Maître Walid Arfaoui

Maître Walid Arfaoui Avocat au barreau de Tunis

17/09/2026

الخلفية الاقتصادية للتدفقات المالية وفق فقه القضاء التونسي

من حركة المال إلى فهم مصدره

إن تحليل التدفقات المالية في مادة غسل الأموال لا ينبغي أن يتوقف عند مجرد ملاحظة دخول الأموال إلى حساب بنكي أو خروجها منه، وإنما يجب أن يتجه إلى البحث في الخلفية الاقتصادية التي أنتجت هذه الحركة المالية: مصدر الأموال، طبيعة النشاط الذي ولّدها، العلاقة الاقتصادية بين الأطراف، حجم العمليات، وتناسقها مع النشاط المعلن.

وقد منح المشرّع التونسي لهذا التحليل أهمية خاصة، إذ نص الفصل 92 من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 على أن جريمة غسل الأموال يمكن إثباتها بتوفر القرائن والأدلة الكافية على عدم شرعية الأموال موضوع الغسل، مع استقلال جريمة غسل الأموال عن الجريمة الأصلية.

ومن ثم، فإن التدفق المالي لا يُقرأ منفرداً وإنما ضمن سياقه الاقتصادي.

فالإيداع النقدي، والتحويل البنكي، والقرض، والفاتورة، والبيع، والشراء، وتحويل الأموال بين الشركات، كلها عمليات قد تكون مشروعة في أصلها. لكن قيمتها الإثباتية قد تتغير عندما تكشف المقارنة بين النشاط الاقتصادي المعلن وحركة الأموال عن فجوة يصعب تفسيرها اقتصادياً.

وفي هذا الإطار يبرز القرار التعقيبي عدد 44822 المؤرخ في 1 نوفمبر 2017، الذي تعلق بممارسة عمليات مصرفية دون توفر صفة مؤسسة قرض، وانتهى في توصيفه إلى إدراج الأفعال ضمن غسل الأموال لا مجرد التحيل. وتكمن أهمية هذا القرار بالنسبة للتحليل المالي في أنه يبرز أن طبيعة العملية المالية نفسها، والسياق الذي تمت فيه، يمكن أن تكون عنصراً أساسياً في التكييف الجزائي.

وهنا تبرز قاعدة عملية مهمة في قراءة الملفات المالية:

لا يكفي السؤال: كم من المال دخل إلى الحساب؟
بل يجب السؤال: لماذا دخل؟ ومن أين أتى؟ وما النشاط الاقتصادي الذي يفسر دخوله؟ وإلى أين ذهب بعد ذلك؟

فالمال الذي يدخل إلى حساب شركة تجارية يفترض أن تكون له علاقة بالنشاط الاقتصادي للشركة. فإذا كانت الشركة تمارس تجارة معينة، فإن التدفقات المرتبطة بها يفترض أن تجد تفسيرها في المبيعات والمشتريات والمصاريف والاستثمارات والقروض وغيرها من العمليات التي تشكل الدورة الاقتصادية للمؤسسة.

أما إذا ظهرت تدفقات ذات قيمة كبيرة أو متكررة لا تتلاءم ظاهرياً مع النشاط المعلن، فإن المسألة تنتقل من مجرد حركة مالية إلى ضرورة تحليل اقتصادي أعمق.

وهنا تأتي أهمية القرائن المتضافرة. فالعملية الواحدة قد لا تكون كافية للوصول إلى استنتاج جزائي، لكن مجموعة من العناصر المالية المترابطة قد تكشف نمطاً معيناً: إيداعات متقاربة زمنياً، تحويلات بين أشخاص أو شركات مرتبطة، استعمال حسابات متعددة، إعادة تحويل الأموال بسرعة، معاملات تجارية غير متناسبة مع النشاط، أو انتقال الأموال بين هياكل قانونية متعددة.

لكن فقه القضاء المالي والجزائي لا ينبغي أن يُفهم منه أن كل عملية غير مألوفة هي بالضرورة غسل أموال. فالأساس يظل في إثبات عدم شرعية الأموال والوقوف على العناصر التي تكشف القصد والسياق الإجرامي، وهو ما ينسجم مع صياغة الفصل 92 التي تتحدث عن القرائن والأدلة الكافية.

ومن هذه الزاوية يصبح التحليل المالي قريباً من عمل الخبير الاقتصادي: إعادة بناء الدورة الاقتصادية للمال، وليس مجرد إعادة ترتيب كشوف الحسابات.

ولهذا يمكن تصور التدفق المالي في أربع مراحل:

مصدر المال ← سبب الحصول عليه ← مسار انتقاله ← المستفيد الاقتصادي النهائي.

وكلما أمكن تفسير هذه المراحل تفسيراً اقتصادياً منسجماً مع الوثائق والعقود والحسابات والنشاط الفعلي، كان التدفق أكثر قابلية للفهم. أما عندما تنفصل حركة المال عن النشاط الاقتصادي الظاهر، فإن البحث في مصدر الأموال ومسارها والمستفيد الحقيقي يصبح أكثر أهمية.

كما أن استقلال جريمة غسل الأموال عن الجريمة الأصلية، الذي كرّسه الفصل 92، يجعل التحليل المالي قائماً بذاته من حيث البحث في عدم شرعية الأموال، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن إثبات العناصر القانونية للجريمة.

