22/04/2026
🏛️محكمة النقض ترفض اثبات زواج البهائيين لمخالفته للنظام العام ..
مقاربة بين مبدأ "النظام العام" ومبدأ "حرية الدين والمعتقد "
⚖️صدر مؤخرًا حكم لمحكمة النقض المصرية أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والقانونية، حيث قضت المحكمة برفض إثبات عقد زواج لمواطنين بهائيين، مؤسسة قرارها على أن هذا الزواج يخالف "النظام العام" للدولة.
ولا يقتصر هذا الحكم على قضية أحوال شخصية، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين مبدأ حرية الدين والمعتقد الذي تكفله الدساتير والمواثيق الدولية، وبين سلطة القاضي في اللجوء إلى "النظام العام" كقيد على هذه الممارسة.
⚖️ حيثيات حكم محكمة النقض: حرية العقيدة مقابل "الآثار القانونية"
استندت محكمة النقض في حيثياتها إلى تفريق جوهري بين حرية العقيدة كحق مكفول، وبين الآثار القانونية المترتبة على هذه العقيدة. فقد أوضحت المحكمة أن الدستور المصري يحمي حق الفرد في اعتناق ما يشاء من معتقدات، شرط عدم المساس بالنظام العام واستقرار الدولة.
وبناء على هذا التقسيم، صنفت المحكمة الديانة البهائية على أنها ليست من الأديان السماوية الثلاثة المعترف بها رسميا (الإسلام والمسيحية واليهودية)، ورفضت قيدها في الأوراق الرسمية، معتبرة أن النظام العام يعلو فوق كل القواعد الإجرائية والدفوع الشكلية.
📜 حرية الدين والمعتقد بين الدستور المصري والمواثيق الدولية
يعتبر مبدأ حرية الاعتقاد مكفولاً في الدستور المصري، الذي يؤكد في مادته "حرية الاعتقاد مطلقة"، بينما يقر في الوقت نفسه بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وتنص المواثيق الدولية لحقوق الإنسان على أن حرية إظهار الدين أو المعتقد لا تخضع إلا للقيود التي يفرضها القانون وتكون ضرورية لحماية النظام العام والصحة العامة.
🛡️ "النظام العام": أداة مرنة بين الفقه القانوني والشريعة
يعد مفهوم "النظام العام" مفهوما مرنا وغير جامد، ويمثل مجموعة القواعد الآمرة التي تتعلق بالمصالح العليا للمجتمع.
وقد استندت المحكمة إلى هذا المفهوم لتعليل رفضها، معتبرة أن الاعتراف بزواج البهائيين "يخالف ما استقر عليه النظام العام للدولة".
تعكس هذه المقاربة تداخلا بين الرؤية القانونية الوضعية ومفاهيم مشتقة من الفقه الإسلامي، حيث يهدف النظام العام إلى حماية القيم والأخلاقيات الأساسية للمجتمع.
⚖️ التوافق والتناقض: بين الالتزام بالدستور وحقوق المواطنة
هنا يظهر جوهر المقاربة بين المبدأين. ففي حين يتوافق الحكم مع الرؤية القانونية الرسمية التي تقيد الاعتراف الديني بالنظام العام, إلا أنه يتناقض مع مبدأ حرية الدين والمعتقد كحق إنساني أساسي، لأنه يفرض عبئا قانونيا على الأفراد بناءً على معتقدهم. ينتج عن عدم إثبات الزواج حرمانهم من حقوق مدنية أساسية، مثل حقوق الميراث والتأمينات وحضانة الأطفال، مما يخرجهم من مظلة المواطنة المتساوية.
📉 الآثار والتداعيات الإنسانية
يتجاوز الحكم الجدل النظري إلى عواقب إنسانية ملموسة على المواطنين البهائيين، الذين يقدر عددهم بين 2000 و7000 فرد. هذه الآثار تشمل:
· حرمان الأزواج والزوجات من حقوقهم في الميراث والمعاشات والتأمين الصحي.
· مشاكل قانونية متعددة مثل صعوبة إثبات النسب وتسجيل الأطفال في المدارس.
· انتقادات دولية ومحلية تصف هذا التمييز المؤسسي بـ"الموت المدني" للبهائيين.
📌في الختام، يقدم حكم محكمة النقض المصرية نموذجا معقدا للمقاربة بين مبدأين قانونيين: حرية الدين والمعتقد من جهة، ومفهوم "النظام العام" كقيد عليها من جهة أخرى. هذا الحكم، بتطبيقه الصارم للنظام العام، يثير تساؤلات حول التوازن بين حماية النظام الاجتماعي وضمان الحقوق المدنية لجميع المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم .
💡تنويه هام ..
هذه المقاربة هي مجرد اجتهاد شخصي ودعوة للمشرع المصري لوضع حلول عملية لإحداث التوازن بين حماية النظام الاجتماعي وضمان الحقوق المدنية للأقليات مع الإحترام الكامل للقضاء المصري وقناعتنا الشخصية بأنه لا معقب علي أحكام القضاء .
✍🏻بقلم المستشار . محمد شفيق
(المحامي بالنقض والدستورية العليا والأمين العام للاتحاد النوعي للسلام المجتمعي)