرار عدد 639 المؤرخ في 4 جويلية 2012 إلى التشديد على أهمية ركن المقابل، واعتبرت أن الاستنتاجات المجردة لا تكفي لإقامة الدليل على وجود المنفعة أو كيفية ممارسة النفوذ والضغط على الجهة المختصة.

وهذا يقودنا إلى قاعدة دفاعية مهمة:

ليس كل جاه نفوذًا مجرمًا، وليس كل نفوذ استغلالًا، وليس كل استغلال نفوذ جريمة ما لم يثبت المقابل والرابطة السببية والقصد الجنائي.

فالنفوذ قد يكون اجتماعيًا أو مهنيًا أو عائليًا أو سياسيًا أو إداريًا، لكن القانون لا يعاقب مجرد امتلاك العلاقات.

إنما يعاقب تحويل تلك العلاقات إلى وسيلة للاتجار بالتأثير على القرار العمومي.

والأخطر أن المشرع لا يشترط دائمًا أن يكون النفوذ حقيقيًا؛ فالنفوذ المزعوم يمكن أن يدخل في نطاق التجريم متى توافرت بقية العناصر القانونية.

لذلك فإن عبارة مثل:

«أنا عندي جاه وننجم نحلّلك الموضوع»

قد تكون مجرد تفاخر فارغ…

وقد تكون، في سياق آخر، جزءًا من مشروع إجرامي.

والفاصل بين الحالتين ليس الانطباع، ولا شهرة الشخص، ولا مكانته الاجتماعية.

الفاصل هو الدليل.

وهنا تكمن أهمية فقه قضاء محكمة التعقيب في جريمة استغلال النفوذ:
لا يكفي إثبات أن المتهم كان يتحدث عن نفوذه، بل يجب تحديد كيف استعمله، ولمن، ولماذا، وما المقابل، وما القرار الذي كان يراد التأثير فيه.

وفي الجرائم المالية وجرائم الفساد تحديدًا:

لا تُبنى المسؤولية الجزائية على «الجاه» وحده… وإنما على أركان جريمة ثابتة بدليل قانوني.









13/08/2026

الفصل 96 جديد من المجلة الجزائية

استغلال الموظف العمومي لصفته للإضرار بالإدارة في ضوء الفصل 96 الجديد من المجلة الجزائية التونسية:

هل يكفي مجرد وقوع الضرر لقيام الجريمة؟

تُعد جريمة استغلال الموظف العمومي لصفته للإضرار بالإدارة، المنصوص عليها بالفصل 96 الجديد من المجلة الجزائية التونسية، من أكثر الجرائم إثارةً للنقاش في القضاء التونسي، لأنها تقف عند الحد الفاصل بين الخطأ الإداري والفعل الجزائي.

فالقانون الجزائي لا يعاقب الموظف لأنه أخطأ في التقدير أو لأنه اتخذ قرارًا إداريًا تبين لاحقًا أنه غير موفق، وإنما يعاقبه عندما يتحول استعمال السلطة إلى وسيلة لتحقيق منفعة غير مشروعة على حساب المصلحة العامة.

لقد حدد الفصل 82 من المجلة الجزائية مفهوم الموظف العمومي بصورة واسعة، فلم يقتصر على الموظفين الخاضعين للقانون الأساسي للوظيفة العمومية، وإنما شمل كل من أوكلت إليه مهمة ذات صبغة عمومية أو ساهم في تسيير مرفق عام أو إدارة أموال عمومية، وهو ما يعكس رغبة المشرع في إحاطة المال العام والوظيفة العمومية بأقصى درجات الحماية.

أما الفصل 96 الجديد، فهو يمثل حجر الأساس في هذه الجريمة، إذ لا يجرّم مجرد الإضرار بالإدارة، وإنما يشترط أن يكون الموظف قد تعمد استغلال صفته أو النفوذ الذي تمنحه له وظيفته لتحقيق فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره، وأن يترتب عن ذلك ضرر بالإدارة.

ومن خلال هذا النص يتضح أن الجريمة لا تقوم إلا باجتماع عدة عناصر متلازمة:
● وجود صفة الموظف العمومي.
● استغلال هذه الصفة أو النفوذ المرتبط بها.
● تحقيق منفعة أو فائدة غير مستحقة.
● حصول ضرر للإدارة.
● توفر القصد الجرمي وسوء النية.

وهنا يبرز سؤال جوهري:
هل يكفي أن تتضرر الإدارة حتى نكون أمام جريمة؟
الجواب القانوني هو: لا.

فالضرر، مهما كان حجمه، لا يكفي وحده لإدانة الموظف. إذ قد ينتج الضرر عن اجتهاد خاطئ، أو سوء تقدير، أو خطأ مهني، أو ظروف استثنائية، وهي كلها حالات قد تستوجب مساءلة تأديبية أو مدنية، لكنها لا ترقى بالضرورة إلى مستوى المسؤولية الجزائية.

إن القضاء الجزائي مطالب دائمًا بالبحث عن عنصر بالغ الأهمية، وهو القصد الجنائي. فلا بد من إثبات أن الموظف تعمد استغلال وظيفته لتحقيق منفعة غير مستحقة، وأن الضرر لم يكن مجرد نتيجة عرضية أو خطأ إداري.