والخلاصة أن التدفق المالي ليس دليلاً بذاته، وإنما الدليل قد يتشكل من الطريقة التي يتحرك بها المال داخل منظومة اقتصادية معينة.

ومن هنا فإن دراسة جرائم غسل الأموال الحديثة تفرض الانتقال من «تتبع الحسابات» إلى «تحليل الاقتصاد الكامن وراء الحسابات».

فالسؤال الحقيقي ليس فقط: أين ذهب المال؟

بل أيضاً:

ما القصة الاقتصادية التي تفسر وجوده وتحركه؟

12/09/2026

جريمة غسل الأموال… الحذر من المعاملات المشبوهة

لم تعد جريمة غسل الأموال تقتصر على العمليات المالية المعقدة أو على شبكات إجرامية منظمة، بل قد تبدأ أحيانًا من معاملة تبدو عادية ومشروعة في ظاهرها، لكنها تخفي وراءها مصدرًا غير مشروع للأموال أو تهدف إلى تمويه حقيقتها.

ولهذا، فإن التعامل مع الأموال أو الأشخاص أو الشركات دون التثبت من مصدر الأموال، وطبيعة العملية، والغاية الحقيقية منها قد يعرّض المتعامل، في بعض الحالات، إلى مخاطر قانونية جدية.

فالقاعدة الأهم هي: لا يكفي أن تبدو المعاملة مشروعة، بل يجب أن تكون قابلة للتبرير والإثبات من حيث مصدر الأموال ووجهتها.

إن الحذر، والتثبت، والاحتفاظ بالوثائق المؤيدة للمعاملات، ليست إجراءات شكلية، وإنما أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من الوقاية من مخاطر غسل الأموال.

المعاملة المشبوهة قد تبدأ صغيرة… لكن آثارها القانونية قد تكون كبيرة.

الإحالة من أجل المخدرات وغسل الأموال: بين الجريمة الأصلية ومصدر الأموالفي قضايا المخدرات التي تتداخل فيها المعاملات الما...
10/09/2026

الإحالة من أجل المخدرات وغسل الأموال: بين الجريمة الأصلية ومصدر الأموال

في قضايا المخدرات التي تتداخل فيها المعاملات المالية، لا يكفي أن نصل إلى المال لكي نصل إلى جريمة غسل الأموال.

وهنا تبرز أهمية قرارين قضائيين يكشفان عن مسألة دقيقة في بناء الإحالة والوصف القانوني.

القرار الأول اعتبر أن إيداع المتهمين مبالغ نقدية في حسابات بنكية مختلفة بصورة يصعب معها تتبع مصدرها، ثم تخصيصها لاحقًا بعد سحبها لفائدة أطراف مختلفة، يمكن أن يتحقق به فعل الغسل، باعتبار أن هذه العمليات تمثل طريقة لتمويه مصدر المال الفاسد وعملية إيداعه.

أما القرار الثاني فقد انطلق من قاعدة أكثر جوهرية: أساس جريمة غسل الأموال هو عدم مشروعية مصدر الأموال موضوع التبييض؛ فإذا كان مصدر المال مشروعًا، فلا يمكن الحديث أصلًا عن غسل أموال، حتى لو حصل خلط حول مصدره أو وقع إخفاؤه.

وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.

إذا كانت المخدرات هي الجريمة الأصلية، فإن الأموال المتأتية منها قد تكون محل غسل أموال، ولكن لا ينبغي أن تتحول عبارة «أموال متأتية من المخدرات» إلى افتراض تلقائي بأن كل تصرف مالي لاحق يشكل غسلًا للأموال.

فالإحالة يجب أن تجيب عن سؤالين مختلفين:

الأول: هل ثبتت الجريمة الأصلية، كالاتجار في المخدرات؟

والثاني: ما هو الفعل المستقل الذي قام به المتهم بالنسبة إلى الأموال المتأتية منها، والذي يحقق أركان غسل الأموال؟

وهذا التمييز بالغ الأهمية.

فالإيداع النقدي المتكرر، وتوزيع الأموال بين حسابات متعددة، وسحبها ثم تسليمها لأطراف مختلفة، قد تشكل — بحسب ظروف الملف والأدلة — قرائن قوية على التمويه. وهذا ما تعكسه حيثيات القرار الأول.

لكن في المقابل، يظل القرار الثاني يضع أمام سلطة الاتهام شرطًا سابقًا منطقيًا: لا غسل لأموال مشروعة.

وبالتالي، لا يجوز أن يصبح تعذر تفسير حركة الأموال مساويًا بالضرورة لـ ثبوت عدم مشروعية مصدرها.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية الإحالة.

فالإحالة الجيدة لا تقول فقط:

«المتهم ارتكب جريمة مخدرات وقام بغسل أموال متأتية منها».

بل يجب أن تكشف عن السلسلة المنطقية للإسناد:

جريمة أصلية → أموال متأتية منها → عمليات لاحقة على الأموال → تمويه أو إخفاء أو تحويل أو إدماج → قصد جنائي.

ومن هذه الزاوية، فإن القرارين يقدمان مادة ثرية للنقاش:
الأول يركز على السلوك المالي باعتباره تقنية للتمويه، والثاني يذكّر بأن هذه التقنية لا تكتسب وصف غسل الأموال إلا إذا انصبّت على مال غير مشروع المصدر.

