08/08/2026
إلى كلّ من يهمه أمر الأولمبياد العالمية للرياضيات
انتهت منذ عدة أيام الدورة 67 للأولمبياد العالمية للرياضيات التي وقع تنظبمها بمدينة شنغهاي بالصين من 10 إلى 21 جويلية 2026 وقد شاركت تونس في هذه الدورة بستة تلاميذ من التعليم الثانوي وقد تُوّج تلميذان بالميدالية البرونزية ( محمد كريم بوعلاق ( 2علوم) وياسين بوميزة ( 4 رياضيات) وتُوّج تلميذ ب"ملاحظة مشرّف" ( يوسف حليم العجمي ( 3 رياضيات)) ، حيث توصّل إلى الحصول على العلامة الكاملة في إحدى المسائل.
بهذه المناسبة أودّ أن أعود بالتفصيل إلى تطور مشاركة بلادنا في هذه المسابقة العلمية المرموقة، مع التأكيد على أنّ الهدف من هذه التدوينة ليس الرد على التعليقات والانتقادات التي تتجدد بعد كلّ مشاركة وإنما المساهمة في إضفاء قدر من الموضوعية على النقاش وذلك بالاستناد إلى الأرقام و الوقائع ، خاصة وأنه هناك من اقتصر على فترة واحدة ( 1981-1992) واعتبرها المعيار الوحيد لإصدار أحكام على كل المشاركات اللاحقة و لمسيرة امتدت إلى أكثر من 35 سنة. وحسب رأيي المتواضع لا يجوز علميًا اختيار فترة زمنية انتهت منذ أكثر من ثلاثين سنة ثم تعميم نتائجها على واقع مختلف تمامًا. فالتقييم الموضوعي يقتضي دراسة جميع المشاركات منذ سنة 1981 إلى اليوم، مع مراعاة تطور عدد الدول المشاركة، ومستوى المنافسة، والإمكانات المتاحة لكل بلد.
قراءة في نتائج تونس بالأولمبياد العالمية للرياضيات: بين الأرقام والحقائق
شاركت تونس لأول مرة في الأولمبياد العالمية للرياضيات سنة 1981، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت من أوائل الدول الإفريقية والعربية التي واظبت على الحضور في هذه التظاهرة العلمية العالمية ( رغم بعض الانقطاعات في بداية المشاركات ( 1992-1999 ، 2005-2008 ) وقد بلغ عدد مشاركات بلادنا إلى اليوم 35 مشاركة، وهو رقم يعكس استمرارية الحضور والالتزام رغم اختلاف الظروف والإمكانات المتاحة.
وخلال هذه المشاركات حقق التلاميذ التونسيون إنجازات مشرفة تمثلت في:
• ميدالية ذهبية واحدة : نادر المصمودي (1992)
• 6 ميداليات فضية: أحمد عباس (1989) – شيراز العتيري (1990) – أمين مراكشي (2010) – مهدي خياش (2012) – يوسف مراكشي ( 2020 و 2021) .
• 21 ميدالية برونزية : نزار لحياني (1985) – الصادق قلال (1985) – رؤوف بن حليمة (1986) – كراي خضار (1988) – عماد الغربي ( 1988)- أحمد عباس (1988)- سليان بن حامد (1990) - وليد بن عامر (1991) – نادر المصمودي (1991) – سليم الجمل (1992)- نضال السماوي (2001) – بيرم الخلفاوي (2009) – محمد سليم كمون (2011) –زهير الفرشيو (2013 و20215) – خليل ميري (2017)- علاء بوصفارة (2021) –ادم بيزيد (2023) – ياسين شبيل (2024)- محمد كريم بوعلاق (2026) – ياسين بوميزة (2026).
• 56 ملاحظة شرف : 13 ملاحظة مشرّف ( 1981-2010 ) -43 ملاحظة مشرّف (2011-2026).
وتجدر الإشارة أنّ نظام الأولمبياد في دوراته الأولى لم يكن يتيح إسناد "ملاحظة مشرّف" لمن توصل إلى الحصول على العلامة الكاملة في إحدى المسائل. وقد حقق عدد من المشاركين العلامة الكاملة في إحدى المسائل ولم يقع ذكرهم على قائمة المتحصلين على "ملاحظة مشرّف" ، أمثال : ناضم مزيو وفاتن الزغل ( سنة1982) - مهدي عبودة و أنيس علوش (سنة 1986).
من المهم التذكير أنّ نظام توزيع الميداليات في الأولمبياد العالمية للرياضيات يختلف عن بعض المسابقات الأخرى. فهو لا يعتمد على عدد ثابت من الميداليات و إنما يخضع لقواعد محددة . فالمبدأ العام هو أن يحصل نصف المشاركين على ميداليات. في حين يتم توزيع الميداليات بين ذهبية وفضية وبرونزية بنظام السدس والثلث والنصف بالنسبة لكلّ الميداليات الموزعة. ويتحصّل كلّ مشارك، توصل إلى الحصول على العلامة الكاملة في إحدى المسائل الستة المطروحة، على "ملاحظة مشرّف".
إنّ كل ميدالية أو ملاحظة شرف تحصّل عليها تلميذ تونسي نافس أفضل العقول الشابة في العالم، تمثل إنجازًا شخصيًا وعلميًا له ويستحق كل التقدير والاحترام ولا يجوز التقليل من قيمته أو التشكيك في جهود من تحصّل عليها. لكن عدد الميداليات و المعلقات الشرفية وحدها لا يكفي لفهم حقيقة هذه المنافسة التي تتطور من دورة إلى أخرى، نتيجة عوامل عديدة، من بينها :
• تزايد عدد الدول المشاركة من سنة إلى أخرى. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، كان عدد الدول المشاركة خلال السنوات 1981 – 1992 يتراوح بين 27 و 56 بلد، بينما استقر معدل البلدان المشاركة خلال السنوات 2011-2026 في حدود 105 بلد وفي دورة 2026 الأخيرة وصل عدد البلدان المشاركة إلى 117 بلد.