ومن ثم فإن الفصل 96 الجديد لا يهدف إلى تجريم الإدارة أو تجريم اتخاذ القرار، وإنما يهدف إلى حماية الإدارة من الفساد، لا من الاجتهاد لذلك أضاف المشرع بالتنقيح الجديد عبارة (العمد ) le dol

فالخوف من التتبع الجزائي بسبب كل قرار إداري قد يدفع الموظف إلى التردد والامتناع عن اتخاذ المبادرات، وهو ما ينعكس سلبًا على حسن سير المرفق العام. لذلك حرص المشرع على أن يجعل من استغلال الوظيفة لتحقيق منفعة غير مشروعة الركن الجوهري للجريمة، لا مجرد وقوع خسارة أو ضرر.

إن التمييز بين الخطأ الإداري والجريمة الجزائية يمثل إحدى أهم ضمانات دولة القانون، لأن العدالة الجنائية لا تُبنى على النتائج وحدها، وإنما على ثبوت الفعل الإجرامي بكافة أركانه، وفي مقدمتها سوء النية والقصد الجنائي.
لذلك أكدت محكمة التعقيب بموجب القرار التعقيب
الصادر بتاريخ 23 سبتمبر 2025، القضية عدد 83627

* أن التنقيح الجديد للفصل 96 ضيّق من مجال التجريم، وأن حسن النية هو الأصل، ولا تنهض الجريمة إلا إذا ثبت تعمد استغلال الصفة لتحقيق فائدة غير مشروعة أو إلحاق ضرر بالإدارة، بما يميزها عن مجرد الخطأ الإداري أو العفوي.

الإيداع النقدي كوسيلة للتمويه: متى يتحول النقد من وسيلة دفع إلى قرينة على غسل الأموال؟تثير الحيثيات الواردة في الحكم محل...
13/08/2026

الإيداع النقدي كوسيلة للتمويه: متى يتحول النقد من وسيلة دفع إلى قرينة على غسل الأموال؟

تثير الحيثيات الواردة في الحكم محلّ التعليق مسألة دقيقة في جرائم غسل الأموال، وهي العلاقة بين حجم الأموال المتداولة نقداً، وطريقة إيداعها، وإمكانية تتبع مصدرها ومسارها اللاحق.

فقد اعتبرت المحكمة أن قيام المتهمين بإيداع مبالغ نقدية هامة بحساباتهم البنكية المختلفة، بصورة تجعل تتبع مصدر الأموال أمراً متعذراً، فضلاً عن صعوبة تحديد وجهتها بعد سحبها والأطراف المستفيدة منها، يمكن أن يحقق إحدى صور غسل الأموال باعتبار أن هذه الطريقة تمثل أسلوباً لتمويه مصدر المال النقدي.

وهنا تكمن أهمية هذا التوجه القضائي.

فالمشرّع التونسي لم يحصر غسل الأموال في عملية معقدة أو في تحويلات دولية أو شركات وهمية، بل وسّع نطاق التجريم ليشمل، صراحة، إيداع الأموال أو إخفاءها أو تمويهها أو إدارتها أو إدماجها أو حفظها، متى توفرت بقية عناصر الجريمة والقصد الجرمي.

لكن السؤال الأهم هو:

هل كل إيداع نقدي كبير يمثل غسل أموال؟

الجواب: لا.

وهذه نقطة أساسية في الدفاع وفي التطبيق القضائي.

فالإيداع النقدي، مهما كان حجمه، لا يصبح بمفرده جريمة غسل أموال. وإنما تكتسب العملية دلالتها الجزائية عندما تنضم إليها مجموعة من القرائن المتساندة: غياب التفسير الاقتصادي المقبول، عدم التناسب بين الأموال والنشاط المعلن، تعدد الحسابات، تكرار الإيداعات، استعمال النقد بكثافة، سحب الأموال بسرعة، استحالة تحديد المستفيد النهائي، أو وجود سلوك يهدف إلى قطع الصلة بين المال ومصدره الحقيقي.

وهنا ننتقل من مجرد الإيداع إلى مفهوم التمويه.

فالتمويه لا يعني فقط إخفاء المال مادياً، وإنما قد يتحقق من خلال خلق مسار مالي يجعل الوصول إلى المصدر الحقيقي للأموال أو المستفيد النهائي منها أمراً بالغ الصعوبة.

وبعبارة أخرى:

قد يكون المال ظاهراً في الحساب البنكي، لكن مصدره يظل مخفياً.

وهذه هي المفارقة التي تستحق التوقف عندها.

فإدخال الأموال إلى النظام البنكي لا يعني بالضرورة إضفاء المشروعية عليها؛ بل قد تكون العملية، في ظروف معينة، جزءاً من عملية غسل الأموال نفسها، إذا كان الغرض منها قطع الصلة بين المال ومصدره غير المشروع.

والفصل 92 لا يجرّم مجرد التعامل بالنقد، وإنما يستهدف الفعل القصدي الذي يرمي إلى التبرير الكاذب للمصدر غير المشروع أو إلى إيداع الأموال أو إخفائها أو تمويهها وغيرها من الأفعال التي حددها القانون.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية للحيثية الواردة في الصورة ليست في القول إن “الإيداع النقدي = غسل أموال”، وإنما في إبراز أن طريقة استعمال النقد يمكن أن تتحول إلى وسيلة تمويه عندما تكشف ظروف العملية عن إرادة فصل الأموال عن مصدرها الحقيقي وعن المستفيد النهائي منها.