والنتيجة الأهم:

جريمة المخدرات لا تبتلع جريمة غسل الأموال، كما أن الاشتباه في غسل الأموال لا يعوّض إثبات مصدر الأموال.

فبين الجريمة الأصلية والجريمة المالية اللاحقة يجب أن تبقى هناك حلقة إثبات واضحة.

وهنا يكون السؤال الذي ينبغي أن يسبق الإحالة:

ليس فقط: من أين جاء المال؟
وإنما أيضًا: ماذا فعل المتهم بهذا المال، ولماذا كان فعله تمويهًا لمصدر إجرامي غير مشروع؟
و عليه أضحت اليوم الإحالة على معنى هذين الجريمتين لمواجهة لا فقط الإتجار في المادة المخدرة بل كذلك فعل الإخفاء للمال غير المشروع .
و يبقى الأساس هو إثبات القصد الإجرامي و خاصة توفر تقنيات التبرير الكاذب للمال الغير المشروع . و إلا إنتفت الجريمة

عدنا و العود أحمد ..الحمد لله دائما
06/09/2026

عدنا و العود أحمد ..
الحمد لله دائما

الاختبار القضائي في القضايا المالية: بين الحقيقة الفنية وسلطة القاضي في تقدير الدليلتحتل الاختبارات القضائية مكانة مهمة ...
01/09/2026

الاختبار القضائي في القضايا المالية: بين الحقيقة الفنية وسلطة القاضي في تقدير الدليل

تحتل الاختبارات القضائية مكانة مهمة في القضايا ذات الطبيعة المالية والاقتصادية، ولا سيما في الملفات التي تتداخل فيها المعطيات المحاسبية والحسابات البنكية والمعاملات التجارية والتحويلات المالية وتعدد الشركات والأشخاص المتدخلين في العمليات محل التتبع. ففي مثل هذه الملفات قد تجد المحكمة نفسها أمام كمّ كبير من الوثائق والمعطيات الرقمية والمحاسبية التي تتطلب معرفة فنية متخصصة، وهو ما يفسر اللجوء إلى الاختبار قصد تمكين القضاء من فهم المسائل التي تخرج عن دائرة المعرفة القانونية البحتة.

غير أن أهمية الاختبار لا تعني بأي حال من الأحوال أن نتائجه تتحول إلى حقيقة قضائية ملزمة للمحكمة، أو أن ما ينتهي إليه الخبير يصبح بمنأى عن المناقشة من قبل الخصوم أو عن التقدير من قبل قاضي الموضوع. فالخبير، مهما كانت كفاءته العلمية والفنية، لا يمارس وظيفة القضاء، وإنما يضطلع بمهمة فنية محددة تتمثل في إبداء الرأي في المسائل التي تحتاج إلى معرفة فنية أو حسابية أو تقنية، بينما تبقى مهمة استخلاص النتائج القانونية وتحديد المسؤولية الجزائية من صميم اختصاص المحكمة.

وقد كرس المشرع التونسي هذا المبدأ بوضوح من خلال الفصل 112 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية الذي يجعل رأي الخبير غير ملزم للمحكمة. وهو مبدأ يجد أساسه في طبيعة الخبرة نفسها، باعتبارها وسيلة من وسائل الإثبات والاستنارة الفنية، وليست وسيلة لنقل سلطة الفصل في النزاع من القاضي إلى الخبير.

وقد استقر فقه قضاء محكمة التعقيب على هذا التصور، حيث أكدت في القرار التعقيبي المدني عدد 1868 المؤرخ في 12 جوان 1979 أن رأي الخبير لا يقيد المحكمة، وأن لها أن تأخذ به متى اطمأنت إلى أسسه وأعماله، كما أكدت في القرار عدد 4608 المؤرخ في 17 أكتوبر 2000 أن الاختبار إنما يهدف إلى تمكين المحكمة من الوقوف على مسائل فنية يتعذر عليها إدراكها بنفسها، دون أن يسلبها ذلك سلطتها في تقدير عناصر الدعوى.

لكن المسألة لا تتوقف عند القول بأن المحكمة غير ملزمة بالخبرة، إذ توجد قاعدة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن سلطة المحكمة في تقدير تقرير الاختبار لا تعني إمكانية تجاهله أو مخالفته بطريقة اعتباطية ودون تعليل.

فقد ذهبت محكمة التعقيب في القرار عدد 2704 المؤرخ في 13 جانفي 2005 إلى أن رأي الخبير لا يقيد المحكمة، غير أن القضاء بخلافه يقتضي التعليل. كما أكدت في القرار عدد 16346 المؤرخ في 22 نوفمبر 1988 أن مخالفة نتائج الاختبار لا تكون بمنأى عن رقابة محكمة التعقيب متى كان موقف قضاة الموضوع غير معلل تعليلاً كافياً.

وهذه القاعدة تكتسي أهمية خاصة في القضايا المالية، لأن تقرير الاختبار قد يتحول عملياً إلى محور أساسي في بناء الاتهام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعمليات مالية معقدة يصعب على القاضي تحليلها دون مساعدة فنية.

غير أن هناك فرقاً جوهرياً بين أن يثبت الخبير واقعة مالية وبين أن يستخلص منها نتيجة قانونية أو جزائية.

