18/04/2026
التراث العمراني بين الملكية الخاصة والمسؤولية الجماعية.
بقلم محمد جمال الشرفي.
وفي البلدان التي تحترم تاريخها وتدرك أن الهوية الثقافية ليست ترفا بل هي ركيزة من ركائز الوجود الوطني، يعتبر التراث العمراني ملكية جماعية بامتياز ولا يمكن اختزاله في عقد بيع أو عقد ملكية فردي. المبنى القديم الذي يقف اليوم على أحد الشوارع لا يحكي قصة صاحبه فحسب، بل يحكي أيضًا تاريخ المدينة بأكملها، ويحمل في حجارته ذكرى الأجيال المتعاقبة. إلا أن هذا الفهم لا يزال غائبا في كثير من بلداننا، وهو ما يفسر الاختفاء التدريجي لأنظمة معمارية بأكملها في صمت تام.
المشكلة الأساسية تكمن في التقاطع بين الحقوق الخاصة والحقوق الجماعية. وكثيراً ما يجد صاحب العقار التراثي نفسه أمام عبئ مزدوج: فهو يمتلك مبنى تبلغ تكاليف صيانته عدة أضعاف تكلفة أي مسكن حديث، وفي الوقت نفسه يجد نفسه محاصراً بقيود قانونية تمنعه من هدمه أو تحويله، دون أن تقدم له الدولة دعماً حقيقياً لمساعدته على تحمل هذا العبء. وهنا على وجه التحديد يبدأ الدمار، ليس فقط بسبب الوقت، بل بسبب تراكم السياسات المهملة.
يتطلب الحل المنطقي لهذه المعادلة اتباع نهج تدريجي في معالجة الملف. ويجب إعطاء الأولوية للمالك وتشجيعه والسماح له بإجراء الصيانة قبل الحديث عن احتمال تدخل الدولة. وهذا التمكين لا يتم عبر الشعارات، بل عبر آليات تمويل عملية، كتخفيض قيمة القروض إلى قيمة رمزية، وتحمل الدولة الفوائد المصرفية العالية التي تجعل الاستثمار في التراث خسارة حقيقية. وعندما يعتقد المالك أن الدولة شريكته وليست عدوه، وأن الحفاظ على تراثه أمر ممكن اقتصاديا وغير ملزم، تتغير المعادلة برمتها.
ولكن عندما يتعذر التعاون أو يرفض صاحب العقار أي حل، فعلى الدولة أن تبادر وتشرع في استعادة هذا الموقع على النحو الذي يكفله القانون، ليس لأنه يتعدى على الملكية الخاصة، بل لأنه يقوم بواجبه الحضاري تجاه الملكية الجماعية. وهذا مبدأ مطبق في كثير من الدول تحت اسم نزع الملكية لأسباب تتعلق بالمنفعة العامة، لكن تطبيقه يبقى مشروطا بضمانات قانونية صارمة تحمي حقوق كل شخص. وفي الحالة الأكثر تعقيداً، عندما يتحول الميراث إلى تهديد لسلامة الحياة، يصبح الهدم خياراً لا مفر منه ولا يمكن تجنبه، لكنه لا يتم تنفيذه إلا بعد استنفاد جميع وسائل الإنقاذ الممكنة.
لكن كل ما سبق يبقى حبراً على ورق ما لم يتم تصحيح الخلل التشريعي العميق الكامن في أسفل هذا السجل. لا يزال النظام القانوني في العديد من بلدان المنطقة يعيش من إرث تشريعي عفا عليه الزمن ولا يميز بشكل واضح ومتعمد بين مفهوم الملكية الخاصة عندما يتعلق الأمر بالتراث الثقافي ومفهوم الملكية العامة. إن إعادة بناء هذا الإطار القانوني ليست عملية بيروقراطية، بل هي عملية تفاوضية ومجتمعية بامتياز، تتطلب إشراك الملاك المتضررين والمقيمين والمتخصصين والمدنيين قبل سن أي تشريع. القانون الذي تم صياغته بعيدًا عن الواقع ينتهك.
وفي الختام، فإن التراث ليس فائضا جماليا تحافظ عليه الأمم عندما يسمح الوقت بذلك، بل هو بنية هوية حية تنهار الحضارات بانهيارها. إن المعادلة الصعبة بين الحقوق الفردية والمسؤولية الجماعية لا تحل بمصادرة الممتلكات أو التخلي عن الميراث، بل بعقد اجتماعي جديد تكون فيه الدولة شريكا حقيقيا، وليس سلطة رقابية، وتكون فيه القوانين أدوات للمساواة وليست أدوات تعطيل.