ومن زاوية الدفاع، تبقى المسألة الأكثر أهمية هي مطالبة جهة الاتهام والقضاء ببيان:

ما هو مصدر الأموال؟
ما هي القرائن التي تثبت عدم مشروعيته؟
ما هو الفعل المادي الذي يشكل التمويه؟
وأين يتجسد القصد الجنائي؟

لأن خطورة التوسع في مفهوم غسل الأموال تكمن في تحويل الاشتباه في طريقة التعامل بالنقد إلى إدانة جزائية دون تفكيك عناصر الجريمة وإثباتها من خلال قرائن متماسكة.

الخلاصة:

ليس كل مال نقدي مشبوهاً، وليس كل إيداع نقدي غسلاً للأموال.

لكن عندما يصبح الإيداع النقدي المتكرر والكبير، وتعدد الحسابات، وصعوبة تتبع المصدر والوجهة والمستفيد النهائي، جزءاً من منظومة سلوكية متكاملة هدفها تمويه الحقيقة المالية، فإن العملية قد تدخل في نطاق الفصل 92 باعتبارها إحدى صور غسل الأموال.

في جرائم غسل الأموال، لا يكفي أن نسأل: أين وُضع المال؟
بل يجب أن نسأل: من أين جاء؟ ولماذا أُودع بهذه الطريقة؟ وإلى أين ذهب؟ ومن المستفيد الحقيقي منه؟



#التمويه



الرهان الرياضي وجريمة غسل الأموال: عندما يتحول الرهان إلى أداة للتمويه الماليهل يمكن أن يتحول الرهان الرياضي إلى وسيلة ل...
12/08/2026

الرهان الرياضي وجريمة غسل الأموال: عندما يتحول الرهان إلى أداة للتمويه المالي

هل يمكن أن يتحول الرهان الرياضي إلى وسيلة لغسل الأموال؟

الإجابة القانونية ليست «نعم» بصورة آلية، وليست «لا» بصورة مطلقة.

الرهان الرياضي في حد ذاته لا يساوي غسل أموال، ولكن عندما تتحول منظومة الرهان إلى وسيلة لإدخال أموال ذات مصدر إجرامي، ثم إعادة إخراجها في شكل أرباح أو تحويلات أو أموال تبدو مشروعة، فإننا نكون أمام وضع مختلف تمامًا، وقد تتوافر أركان جريمة غسل الأموال.

وهذا ليس مجرد افتراض نظري.

تقرير اللجنة التونسية للتحاليل المالية CTAF لسنة 2022 خصص ضمن باب «أساليب غسل الأموال» النوعية رقم 3: ممارسة نشاط بطريقة غير قانونية – الألعاب على الخط والرهانات الرياضية.

ماذا وجدت CTAF؟

تحدث التقرير عن شركة تونسية كان موضوعها الاجتماعي يتمثل في «النشاط المعلوماتي»، في حين تبين أنها تمارس فعليًا نشاط الرهانات والألعاب على الخط.

وكان حسابها لدى مؤسسة دفع ممولًا بتحويلات بلغ مجموعها 153 ألف دينار، قادمة من عدد من المراهنين لتغذية حساباتهم، ثم وقع تحويل 120 ألف دينار من حساب الدفع إلى حساب بنكي آخر باسم الشركة. (CTAF⁠)

لكن الخطورة لم تكن في رقم 153 ألف دينار أو 120 ألف دينار وحدهما.

الخطورة كانت في طبيعة التدفقات المالية ومسارها.

فقد لاحظت CTAF استعمال منصات دفع لا تدخل ضمن مؤسسات الدفع المرخص لها، كما رصدت عمليات متكررة لشراء وبيع العملات المشفرة مقابل الدينار أو العملات الأجنبية، مع احتمال استعمال العملات المشفرة لإجراء تحويلات لفائدة منصات الرهان الأجنبية.

وهنا تظهر تقنية غسل الأموال بصورة واضحة:

أموال → حسابات دفع → رهان إلكتروني → عملات مشفرة → تحويلات → أموال تبدو في ظاهرها مرتبطة بأرباح أو نشاط تجاري.

لكن يجب أن نكون دقيقين جدًا:

تقرير CTAF لا يمثل حكمًا بالإدانة.

فاللجنة نفسها تشتغل على مستوى الاشتباه والتحليل المالي، ثم تحيل الملف إلى النيابة العمومية عند توفر مؤشرات الاشتباه. أما تحديد المسؤولية الجزائية وإثبات الجريمة فهو من اختصاص القضاء.

وهذه التفرقة جوهرية في ملفات غسل الأموال.

ماذا يقول القضاء المقارن؟

في قرار صادر عن الغرفة الجزائية لمحكمة التعقيب الفرنسية بتاريخ 16 أكتوبر 2024، عدد 23-81.201، أقرت المحكمة إمكانية اعتبار الرهانات الرياضية وسيلة لغسل الأموال عندما تكون الأموال المستعملة في الرهان متأتية من نشاط إجرامي.