فالخبير يمكنه أن يحدد حركة الأموال، وأن يبين مصدر تحويل معين، وأن يرصد وجود فروقات محاسبية، وأن يكشف عدم تطابق بين الإيرادات والمصاريف، وأن يتتبع مسار الأموال بين الحسابات البنكية والشركات والأشخاص، وأن يبين وجود عمليات مالية غير معتادة أو غير مبررة من الناحية المحاسبية.

ولكنه لا يستطيع، في المقابل، أن يحل محل المحكمة في تحديد ما إذا كانت تلك الوقائع تشكل جريمة، أو ما إذا كان المتهم قد ارتكب فعلاً مادياً مجرماً، أو ما إذا كان يعلم بالمصدر غير المشروع للأموال، أو ما إذا كان قد توفرت لديه النية الإجرامية التي يتطلبها النص الجزائي.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين المعطى الفني والاستنتاج القانوني.

فالقول بوجود تحويل مالي هو مسألة فنية يمكن إثباتها بالوثائق والحسابات البنكية، أما القول بأن هذا التحويل يمثل فعلاً إجرامياً وأن صاحبه كان يعلم بطبيعته أو بمصدر الأموال أو كان يقصد تحقيق نتيجة إجرامية، فهو استنتاج يدخل في المجال القانوني والجزائي الذي لا يملك الخبير سلطة حسمه.

وفي قضايا الفساد المالي تحديداً، تزداد أهمية هذا التمييز لأن المعاملات المالية لا يمكن قراءتها دائماً بمعزل عن السياق الذي تمت فيه. فقد تكون العملية غير مألوفة من الناحية المحاسبية، لكنها لا تكون بالضرورة جريمة، وقد تكون المعاملة معقدة أو ذات قيمة مالية كبيرة، لكن ذلك لا يكفي وحده لإثبات القصد الإجرامي.

كما أن وجود خسارة مالية أو خلل محاسبي لا يعني آلياً وجود فساد، لأن تحديد المسؤولية الجزائية يتطلب إثبات العناصر التي اشترطها النص القانوني للجريمة المعنية، ولا يمكن سد الفراغ في الإثبات بمجرد الإحالة على تقرير اختبار.

ومن هنا تبرز مسؤولية المحكمة في التعامل مع الخبرة باعتبارها عنصراً من عناصر الملف وليس بديلاً عن الملف.

فإذا انتهى الخبير إلى نتيجة معينة، فإن للمحكمة أن تأخذ بها إذا وجدت أنها منسجمة مع الوثائق وبقية عناصر الإثبات، ولها أن تستبعدها أو تعتمد جزءاً منها دون الجزء الآخر، ولها كذلك أن تأمر باختبار تكميلي أو باختبار جديد متى تبين لها أن المسائل الفنية لم تستجل بصورة كافية.

لكن إذا اختارت المحكمة مخالفة نتيجة فنية واضحة ومعللة، فإنها مطالبة ببيان الأسباب التي جعلتها لا تطمئن إليها، خصوصاً عندما تكون الخبرة قد تناولت مسائل جوهرية كان لها تأثير مباشر في تكوين قناعة المحكمة.

وهذا يقودنا إلى مسألة أعمق في قضايا الفساد المالي، وهي حدود القوة الإثباتية للخبرة.

فالخبرة لا تتمتع بحصانة من المناقشة، ولا تمنحها صفة الدليل المطلق. ومن حق الدفاع أن يناقش منهجية الخبير، ومصادر المعلومات التي اعتمد عليها، والوثائق التي كانت تحت يده، وطريقة احتساب المبالغ، ومدى احترامه لحدود المأمورية، والنتائج التي استخلصها من الوقائع.

كما أن من حق الدفاع أن يطرح السؤال الأهم: هل النتيجة التي انتهى إليها الخبير هي نتيجة فنية حقيقية تفرضها المعطيات، أم أنها تتضمن في جانب منها تكييفاً قانونياً أو استنتاجاً جزائياً تجاوز به الخبير حدود مأموريته؟

فالفرق بين الأمرين ليس شكلياً، وإنما يمكن أن يكون حاسماً في تحديد قيمة التقرير داخل الملف.

وفي هذا السياق، لا ينبغي للدفاع في القضايا المالية أن يتعامل مع تقرير الاختبار باعتباره وثيقة يجب قبولها أو رفضها بالجملة، وإنما ينبغي تفكيكه إلى عناصره: ما هي الوقائع التي أثبتها الخبير؟ ما هي الوثائق التي اعتمد عليها؟ ما هي العمليات الحسابية التي قام بها؟ ما هي الفرضيات التي انطلق منها؟ وأين انتهى عمله الفني وبدأ استنتاجه القانوني؟

لأن أقوى مناقشة لتقرير الاختبار ليست بالضرورة في القول إن الخبير أخطأ، وإنما في إثبات أن النتيجة التي انتهى إليها لا تؤدي قانوناً، بصورة آلية، إلى النتيجة الجزائية التي بني عليها التتبع أو الحكم.

وفي النهاية، تظل القاعدة الأساسية واضحة: الخبير يساعد المحكمة ولا يحكم مكانها، والخبرة تنير الطريق أمام القاضي لكنها لا تسلبه سلطة التقدير.

