30/10/2025
الأصول العراقية القديمة للمؤتمر والمنتدى والملتقى والندوة
بقلم: د. م مازن كمال الألوسي
العضو المؤسس في المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
المقدمة والخلفية التاريخية
يُعد العراق مهد أولى الحضارات البشرية التي أرست أسس التنظيم الاجتماعي والفكري. فمنذ نشوء المدن السومرية في أوروك وأور ولجش حوالي 3500 ق.م، ظهرت الحاجة إلى اللقاءات الجماعية للتشاور واتخاذ القرار.
وقد ورد في النصوص المسمارية السومرية مصطلح أوكِّن Ukkin الذي يعني المجلس أو المجمع العام، وهو شكل مبكر من المؤسسات التشاورية التي سبقت البرلمانات والمجالس الحديثة بآلاف السنين.
أما في بابل وآشور، فقد تطورت تلك الفكرة إلى مجالس الحكماء والكهنة، حيث تُتداول الآراء حول شؤون الدولة والدين، ما يجعلها النواة الأولى لفكرة الاجتماع المنظم أو “المنتدى” كما نعرفه اليوم.
من رحم هذه الممارسات وُلدت المفاهيم الأربعة: المنتدى، الملتقى، الندوة، المؤتمر، والتي تمثل مراحل تطور النشاط الفكري الجماعي من ساحات النقاش الشعبي إلى التجمعات الأكاديمية الرسمية.
أولاً: المنتدى (الأصل الأقدم)
المنتدى هو الفضاء الذي يجتمع فيه الناس لتبادل الآراء والأفكار. ورغم أن الكلمة مأخوذة في العربية من اللاتينية (Forum)، فإن جذورها الفكرية تعود إلى الساحات العامة في المدن السومرية والآشورية حيث كان الناس يلتقون لتداول شؤونهم اليومية والسياسية.
كانت ساحة أوروك الكبرى ومجالسها الشعبية مثالًا واضحًا لما يمكن تسميته بـ«المنتدى السومري»، إذ كانت تُقام فيها المناظرات حول القوانين أو الضرائب أو حتى الأساطير الدينية.
وفي بابل، تطورت الساحات إلى فضاءات ثقافية واقتصادية، يجتمع فيها التجار والكهنة والعلماء، مما جعلها منتديات حقيقية للنقاش والتبادل الثقافي.
جوهر المنتدى العراقي القديم:
هو الحوار المفتوح والتبادل الحر للأفكار، بعيدًا عن التراتبية، وهو ما يُعَدّ أصل فكرة المنتديات الثقافية والعلمية الحديثة.
ثانيًا: الملتقى (من اللقاء العام إلى الهدف المشترك)
في اللغة العربية، الملتقى هو موضع الالتقاء. أما في العراق القديم، فقد كانت الاحتفالات الدينية الكبرى مثل عيد أكيتو البابلي تمثل “ملتقيات” روحية وثقافية.
كان الناس من مختلف المدن يجتمعون في بابل في موكب ضخم يحتفل ببدء السنة الجديدة، يتبادلون فيه الأفكار والعقائد ويشهدون طقوس التجديد الملكي.
هذه الفعاليات كانت تجمع رجال الدين والفلكيين والكتبة والحرفيين، ما جعلها ملتقى حضاريًا بكل معنى الكلمة.
جوهر الملتقى الرافديني:
هو الاجتماع الذي يوحّد فئات متعددة حول هدف مشترك — ديني، ثقافي أو معرفي — مما يمهّد لظهور مفهوم الملتقيات العلمية والاجتماعية المعاصرة.
ثالثًا: الندوة (من المجلس العلمي إلى حلقة النقاش)
الندوة لفظ عربي أصيل، لكنه يجد جذوره المفهومية في مجالس العلم السومرية والبابلية.
ففي مدارس الكتبة (الإيدوبّا – É-dubba) كان المعلمون والطلاب يجلسون في حلقات نقاشية لتفسير النصوص المسمارية، وتبادل الآراء حول المعاني الدينية أو الفلكية، وهو ما يعادل الندوات الأكاديمية الحالية.
كما عُرف في بابل ما يشبه “ندوات الحكمة” حيث يناقش الكهنة مسائل كونية أو نبوئية، مما يعكس روح الحوار العلمي.
جوهر الندوة الرافدينية:
نقاش معرفي منظّم يجمع عددًا محدودًا من المتخصصين، يتبادلون الرأي في قضية علمية أو فكرية محددة، وهو الأساس الذي تطورت منه الندوات الثقافية والعلمية في العصر الحديث.
رابعًا: المؤتمر (التطور المؤسسي للفكر الجماعي)
يُعد المؤتمر المرحلة الأحدث في تطور الفكر الجماعي. فهو اجتماع رسمي كبير يُحضره متخصصون من مجالات مختلفة لعرض البحوث وتبادل النتائج والوصول إلى توصيات.
أما في الجذور العراقية القديمة، فيمكن رؤية نواته في مجالس الملوك الآشوريين مثل مجلس الملك أسرحدون أو سنحاريب، حيث كان القادة والوزراء يجتمعون لمناقشة خطط الدولة في الحرب والإعمار.
كانت هذه المجالس تُدار وفق نظام صارم، تُعرض فيها التقارير والرسائل الملكية، ويُتخذ القرار بالإجماع أو المشورة، مما يُقارب ما نعرفه اليوم بالمؤتمر التنظيمي أو السياسي.
جوهر المؤتمر في أصله الرافديني:
الاجتماع الرسمي المنظم الذي يُبنى على التخصص والتمثيل، ويتوخى إصدار قرارات أو نتائج عملية.
الخاتمة
إنّ مفاهيم المنتدى، الملتقى، الندوة، المؤتمر ليست وليدة العصر الحديث، بل امتداد طبيعي لمسيرة فكرية بدأت في بلاد الرافدين، حيث وُضعت اللبنات الأولى للحوار الجماعي والتشاور المنظم.
لقد أبدع العراقيون القدماء في تأسيس ثقافة النقاش والمجلس، سواء في ساحات أوروك، أو في معابد بابل، أو في قصور نينوى.
تلك التقاليد انتقلت عبر العصور لتصبح الأساس الذي يقوم عليه الفكر العلمي والاجتماعي الحديث، مما يجعل من العراق — بحق — مهد “الفكر المؤسسي” و”الاجتماع المعرفي” في التاريخ الإنساني.
المراجع
1. طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول، دار الحرية، بغداد، 1973.
2. فاضل عبد الواحد علي، الأسطورة والمعنى في حضارات وادي الرافدين، جامعة بغداد، 1986.
3. Samuel Noah Kramer, History Begins at Sumer, University of Pennsylvania Press, 1956.
4. Jean Bottéro, Everyday Life in Ancient Mesopotamia, Johns Hopkins University Press, 2001.
5. Thorkild Jacobsen, The Sumerian King List, University of Chicago Press, 1939.
6. A. Leo Oppenheim, Ancient Mesopotamia: Portrait of a Dead Civilization, University of Chicago Press, 1964.