القضية تعلقت بأموال متأتية من الاتجار بالمخدرات، حيث استُعملت طريقة تتمثل في إجراء رهانات رياضية بمبالغ صغيرة ومتعددة، بلغ مجموعها أكثر من 128 ألف يورو، وذلك عبر عدة أماكن وفي توقيتات متقاربة، بهدف إخفاء الأموال غير المشروعة وإظهارها في صورة أرباح من الرهانات. وقد اعتبرت المحكمة أن الأرباح الناتجة عن الألعاب كانت مرتبطة بإخفاء الأموال المتأتية من المخدرات، وأن استعمال تلك الأموال لاحقًا لاقتناء أصل تجاري يمكن أن يمثل مرحلة أخرى من مراحل تحويل الأموال.
المقارنة مهمة جدًا لأنها تبرز المعيار الحقيقي:

ليس السؤال فقط:

هل راهن الشخص؟

وإنما:

بأي أموال راهن؟

ومن أين أتت هذه الأموال؟

كيف تم توزيع الرهانات؟

لماذا استُعملت مبالغ صغيرة ومتكررة؟

هل كان الهدف إظهار الأموال في صورة أرباح مشروعة؟

وماذا حدث للأموال بعد الحصول على الأرباح؟

وهنا نصل إلى نقطة قانونية أساسية في القانون التونسي:

لا يجوز اختزال جريمة غسل الأموال في مجرد ممارسة نشاط غير قانوني.

فممارسة نشاط الرهان خارج الإطار القانوني قد تكون جريمة أو مخالفة مستقلة بحسب النص المنطبق، ولكن لكي ننتقل منها إلى جريمة غسل الأموال يجب إثبات الرابط بين الأموال وبين الجريمة الأصلية، وإثبات إحدى العمليات التي يجرمها قانون مكافحة غسل الأموال، مع توفر العنصر القصدي المطلوب.

ولهذا فإن وجود مبالغ مالية كبيرة في حساب مراهنات لا يكفي وحده.

وكذلك تعدد التحويلات لا يكفي وحده.

واستعمال العملات المشفرة لا يكفي وحده.

وحتى ممارسة الرهان غير المرخص لا تعني تلقائيًا أن كل الأموال الموجودة في الحساب هي أموال مغسولة.

المطلوب هو بناء السلسلة الإثباتية كاملة.

الجريمة الأصلية ← مصدر الأموال ← دخول الأموال إلى منظومة الرهان ← عمليات التمويه أو التحويل ← خروج الأموال في صورة جديدة ← العلم والقصد.

وهنا تبرز أهمية الاختبارات الفنية والخبرة المالية في هذا النوع من الملفات.

فلا يمكن للقاضي أن يكتفي بمجرد القول إن «الأموال كثيرة» أو إن «المتهم كان يمارس الرهان»، بل يجب تحليل التدفقات المالية وتحديد مصدرها وحركتها وعلاقتها بالنشاط الإجرامي.

والأهم أن تقرير CTAF لسنة 2022 نفسه حذر من المخاطر المرتفعة المرتبطة بالرهانات الرياضية والألعاب على الخط، واقترح إطارًا قانونيًا خاصًا، وتنظيم حسابات اللاعبين، وإحداث جهة رقابية، ونشر قائمة بالمواقع المرخص لها، ومنع المواقع غير القانونية وحجبها.

بل إن التقرير يضع الرهانات الرياضية ضمن الأساليب التي درستها الخلية التشغيلية في إطار ملفات غسل الأموال، وهو ما يكشف أن المسألة أصبحت جزءًا حقيقيًا من منظومة المخاطر المالية في تونس.

لكن يجب الانتباه إلى عبارة دقيقة جدًا وردت في التقرير في موضع آخر: المبالغ التي تظهر في الملفات لا تعني بالضرورة أنها أموال تم غسلها، وإنما هي مبالغ خضعت للتحليل والتحقيق المالي، وحدها الأبحاث القضائية قادرة على تحديد المبالغ التي ثبت غسلها بصورة نهائية.

وهذه العبارة تصلح لأن تكون قاعدة منهجية في كل ملف غسل أموال:

الاشتباه المالي ليس إدانة.

والتدفق المالي غير العادي ليس وحده جريمة.

والرهان الرياضي ليس في ذاته غسل أموال.

ولكن عندما يثبت أن الرهان استُعمل كوسيلة لإخفاء أو تمويه أو تحويل أموال متأتية من جريمة، فإن الرهان يتحول من مجرد نشاط مالي إلى أداة من أدوات غسل الأموال.

وهنا تحديدًا يجب أن يكون دور القضاء حاسمًا:

ليس كل مراهن غاسل أموال، ولكن ليس كل «ربح من الرهان» دليلًا على مصدر مشروع للأموال.

الفاصل بين الحالتين هو الدليل المالي والقضائي.

المراجع:

تقرير اللجنة التونسية للتحاليل المالية CTAF لسنة 2022، Typologie n°3، الصفحات 20 إلى 22 من التقرير المطبوع / الصفحات 29 إلى 31 من ملف PDF. (CTAF⁠)

أما القرار القضائي المتعلق باستعمال الرهانات الرياضية كوسيلة لغسل الأموال فهو قرار محكمة التعقيب الفرنسية، الغرفة الجزائية، 16 أكتوبر 2024، عدد 23-81.201، وهو قضاء مقارن وليس قرارًا تونسيًا.