فالرقم لا يصبح جريمة بمجرد وروده في تقرير اختبار، والحركة المالية لا تتحول بمفردها إلى دليل على القصد الإجرامي، والاستنتاج الفني لا يمكن أن يعفي المحكمة من واجبها في التثبت من توفر جميع العناصر القانونية للجريمة.

ومن هنا فإن الاختبار القضائي في القضايا المالية يجب أن يبقى في موقعه الطبيعي: وسيلة فنية للإثبات والاستنارة، تخضع للمناقشة والتقدير والرقابة، ولا ترتقي بذاتها إلى مرتبة الحكم القضائي.

وهذه القاعدة ليست انتقاصاً من قيمة الخبرة أو من دور الخبير، بل هي في الحقيقة ضمانة للتوازن بين المعرفة الفنية وسلطة القضاء، وبين تعقيد الملفات المالية وضرورة احترام قواعد الإثبات ومبدأ المسؤولية الجزائية الشخصية.

فالخبير يقرأ الأرقام، أما القاضي فيقرأ القانون من خلال الوقائع.

ثمار الصيف متوفر موفى سبتمبر في المكتبات جريمة غسل الأموال :المفهوم و التقنيات ..كتاب خارج السياق المنهجي التقليدي يتناو...
30/08/2026

ثمار الصيف
متوفر موفى سبتمبر في المكتبات

جريمة غسل الأموال :المفهوم و التقنيات ..كتاب خارج السياق المنهجي التقليدي يتناول مسائل واقعية بالإعتماد على قرارات تعقيبية حديثة سبق نشرها على صفحتنا الخاصة.

تقنية السنفرة (Smurfing) في غسل الأموال هي إحدى صور تجزئة العمليات المالية بهدف إخفاء المصدر الحقيقي للأموال وتفادي اكتش...
21/08/2026

تقنية السنفرة (Smurfing) في غسل الأموال هي إحدى صور تجزئة العمليات المالية بهدف إخفاء المصدر الحقيقي للأموال وتفادي اكتشافها من قبل المؤسسات المالية والسلطات الرقابية.

ما المقصود بالسنفرة؟

تقوم الفكرة على تقسيم مبلغ مالي كبير إلى مبالغ صغيرة، ثم إدخال هذه المبالغ في النظام المالي من خلال عمليات متعددة، قد يقوم بها شخص واحد أو عدة أشخاص، بحيث تبدو كل عملية في ظاهرها عادية ومستقلة.

مثلاً، بدل إيداع مبلغ كبير دفعة واحدة، يتم توزيع الأموال على عدد من العمليات الصغيرة أو على حسابات متعددة، ثم تجميعها لاحقاً في حساب أو مشروع أو استثمار.

لماذا تسمى Smurfing؟

التسمية مستوحاة من فكرة أن العملية الكبيرة تُجزّأ إلى عدد كبير من العمليات الصغيرة، كما لو أن مجموعة من الأشخاص يقومون كل واحد منهم بجزء صغير من العملية الأصلية.

وهي تختلف عن مجرد الإيداعات النقدية المتعددة؛ فالذي يعطيها دلالتها الإجرامية هو وجود قصد إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال.

موقعها ضمن مراحل غسل الأموال

يمكن أن تظهر السنفرة خصوصاً في مرحلة الإيداع أو التوظيف (Placement)، لكنها قد تستخدم أيضاً ضمن مرحلة التمويه (Layering) لإبعاد الأموال عن مصدرها الإجرامي من خلال تعدد الحسابات والعمليات والتحويلات.

والعنصر الحاسم قانوناً ليس حجم كل عملية منفردة، وإنما الترابط بين العمليات والغاية التي تقف وراء تجزئتها.

من الناحية القانونية في تونس

في إطار جريمة غسل الأموال، لا يكفي إثبات أن شخصاً قام بعدة إيداعات صغيرة أو تعامل بمبالغ نقدية. يجب البحث في العنصر القصدي: هل كانت التجزئة تهدف إلى إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال أو مصدرها أو صاحبها الحقيقي؟

لذلك يمكن أن تكون السنفرة قرينة أو مؤشراً ضمن مجموعة من القرائن، لكنها لا تعني آلياً قيام جريمة غسل الأموال دون إثبات بقية عناصر الجريمة.

علاوة على القرار المضمن أدناه فإن محكمة التعقيب الفرنسية – الدائرة الجزائية – 13 مارس 2024، عدد 22-83.689 أقرت هذه التقنية

في هذه القضية، عرضت المحكمة وقائع تتعلق بمبلغ كبير جرى سحبه نقداً ثم إدخاله في حسابات بواسطة عمليات إيداع مجزأة، قبل أن تنتقل الأموال عبر حسابات شركات وهمية وحسابات بأسماء أشخاص آخرين. وقد اعتبرت محكمة الموضوع أن تعدد العمليات والحسابات والمستفيدين يشكل جزءاً من تركيب مالي يهدف إلى إخفاء حركة الأموال ومصدرها.

والأهم قانونياً أن القرار يبرز أن تجزئة العمليات لا تُقرأ كل عملية بمعزل عن الأخرى، وإنما يمكن للقاضي أن ينظر إلى مجموع العمليات للكشف عن وحدة المخطط الإجرامي، خصوصاً عندما تترافق التجزئة مع تعدد الحسابات والشركات والحسابات المفتوحة باسم الغير.

