20/07/2026
حين يصبح الفشل سياسة... تصبح الإقالة ضرورة
ليست الوزارة منصبًا للتشريف، ولا المسؤولية السياسية امتيازًا يُمارس في ظلّ غياب المحاسبة. فالمنصب العام عقدٌ مع الشعب، أساسه الإنجاز، فإذا غاب الإنجاز وحضر الإخفاق، سقطت شرعية البقاء.
لقد بلغ قطاع النقل في تونس مرحلة لم يعد فيها الحديث عن "صعوبات ظرفية" أو "تراكمات الماضي" مقنعًا لأحد. فما نراه اليوم هو أزمة شاملة أصابت مختلف فروع النقل: الجوي، والبحري، والحديدي، والبري، حتى أصبح المواطن يدفع يوميًا ثمن سوء الإدارة من وقته، وماله، وأمنه، وكرامته.
أما الخطوط التونسية، التي كانت يومًا عنوانًا للفخر الوطني، فقد تحولت إلى مؤسسة مثقلة بالديون والخسائر، يعاني مسافروها من التأخير والإلغاء وسوء الإحاطة، في مشهد يسيء إلى صورة تونس قبل أن يسيء إلى الناقلة الوطنية.
وفي النقل البري والحديدي، تتكرر الأعطال، وتتقادم الأساطيل، وتتراجع جودة الخدمات، بينما تظل الحلول حبيسة البلاغات والاجتماعات التي لا تُترجم إلى نتائج ملموسة.
لكن أكثر القطاعات التي ذاقت مرارة التهميش هو قطاع النقل العمومي غير المنتظم. فقد اختارت الوزارة أن تدير ظهرها لآلاف المهنيين الذين يضمنون يوميًا تنقل مئات الآلاف من المواطنين. تُرك سائق التاكسي الفردي، واللواج، والتاكسي الجماعي، والنقل الريفي، يواجه وحده الارتفاع الجنوني في أسعار السيارات، وقطع الغيار، والمحروقات، والتأمين، والأداءات، في ظل تعريفة نقل لم تعد تواكب أبسط مقومات العيش الكريم.
ولم تكتف الوزارة بالتجاهل، بل عمّقت الأزمة بقرارات زادت من اختلال القطاع، وبتعطيل مراجعة النصوص القانونية التي أصبحت عاجزة عن مواكبة الواقع، وبإقصاء الهياكل المهنية الجادة من الحوار، وترك المجال للفوضى والتطبيقات غير المنظمة والمنافسة غير المتكافئة، حتى أصبح المهني الشريف يشعر أنه مستهدف أكثر من كونه شريكًا في خدمة المرفق العام.
العلاقة بين الوزارة وأهل المهنة تحوّلت إلى علاقة تقوم على التسويف بدل الإصلاح، وعلى الوعود بدل القرارات، وعلى إدارة الأزمات بدل معالجتها من جذورها.
السيّد وزير النقل لا يُحاسب على النوايا، بل على النتائج. وعندما تتعطل منظومة النقل في مختلف مكوناتها، وتغيب الرؤية، وتتراكم الأزمات، وتتآكل ثقة المواطنين، فإن المسؤولية السياسية تصبح واضحة لا لبس فيها.
إن إنقاذ قطاع النقل لا يبدأ بلجنة جديدة، ولا ببلاغ جديد، ولا بوعد، بل يبدأ بتحمل المسؤولية.
لذلك، فإن إقالة وزير النقل لم تعد مطلبًا قطاعيًا ولا موقفًا سياسيًا، بل أصبحت ضرورة وطنية، حمايةً للمرفق العمومي، وصونًا للمال العام، وإنصافًا لعشرات الآلاف من العاملين في قطاع النقل، وفي مقدمتهم مهنيو النقل العمومي غير المنتظم الذين دفعوا وحدهم ثمن سنوات من الإهمال والتردد.
فمن عجز عن الإصلاح، وعجز عن الإنصات، وعجز عن وقف نزيف هذا القطاع الحيوي، فإن أول واجباته أن يفسح المجال لمن هو أقدر على حمل الأمانة و لنا في معز شقشوق خير مثال.
فالأوطان لا تُدار بالمبررات، وإنما تُبنى بالمسؤولية، ولا تنهض إلا حين تكون المحاسبة فوق كل اعتبار.