الأستاذ وليد العرفاوي
Arfaoui Law Firm

حكم ممتاز صادر عن المحكمة الابتدائية بتونس:«إن تشريع الصرف التونسي لم يتطرق سوى للعملة النقدية المتداولة على مستوى محلي ...
10/08/2026

حكم ممتاز صادر عن المحكمة الابتدائية بتونس:
«إن تشريع الصرف التونسي لم يتطرق سوى للعملة النقدية المتداولة على مستوى محلي أو الأجنبية بمفهومها المادي، ولم يتطرق للعملة الافتراضية أو المشفرة…»
وخلصت إلى أن التعامل بـ العملة الافتراضية "بيتكوين" لا يمكن إدخاله تحت طائلة النصوص الجزائية موضوع الإحالة، ما دام النص الجزائي لا ينص صراحة على تجريمه، تأسيساً على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات والتأويل الضيق للنص الجزائي.
كما تناول الحكم مسألة محاولة تطويع نصوص التجريم لمسايرة تطور المعاملات الصرفية، واعتبر أن ذلك لا يجوز إذا أدى إلى توسيع نطاق النص الجزائي ليشمل أفعالاً جديدة لم يتناولها المشرع صراحة، لأن ذلك يتعارض مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.

09/08/2026

الحساب الشخصي وحساب الشركة: عندما يتحول الخلط إلى قرينة خطيرة في جريمة غسل الأموال:

الخلط بين الحساب الشخصي وحساب الشركة ليس مجرد خطإ محاسبي أو تصرف بنكي عابر، بل يمكن أن يتحول، متى ارتبط بأموال غير مشروعة وبقصد الإخفاء أو التمويه، إلى عنصر جوهري في جريمة غسل الأموال. فالفصل 92 من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 لا يجرّم مجرد وجود تحويل بين حسابين، وإنما يجرّم الفعل القصدي الرامي إلى تبرير المصدر غير المشروع للأموال أو إلى توظيفها أو اكتسابها أو حيازتها أو استعمالها أو إيداعها أو إخفائها أو تمويهها أو إدارتها أو إدماجها. كما أن الفصل 96 يؤكد أن مسؤولية مسيري الشركات وممثليها وأعوانها لا تقوم إلا إذا ثبتت مسؤوليتهم الشخصية عن أفعال الغسل .

ومن هنا فإن استعمال صاحب الشركة لحسابه الشخصي لاستقبال أموال الشركة أو العكس لا يكفي، في حد ذاته، للقول بوجود غسل أموال، ولكنه يصبح محل تدقيق قضائي عندما يكون الهدف منه فصل المال عن مصدره الحقيقي، أو إخفاء المستفيد الحقيقي، أو خلق مسار مالي يوهم بمصدر مشروع للأموال. وهذا ما تؤكده أيضًا قواعد العناية الواجبة التي تفرض على المؤسسات المالية التثبت من هوية العميل، وطبيعة نشاطه، وهوية المستفيد الحقيقي، ومراقبة مدى تناسق العمليات مع النشاط ومصدر الأموال، مع التشديد على واجب الفصل بين الحسابات الشخصية والمهنية.

والقاعدة التي يجب أن تكون واضحة في هذا المجال هي أن الخلط بين الذمة المالية للشخص الطبيعي والذمة المالية للشركة لا يساوي آليًا غسل أموال، لكنه قد يتحول إلى وسيلة من وسائل الغسل إذا ثبتت صلته بأموال متأتية من جريمة وبفعل قصدي يرمي إلى إخفاء حقيقتها أو تمويه مصدرها. ولذلك فإن القضاء لا ينبغي أن يكتفي بمجرد ملاحظة حركة مالية بين الحسابين، وإنما عليه أن يبحث في مصدر الأموال، والعمليات السابقة واللاحقة، والمستفيد الحقيقي، والغاية من التحويل، والعلاقة بين العملية والنشاط التجاري، وأن يثبت القصد الاجرامي.

الفصل 96 (جديد): هل يمكن إدانة المتهم دون اختبار يحدد حقيقة الضرر؟في قضايا الفصل 96 (جديد) من المجلة الجزائية، لا يكفي أ...
08/08/2026

الفصل 96 (جديد): هل يمكن إدانة المتهم دون اختبار يحدد حقيقة الضرر؟

في قضايا الفصل 96 (جديد) من المجلة الجزائية، لا يكفي أن نقول إن الإدارة تضررت، ولا يكفي أن نضع رقمًا في تقرير إداري ثم نبني عليه المسؤولية الجزائية.

السؤال الأخطر هو: كيف ثبت الضرر؟ ومن حدّد قيمته؟ وهل ثبتت العلاقة بين الضرر والتصرف المنسوب إلى المتهم؟

هذه الأسئلة ليست ثانوية، بل تمس صميم الجريمة.

فالفصل 96 (جديد) يعاقب الموظف العمومي أو شبهه الذي يتعمد استغلال صفته لإلحاق ضرر مادي بالإدارة مقابل استخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره، والأهم أن المشرع جعل الخطية مساوية لقيمة المضرة الحاصلة للإدارة.

وهنا تبدأ أهمية الاختبار.

فإذا كان الضرر المدعى به يحتاج إلى عملية حسابية أو محاسبية أو فنية لتحديد قيمته الحقيقية، فإن الاختبار لا يكون ترفًا إجرائيًا، ولا وسيلة لتعطيل التتبع، وإنما يصبح وسيلة لكشف الحقيقة.

فالخبير لا يقول للقاضي: «أدنِ المتهم» أو «برّئه».

الخبير يجيب عن سؤال فني: هل حصل ضرر؟ وما قيمته؟ وكيف تم احتسابه؟ وهل توجد علاقة فنية بين التصرف محل التتبع والنتيجة المالية المدعاة؟

وهنا تبرز أهمية الفصل 99 من المجلة الجزائية.