كما يمكن دعم ذلك بقرار محكمة التعقيب الفرنسية بتاريخ 18 مارس 2020، عدد 18-85.542، الذي قرر مبدأ مهماً: إيداع أو تحويل عائد الجريمة في حساب بنكي، حتى ولو كان الحساب عائداً لمرتكب الجريمة الأصلية، يُعد عملية Placement متى أدى إلى إدخال الأموال غير المشروعة في الدورة المصرفية.

وهنا تكمن أهمية القرارين بالنسبة لتقنية السنفرة:
فالسنفرة ليست مجرد تقسيم حسابي للمبلغ، وإنما تصبح ذات دلالة في غسل الأموال عندما يكون التجزئة + تعدد العمليات + تعدد الحسابات/الأشخاص + إخفاء المستفيد الحقيقي أو المصدر عناصر تكشف عن غرض التمويه.

استغلال النفوذ… عندما يتحول «الجاه» إلى وسيلة للاتجار بالقرارفي جريمة استغلال النفوذ، لا يبحث القاضي فقط عن شخص له مركز ...
19/08/2026

استغلال النفوذ… عندما يتحول «الجاه» إلى وسيلة للاتجار بالقرار

في جريمة استغلال النفوذ، لا يبحث القاضي فقط عن شخص له مركز رسمي أو سلطة قانونية.

فالفصل 87 من المجلة الجزائية يتصور النفوذ باعتباره قدرة على التأثير لدى السلطة العامة، وقد يكون هذا النفوذ حقيقيًا أو مزعومًا.

وهنا تبرز مسألة دقيقة كثيرًا ما يقع تجاوزها:

متى يكون التباهي بالجاه مجرد سلوك اجتماعي، ومتى يتحول إلى عنصر من عناصر الجريمة؟

لقد اعتبرت محكمة التعقيب في القرار عدد 680/733 بتاريخ 4 جوان 2013 أن جريمة استغلال النفوذ تفترض وجود نفوذ حقيقي أو مزعوم، وأنه لا يكفي القول بوجود «تدخل» أو «علاقة» دون بيان طبيعة النفوذ وكيفية استعماله ونوعية الضغوط أو التأثيرات التي مورست على الجهة صاحبة القرار.

وهذا المبدأ بالغ الأهمية.

فأن يقول شخص:

«أنا أعرف فلانًا»
أو «لي علاقات داخل الإدارة»
أو «أستطيع الوصول إلى المسؤول»
أو حتى أن يتباهى بقدرته على التأثير،

لا يعني، بمفرده، أن جريمة استغلال النفوذ قد اكتملت.

التباهي بالجاه ليس هو الجريمة في حد ذاته.

لكن الصورة تختلف عندما يتحول هذا التباهي إلى عرض أو استعمال لنفوذ حقيقي أو مزعوم مقابل منفعة، بهدف الحصول أو محاولة الحصول من سلطة عامة على قرار أو امتياز لفائدة شخص معين.

وهنا يصبح السؤال القضائي:

من هو صاحب النفوذ؟

ما طبيعة النفوذ؟

لدى من يمارس؟

ما هو القرار المطلوب؟

ما هو المقابل؟

وهل توجد علاقة سببية بين المنفعة وبين استعمال النفوذ؟

محكمة التعقيب كانت واضحة أيضًا في القرار نفسه عندما أكدت ضرورة إثبات المقابل والعلاقة السببية بين العطية أو الوعد بها وبين استعمال النفوذ. فلا يكفي الاستنتاج أو التخمين لإثبات الركن المادي للجريمة.

كما ذهبت محكمة التعقيب في القرار عدد 639 المؤرخ في 4 جويلية 2012 إلى التشديد على أهمية ركن المقابل، واعتبرت أن الاستنتاجات المجردة لا تكفي لإقامة الدليل على وجود المنفعة أو كيفية ممارسة النفوذ والضغط على الجهة المختصة.

وهذا يقودنا إلى قاعدة دفاعية مهمة:

ليس كل جاه نفوذًا مجرمًا، وليس كل نفوذ استغلالًا، وليس كل استغلال نفوذ جريمة ما لم يثبت المقابل والرابطة السببية والقصد الجنائي.

فالنفوذ قد يكون اجتماعيًا أو مهنيًا أو عائليًا أو سياسيًا أو إداريًا، لكن القانون لا يعاقب مجرد امتلاك العلاقات.

إنما يعاقب تحويل تلك العلاقات إلى وسيلة للاتجار بالتأثير على القرار العمومي.

والأخطر أن المشرع لا يشترط دائمًا أن يكون النفوذ حقيقيًا؛ فالنفوذ المزعوم يمكن أن يدخل في نطاق التجريم متى توافرت بقية العناصر القانونية.

لذلك فإن عبارة مثل:

«أنا عندي جاه وننجم نحلّلك الموضوع»

قد تكون مجرد تفاخر فارغ…

وقد تكون، في سياق آخر، جزءًا من مشروع إجرامي.

والفاصل بين الحالتين ليس الانطباع، ولا شهرة الشخص، ولا مكانته الاجتماعية.

الفاصل هو الدليل.

وهنا تكمن أهمية فقه قضاء محكمة التعقيب في جريمة استغلال النفوذ:
لا يكفي إثبات أن المتهم كان يتحدث عن نفوذه، بل يجب تحديد كيف استعمله، ولمن، ولماذا، وما المقابل، وما القرار الذي كان يراد التأثير فيه.