• تطور متسارع في نوعية وصعوبة المسائل المطروحة (على سبيل المثال تواجد قار لمحور التركيبات في كل الدورات منذ سنة 2013).
• تطور مستوى الجيل المشارك وظهور استثمارات ضخمة في مدارس الأولمبياد، تتبعها الدول المتقدمة في هذا المجال، مثل الصين والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وسنغافورة وروسيا واليابان و ايران.
تحية وتقدير للأساتذة المؤطرين
إن الوفاء لتاريخ هذه المشاركات يقتضي التوجه بالتحية والتقدير إلى كل من تطوع و ساهم في صقل مواهب أبنائنا وإعدادهم لمثل هذه التظاهرات العلمية و نخص بهذا التقدير الأساتذة المؤطرون وكلّ من تحمل مسؤولية ضمن مختلف البعثات الرسمية ، سواء من غادرونا إلى دار البقاء، رحمهم الله، أو من لا يزالون يواصلون العطاء في مجالات الرياضيات. فقد ترك كل واحد منهم بصمته في هذه المسيرة، وساهم في بناء رصيد تونس في الأولمبياد العالمية للرياضيات.
ووفاءً لكل من تحمل مسؤولية خلال البعثات الرسمية عبر مختلف الدورات، أعتز بذكرهم :
إبراهيم المبروك ( رحمه الله ) – الناصر المناعي ( رحمه الله) – سيف الدبن السنوسي – جعفر بني يزيد – علي الرحموني ( رحمه الله) – صالح المرزوقي – محسن بن عبد الله – رؤوف ثابت - شكري بن جديدية – مراد خشارم – عبد الرحمان الميموني -توفيق شرّادة.
دور الجمعية التونسية للعلوم الرياضية و الجمعيات المماثلة في مسيرة الأولمبياد العالمية للرياضيات
من المهم، عند تقييم مسيرة تونس في الأولمبياد العالمية للرياضيات، ألا نغفل على الدور التاريخي الذي قامت به الجمعية التونسية للعلوم الرياضية منذ انطلاق المشاركة التونسية الأولى سنة 1981. فقد تحملت الجمعية، عبر عقود، مسؤولية الإعداد والمساهمة في تنظيم ومتابعة هذه المشاركات، في مرحلة كانت فيها ثقافة الأولمبياد الرياضية ما تزال في بداياتها في تونس.
لقد مثلت الجمعية إطارًا علميًا احتضن جهود عدد من الأساتذة والمولعين بالرياضيات، وساهمت في اكتشاف التلاميذ المتميزين، وتنظيم الاختبارات، وتوفير التأطير العلمي والتدريب الضروري للمترشحين للمشاركة في الأولمبياد العالمية. كما شكلت حلقة وصل بين الكفاءات الوطنية والهيئات الدولية المشرفة على هذه المسابقات.
ولا يمكن الحديث عن تاريخ المشاركة التونسية في الأولمبياد العالمية للرياضيات دون التنويه بالدور الذي قام به الأستاذ السيد البشير كشوخ، الرئيس السابق للجمعية التونسية للعلوم الرياضية، الذي واكب هذه المسيرة لسنوات طويلة، وساهم في مؤازرة الوفود التونسية وتوفير الظروف الملائمة للمشاركة في هذا المحفل العلمي العالمي.
أنّ مسيرة تونس في الأولمبياد العالمية للرياضيات لم تكن لتتواصل لأكثر من أربعة عقود لولا التنسيق التي وجدته الجمعية التونسية للعلوم الرياضية من جمعيات علمية أخرى ذات صلة بالرياضيات وأخص بالذكر الجمعية التونسية لمسابقات و ثقافة الرياضيات ( منذ سنة 2013) و الجمعية المتوسطية للعلوم الرياضية (في السنوات الأخيرة) ، خاصة من خلال التنسيق في مراحل انتقاء المترشحين و تكوينهم.
الخاتمة
إنّ مسيرة تونس في الأولمبياد العالمية للرياضيات منذ أول مشاركة سنة 1981 تمثل رصيدا علميا وتاريخيا يستحق التقدير وقد ساهمت فيه أجيال من التلاميذ و المؤطرين و الجمعيات العلمية.
غير أنّ هذا الاعتزاز بما تحقق لا يتعارض مع أبدا مع مبدأ التقييم و النقد البناء. فكل ّ منظومة مطالبة بالتطور ومراجعة طرق عملها حتى تواكب النسق المتسارع في مجال الأولمبياد.
من هذا المنطلق، أصبح من الضروري التفكير بجدية في إحداث لجنة وطنية لأولمبياد الرياضيات ، تكون إطارا مؤسساتيا يجمع كل الأطراف المعنية بأولمبياد الرياضيات من جمعيات علمية و خبراء ومؤطرين.
إنّ إحداث مثل هذه اللجنة لا يهدف إلى تعويض الجهود السابقة، بل إلى تثمينها و تنظيمها في إطار يضمن الاستمرارية و النجاعة و يساهم في الارتقاء بنتائج بلادنا في هذا المجال عبر وضع استراتيجية وطنية
لاكتشاف المواهب ورعايتهم والاستفادة من تجارب الدول التي حققت نتائج متقدمة في أولمبياد الرياضيات.
توفيق شرّادة
رئيس الجمعية التونسية للعلوم الرياضية