ففي الحالات التي تتداخل فيها الوقائع مع أفعال الاستيلاء أو الاختلاس، لا بد من التمييز بين مجرد وجود إخلال في التصرف وبين تحقق الأركان القانونية للجريمة. وقد عرفت محكمة التعقيب مسائل الفصل 99 على أساس ضرورة التثبت من الصفة ومن صلة الأموال بالوظيفة، ومن العناصر التي تكوّن الجريمة. ومن ذلك القرار التعقيبي عدد 84603 المؤرخ في 2 جويلية 1997.

والأهم أن فقه القضاء الجزائي التونسي عرف أهمية الاختبار باعتباره وسيلة فنية لكشف الحقيقة. فقد اعتبرت محكمة التعقيب، في قرارها عدد 1587 المؤرخ في 20 أفريل 1977، أن عدم الأخذ بنتيجة اختبار فني دون تعليل يمكن أن يجعل القرار ضعيف التعليل، كما أكدت إمكانية الاستعانة بأهل الخبرة في المسائل الفنية.
إذن، المسألة ليست:

«هل الاختبار واجب في كل قضية فصل 96 جديد؟»

بل السؤال القانوني الأدق هو:

«هل يمكن للمحكمة أن تحدد عنصر الضرر المادي وقيمته دون معرفة فنية عندما تكون طبيعة الملف تفرض تلك المعرفة؟»

إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن الاختبار يصبح وسيلة أساسية للوصول إلى الحقيقة.

وهنا يجب الانتباه إلى نقطة دقيقة جدًا:

الفصل 96 (جديد) لا يعاقب مجرد الخطأ الإداري، ولا مجرد سوء التصرف، ولا مجرد وجود فائدة.

النص يتطلب اجتماع عناصر مترابطة:
استغلال الصفة، والتعمد، وإلحاق ضرر مادي بالإدارة، واستخلاص فائدة لا وجه لها للنفس أو للغير.
أن يتحول وجود خسارة محاسبية، في حد ذاته، إلى دليل آلي على الجريمة.

كما لا يجوز أن تتحول نتيجة تقرير إداري غير ممحصة إلى «حقيقة جزائية» نهائية، خصوصًا عندما تكون قيمة الضرر محل نزاع فني.

فقد يكون هناك فرق بين الخسارة والضرر الجزائي، وبين الخطأ في التقدير والتعمد في استغلال الصفة، وبين وجود منفعة ووجود فائدة لا وجه لها.

وهذه الفروق هي التي تجعل الاختبار، في الملفات الفنية المعقدة، أداة لضمان أن تكون الإدانة مبنية على عناصر ثابتة وقابلة للمناقشة.

والأخطر من ذلك أن الفصل 98 (جديد) يرتب على الإدانة آثارًا مالية إضافية، من بينها الحكم بالرد وفق الحالات التي حددها النص، بما يجعل تحديد المنفعة أو الربح أو القيمة محل التتبع مسألة ذات أثر مباشر على المركز القانوني للمتهم.

لذلك، فإن الدفاع الجدي في قضايا الفصل 96 (جديد) لا ينبغي أن يكتفي بالقول:

«لم يرتكب موكلي الجريمة».

بل عليه أن يسأل قبل ذلك:

أين هو الضرر؟

كيف تم احتسابه؟

من حدده؟

هل هو ضرر حقيقي أم مجرد فرق محاسبي؟

هل ثبتت العلاقة السببية بين فعل المتهم وهذا الضرر؟

وأين الدليل على التعمد؟

وأين الفائدة التي لا وجه لها؟

ففي المادة الجزائية، لا تكفي النتيجة وحدها؛ بل يجب إثبات الطريق الذي أدى إليها.

وفي الفصل 96 (جديد)، قد يكون الاختبار هو الفاصل بين رقم وارد في ملف إداري وبين ضرر ثابت يصلح أساسًا للمسؤولية الجزائية.

وهنا بالضبط تبدأ قيمة الدفاع.

لأن الحرص على إثبات الضرر ليس دفاعًا عن الموظف فقط، وإنما دفاع عن مبدأ الشرعية الجزائية نفسه.

الأستاذ وليد العرفاوي
Arfaoui Law Firm

مرحلة الدمج في جريمة غسل الأموال: عندما ينجح المال غير المشروع في ارتداء ثوب الشرعيةمن بين المراحل الثلاث التي تمر بها ج...
26/07/2026

مرحلة الدمج في جريمة غسل الأموال: عندما ينجح المال غير المشروع في ارتداء ثوب الشرعية

من بين المراحل الثلاث التي تمر بها جريمة غسل الأموال، تبقى مرحلة الدمج (Integration) المرحلة الأكثر خطورة والأكثر تعقيدًا من حيث الإثبات. فهي ليست مجرد خطوة تقنية في مسار غسل الأموال، وإنما تمثل الغاية النهائية التي يسعى إليها الجاني، إذ يصبح المال غير المشروع جزءًا من الاقتصاد المشروع، ويتحول في الظاهر من “عائدات جريمة” إلى “ثروة قانونية”.

فالهدف الحقيقي لغاسل الأموال ليس إخفاء الأموال فحسب، وإنما إعادة كتابة تاريخها، بحيث تبدو أمام البنوك والإدارة الجبائية والقضاء والرأي العام أموالًا ناتجة عن استثمار أو تجارة أو نشاط اقتصادي مشروع.