وفي الجرائم المالية وجرائم الفساد تحديدًا:

لا تُبنى المسؤولية الجزائية على «الجاه» وحده… وإنما على أركان جريمة ثابتة بدليل قانوني.









13/08/2026

الفصل 96 جديد من المجلة الجزائية

استغلال الموظف العمومي لصفته للإضرار بالإدارة في ضوء الفصل 96 الجديد من المجلة الجزائية التونسية:

هل يكفي مجرد وقوع الضرر لقيام الجريمة؟

تُعد جريمة استغلال الموظف العمومي لصفته للإضرار بالإدارة، المنصوص عليها بالفصل 96 الجديد من المجلة الجزائية التونسية، من أكثر الجرائم إثارةً للنقاش في القضاء التونسي، لأنها تقف عند الحد الفاصل بين الخطأ الإداري والفعل الجزائي.

فالقانون الجزائي لا يعاقب الموظف لأنه أخطأ في التقدير أو لأنه اتخذ قرارًا إداريًا تبين لاحقًا أنه غير موفق، وإنما يعاقبه عندما يتحول استعمال السلطة إلى وسيلة لتحقيق منفعة غير مشروعة على حساب المصلحة العامة.

لقد حدد الفصل 82 من المجلة الجزائية مفهوم الموظف العمومي بصورة واسعة، فلم يقتصر على الموظفين الخاضعين للقانون الأساسي للوظيفة العمومية، وإنما شمل كل من أوكلت إليه مهمة ذات صبغة عمومية أو ساهم في تسيير مرفق عام أو إدارة أموال عمومية، وهو ما يعكس رغبة المشرع في إحاطة المال العام والوظيفة العمومية بأقصى درجات الحماية.

أما الفصل 96 الجديد، فهو يمثل حجر الأساس في هذه الجريمة، إذ لا يجرّم مجرد الإضرار بالإدارة، وإنما يشترط أن يكون الموظف قد تعمد استغلال صفته أو النفوذ الذي تمنحه له وظيفته لتحقيق فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره، وأن يترتب عن ذلك ضرر بالإدارة.

ومن خلال هذا النص يتضح أن الجريمة لا تقوم إلا باجتماع عدة عناصر متلازمة:
● وجود صفة الموظف العمومي.
● استغلال هذه الصفة أو النفوذ المرتبط بها.
● تحقيق منفعة أو فائدة غير مستحقة.
● حصول ضرر للإدارة.
● توفر القصد الجرمي وسوء النية.

وهنا يبرز سؤال جوهري:
هل يكفي أن تتضرر الإدارة حتى نكون أمام جريمة؟
الجواب القانوني هو: لا.

فالضرر، مهما كان حجمه، لا يكفي وحده لإدانة الموظف. إذ قد ينتج الضرر عن اجتهاد خاطئ، أو سوء تقدير، أو خطأ مهني، أو ظروف استثنائية، وهي كلها حالات قد تستوجب مساءلة تأديبية أو مدنية، لكنها لا ترقى بالضرورة إلى مستوى المسؤولية الجزائية.

إن القضاء الجزائي مطالب دائمًا بالبحث عن عنصر بالغ الأهمية، وهو القصد الجنائي. فلا بد من إثبات أن الموظف تعمد استغلال وظيفته لتحقيق منفعة غير مستحقة، وأن الضرر لم يكن مجرد نتيجة عرضية أو خطأ إداري.

ومن ثم فإن الفصل 96 الجديد لا يهدف إلى تجريم الإدارة أو تجريم اتخاذ القرار، وإنما يهدف إلى حماية الإدارة من الفساد، لا من الاجتهاد لذلك أضاف المشرع بالتنقيح الجديد عبارة (العمد ) le dol

فالخوف من التتبع الجزائي بسبب كل قرار إداري قد يدفع الموظف إلى التردد والامتناع عن اتخاذ المبادرات، وهو ما ينعكس سلبًا على حسن سير المرفق العام. لذلك حرص المشرع على أن يجعل من استغلال الوظيفة لتحقيق منفعة غير مشروعة الركن الجوهري للجريمة، لا مجرد وقوع خسارة أو ضرر.

إن التمييز بين الخطأ الإداري والجريمة الجزائية يمثل إحدى أهم ضمانات دولة القانون، لأن العدالة الجنائية لا تُبنى على النتائج وحدها، وإنما على ثبوت الفعل الإجرامي بكافة أركانه، وفي مقدمتها سوء النية والقصد الجنائي.
لذلك أكدت محكمة التعقيب بموجب القرار التعقيب
الصادر بتاريخ 23 سبتمبر 2025، القضية عدد 83627

* أن التنقيح الجديد للفصل 96 ضيّق من مجال التجريم، وأن حسن النية هو الأصل، ولا تنهض الجريمة إلا إذا ثبت تعمد استغلال الصفة لتحقيق فائدة غير مشروعة أو إلحاق ضرر بالإدارة، بما يميزها عن مجرد الخطأ الإداري أو العفوي.