ولهذا السبب، لم تعد التشريعات الحديثة تعتبر غسل الأموال مجرد جريمة مالية، بل أصبحت تنظر إليه باعتباره جريمة تهدد الاقتصاد الوطني، وتخل بمبادئ المنافسة، وتسمح للمنظمات الإجرامية باختراق الدورة الاقتصادية والسيطرة على قطاعات كاملة باستعمال أموال ذات مصدر غير مشروع.

الدمج… أخطر من الإيداع والتمويه:

في مرحلة الإيداع، تكون الأموال محل شبهة واضحة لأنها تدخل لأول مرة إلى النظام المالي.

وفي مرحلة التمويه، يحاول الجاني قطع الصلة بين المال والجريمة الأصلية عبر تحويلات متتالية، وشركات واجهة، وحسابات مصرفية متعددة.

أما في مرحلة الدمج، فإن الأموال تعود إلى الاقتصاد في صورة تبدو طبيعية؛ كشراء مجمع تجاري، أو تأسيس شركة، أو الاستثمار في قطاع السياحة أو العقارات أو النقل أو التكنولوجيا، أو حتى تمويل شركات ناشئة.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن المال القذر لم يعد مختبئًا، بل أصبح يعمل داخل الاقتصاد الوطني ويحقق أرباحًا تبدو في ظاهرها مشروعة.

هل يطهر الاستثمار المال غير المشروع؟

هذا السؤال يعد من أكثر الإشكاليات إثارة في الفقه الجزائي.

والجواب الذي استقر عليه الفقه والقضاء المقارن هو: لا.

فالاستثمار لا يغير الطبيعة القانونية للأموال، ولا يؤدي إلى انقطاع العلاقة بينها وبين الجريمة الأصلية.

فالعقار الذي تم شراؤه بأموال متأتية من الرشوة يبقى قابلًا للمصادرة، حتى وإن ارتفعت قيمته عدة مرات، وحتى وإن انتقلت ملكيته إلى شركة يسيطر عليها الجاني بصورة غير مباشرة، متى ثبت سوء النية أو توافرت شروط المصادرة القانونية.

ولهذا أكدت توصيات مجموعة العمل المالي (FATF) أن العبرة ليست بالشكل القانوني للأموال، وإنما بمصدرها الحقيقي، وهو ما يفسر اتساع نطاق المصادرة في أغلب التشريعات الحديثة.

موقف القضاء التونسي

كرست محكمة التعقيب في عدة قرارات مبدأ جوهريًا مفاده أن جريمة غسل الأموال تقوم متى ثبت أن المتهم أجرى تصرفات ترمي إلى إخفاء المصدر غير المشروع للأموال أو تمويه حقيقتها، وأن القاضي غير مقيد بالمظهر الخارجي للمعاملات، وإنما يبحث في حقيقتها الاقتصادية والواقعية.

ويبرز هذا التوجه في القرار التعقيبي عدد 81292 بتاريخ 27 ماي 2019 الذي شدد على ضرورة التثبت من المصدر غير المشروع للأموال، واعتبر أن هذا العنصر يمثل ركيزة أساسية في قيام الجريمة.

كما أكد القرار عدد 92895 بتاريخ 29 سبتمبر 2020 أن إثبات غسل الأموال يمكن أن يستند إلى منظومة من القرائن الجدية والمتضافرة، دون أن يكون صدور حكم بات في الجريمة الأصلية شرطًا لازمًا في جميع الصور، متى ثبتت العناصر القانونية للجريمة وفق وسائل الإثبات المقبولة.

ومن ناحية أخرى، أبرز القرار التعقيبي عدد 86682 المؤرخ في 25 فيفري 2020 أن القاضي مطالب بالنفاذ إلى الحقيقة الاقتصادية للمعاملة، لا الاكتفاء بالشكل القانوني للعقود أو التصرفات، وهو توجه ينسجم مع فلسفة مكافحة غسل الأموال التي تستهدف كشف الواقع لا الاكتفاء بالمظاهر.

الحقيقة الاقتصادية… لا الحقيقة الشكلية:

لقد تجاوزت مكافحة غسل الأموال اليوم مرحلة البحث عن الأموال النقدية.

فالقضاء لم يعد يسأل:

“أين توجد الأموال؟”

بل أصبح يسأل:

* هل يتناسب هذا الاستثمار مع الموارد المعلنة؟
* هل توجد جدوى اقتصادية حقيقية للمشروع؟
* من هو المستفيد الحقيقي؟
* هل الشركة تمارس نشاطًا فعليًا أم أنها مجرد واجهة؟
* هل هناك تفسير منطقي للتدفقات المالية؟

فقد تكون جميع الوثائق سليمة من الناحية الشكلية، لكن التحليل المالي يكشف أن العملية بأكملها لا تخدم سوى هدف واحد، وهو دمج الأموال غير المشروعة داخل الاقتصاد.

عبء الإثبات في مرحلة الدمج:

تكمن صعوبة هذه المرحلة في أن الأموال تكون قد فقدت مظهرها الإجرامي.

ولذلك تعتمد سلطات التحقيق على وسائل إثبات حديثة، من أهمها:

* تحليل التدفقات المالية.
* تتبع المستفيد الحقيقي.
* مقارنة الثروة بالموارد المعلنة.
* دراسة العلاقات بين الشركات.
* التعاون القضائي الدولي.
* تقارير لجنة التحاليل المالية.
* القرائن القضائية المستخلصة من الوقائع.

ومن هنا أصبحت القرينة القضائية تلعب دورًا أساسيًا في جرائم غسل الأموال، شريطة أن تكون قوية ومتناسقة ومتعددة، وأن تؤدي منطقيًا إلى النتيجة التي انتهى إليها القاضي.

كلمة أخيرة:

إن أخطر ما في مرحلة الدمج أنها لا تغير المال فقط، بل تغير نظرة المجتمع إليه.

فالمال الذي كان بالأمس ثمرة جريمة، يصبح اليوم شركة ناجحة، أو مشروعًا عقاريًا، أو استثمارًا يدر أرباحًا، أو علامة تجارية معروفة.

غير أن القانون لا ينخدع بالمظاهر، والقضاء لا يقف عند حدود العقود والوثائق، وإنما يبحث دائمًا عن الحقيقة الكامنة وراء المعاملات.

ففي جرائم غسل الأموال، لا تكون المشروعية بما يبدو للعين، وإنما بما تثبته الأدلة.

ولعل أهم رسالة يوجهها القضاء التونسي في هذا المجال هي أن المشروعية الظاهرة لا تستطيع أن تمحو الأصل الإجرامي للأموال، وأن الاستثمار، مهما بلغت قيمته أو تعقدت هياكله، لا يتحول إلى حصانة قانونية إذا ثبت أنه بني على عائدات جريمة.

فقد كرست محكمة النقض الفرنسية (Chambre criminelle de la Cour de cassation) في العديد من أحكامها مبدأ مؤداه أن الجريمة لا تنتهي بمجرد استثمار الأموال في مشروع قانوني، وإنما تستمر كلما كان الاستثمار أو إعادة التوظيف يهدف إلى إخفاء المصدر الإجرامي أو تمكين الجاني من الانتفاع بعائداته.

وفي قرارها الصادر بتاريخ 20 فيفري 2008 (20 février 2008)، اعتبرت محكمة النقض الفرنسية أن إعادة استثمار الأموال المتأتية من جريمة أصلية في نشاط يبدو مشروعًا لا يقطع العلاقة بين المال والجريمة، وأن العبرة ليست بالشكل القانوني للعملية، وإنما بالغرض الحقيقي منها، أي إضفاء مظهر الشرعية على عائدات غير مشروعة.

كما أكدت المحكمة في قرارها الصادر بتاريخ 11 سبتمبر 2019 (Cass. crim., 11 septembre 2019, n°18-81.040) أن جريمة غسل الأموال تعد جريمة مستقلة عن الجريمة الأصلية، وأنه لا يشترط صدور حكم بالإدانة في الجريمة الأصلية متى أثبتت النيابة العامة أن الأموال لا يمكن تفسير مصدرها تفسيرًا مشروعًا، وأن المتهم قام بعمليات ترمي إلى إخفاء منشئها أو تسهيل الانتفاع بها.

وفي قرار آخر بتاريخ 15 جانفي 2020 (Cass. crim., 15 janvier 2020, n°18-84.304)، شددت محكمة النقض الفرنسية على أن القاضي الجزائي يجب أن ينظر إلى الواقع الاقتصادي للمعاملة لا إلى مظهرها القانوني، وأن استعمال الشركات التجارية أو العقود المدنية أو الهياكل الاستثمارية لا يحول دون قيام جريمة غسل الأموال إذا كانت تلك الوسائل قد استعملت لإدماج الأموال غير المشروعة في الدورة الاقتصادية.

وقد ذهب الفقيه الفرنسي Jean Pradel إلى أن مرحلة الدمج هي أخطر مراحل غسل الأموال، لأنها تمثل “لحظة اختفاء الدليل المالي المباشر”، حيث يصبح المال الإجرامي جزءًا من الاقتصاد المشروع، ويغدو كشفه رهين تحليل مالي وقانوني معقد، لا بمجرد تتبع حركة الأموال.

أما الفقيه Mireille Delmas-Marty فقد اعتبرت أن غسل الأموال لم يعد مجرد اعتداء على الملكية أو النظام المالي، بل أصبح اعتداءً على شفافية الاقتصاد وثقة المجتمع في المؤسسات المالية، وهو ما يبرر التوسع في وسائل الإثبات والاعتماد على القرائن المالية القوية لكشف عمليات الدمج.

ومن خلال هذه الاجتهادات يتضح أن القضاء الفرنسي، شأنه شأن القضاء التونسي، لا يمنح أي حصانة للاستثمار الذي تكون منطلقاته غير مشروعة، وأن المشروعية الظاهرة لا تستطيع محو الأصل الإجرامي للأموال، مهما تعاقبت التصرفات القانونية أو تعقدت الهياكل المالية المستعملة.

صورة للأستــاذ وليد العرفاوي أثناء المرافعة و التي حاز علـى إثرها جائزة أحســـن مرافعـة في تـونس للسنة القضائية 2020/ 20...
26/07/2026

صورة للأستــاذ وليد العرفاوي أثناء المرافعة و التي حاز علـى إثرها جائزة أحســـن مرافعـة في تـونس للسنة القضائية 2020/ 2021 ..

🗓️ التاريخ : 18 مــارس 2021
📍 المكـــان : دار المحــامي

24/07/2026

#بلاغ 📌 بخصوص الأندية التي لم تستكمل الشروط القانونية المستوجبة للمشاركة في البطولة الوطنية للموسم الرياضي 2027/2026

Address

Centre Urbain Nord Immeuble Golden Tower 5 ème étage
Tunis

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Maître Walid Arfaoui posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share