الإيداع النقدي كوسيلة للتمويه: متى يتحول النقد من وسيلة دفع إلى قرينة على غسل الأموال؟تثير الحيثيات الواردة في الحكم محل...
13/08/2026

الإيداع النقدي كوسيلة للتمويه: متى يتحول النقد من وسيلة دفع إلى قرينة على غسل الأموال؟

تثير الحيثيات الواردة في الحكم محلّ التعليق مسألة دقيقة في جرائم غسل الأموال، وهي العلاقة بين حجم الأموال المتداولة نقداً، وطريقة إيداعها، وإمكانية تتبع مصدرها ومسارها اللاحق.

فقد اعتبرت المحكمة أن قيام المتهمين بإيداع مبالغ نقدية هامة بحساباتهم البنكية المختلفة، بصورة تجعل تتبع مصدر الأموال أمراً متعذراً، فضلاً عن صعوبة تحديد وجهتها بعد سحبها والأطراف المستفيدة منها، يمكن أن يحقق إحدى صور غسل الأموال باعتبار أن هذه الطريقة تمثل أسلوباً لتمويه مصدر المال النقدي.

وهنا تكمن أهمية هذا التوجه القضائي.

فالمشرّع التونسي لم يحصر غسل الأموال في عملية معقدة أو في تحويلات دولية أو شركات وهمية، بل وسّع نطاق التجريم ليشمل، صراحة، إيداع الأموال أو إخفاءها أو تمويهها أو إدارتها أو إدماجها أو حفظها، متى توفرت بقية عناصر الجريمة والقصد الجرمي.

لكن السؤال الأهم هو:

هل كل إيداع نقدي كبير يمثل غسل أموال؟

الجواب: لا.

وهذه نقطة أساسية في الدفاع وفي التطبيق القضائي.

فالإيداع النقدي، مهما كان حجمه، لا يصبح بمفرده جريمة غسل أموال. وإنما تكتسب العملية دلالتها الجزائية عندما تنضم إليها مجموعة من القرائن المتساندة: غياب التفسير الاقتصادي المقبول، عدم التناسب بين الأموال والنشاط المعلن، تعدد الحسابات، تكرار الإيداعات، استعمال النقد بكثافة، سحب الأموال بسرعة، استحالة تحديد المستفيد النهائي، أو وجود سلوك يهدف إلى قطع الصلة بين المال ومصدره الحقيقي.

وهنا ننتقل من مجرد الإيداع إلى مفهوم التمويه.

فالتمويه لا يعني فقط إخفاء المال مادياً، وإنما قد يتحقق من خلال خلق مسار مالي يجعل الوصول إلى المصدر الحقيقي للأموال أو المستفيد النهائي منها أمراً بالغ الصعوبة.

وبعبارة أخرى:

قد يكون المال ظاهراً في الحساب البنكي، لكن مصدره يظل مخفياً.

وهذه هي المفارقة التي تستحق التوقف عندها.

فإدخال الأموال إلى النظام البنكي لا يعني بالضرورة إضفاء المشروعية عليها؛ بل قد تكون العملية، في ظروف معينة، جزءاً من عملية غسل الأموال نفسها، إذا كان الغرض منها قطع الصلة بين المال ومصدره غير المشروع.

والفصل 92 لا يجرّم مجرد التعامل بالنقد، وإنما يستهدف الفعل القصدي الذي يرمي إلى التبرير الكاذب للمصدر غير المشروع أو إلى إيداع الأموال أو إخفائها أو تمويهها وغيرها من الأفعال التي حددها القانون.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية للحيثية الواردة في الصورة ليست في القول إن “الإيداع النقدي = غسل أموال”، وإنما في إبراز أن طريقة استعمال النقد يمكن أن تتحول إلى وسيلة تمويه عندما تكشف ظروف العملية عن إرادة فصل الأموال عن مصدرها الحقيقي وعن المستفيد النهائي منها.

ومن زاوية الدفاع، تبقى المسألة الأكثر أهمية هي مطالبة جهة الاتهام والقضاء ببيان:

ما هو مصدر الأموال؟
ما هي القرائن التي تثبت عدم مشروعيته؟
ما هو الفعل المادي الذي يشكل التمويه؟
وأين يتجسد القصد الجنائي؟

لأن خطورة التوسع في مفهوم غسل الأموال تكمن في تحويل الاشتباه في طريقة التعامل بالنقد إلى إدانة جزائية دون تفكيك عناصر الجريمة وإثباتها من خلال قرائن متماسكة.

الخلاصة:

ليس كل مال نقدي مشبوهاً، وليس كل إيداع نقدي غسلاً للأموال.

لكن عندما يصبح الإيداع النقدي المتكرر والكبير، وتعدد الحسابات، وصعوبة تتبع المصدر والوجهة والمستفيد النهائي، جزءاً من منظومة سلوكية متكاملة هدفها تمويه الحقيقة المالية، فإن العملية قد تدخل في نطاق الفصل 92 باعتبارها إحدى صور غسل الأموال.

في جرائم غسل الأموال، لا يكفي أن نسأل: أين وُضع المال؟
بل يجب أن نسأل: من أين جاء؟ ولماذا أُودع بهذه الطريقة؟ وإلى أين ذهب؟ ومن المستفيد الحقيقي منه؟



#التمويه



Address

Immeuble Golden Towers Bloc B 5ème étage Bureau N° B5-1 Centre Urbain Nord
Tunis

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Maître Walid Arfaoui posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share