18/07/2026
تُعتبر محافظة دير الزور، الواقعة في شرق سوريا، من أكثر المناطق التي عانت وتكبدت خسائر هائلة على مدار السنوات الماضية. فرغم غناها بالثروات الطبيعية كالنفظ والغاز، والموارد الزراعية نتيجة مرور نهر الفرات بها، إلا أن "الفساد" بات يشكل عقبة حقيقية تلتهم هذه الخيرات وتحرم أبناء المحافظة من أبسط حقوقهم العيشية والتنموية.
في هذه المقالة، نسلّط الضوء على واقع الفساد في دير الزور، أشكاله، تداعياته، والسبيل الممكن للحد منه.
# # أشكال الفساد وتجلياته في المحافظة
يتخذ الفساد في دير الزور أشكالاً متعددة تغلغلت في مفاصل الحياة اليومية للمواطنين، ومن أبرزها:
* **المحسوبية والوساطة (الواسطة):** أصبحت المحسوبية هي المعيار الأساسي لتولي المناصب الإدارية أو الحصول على وظائف، بدلاً من الكفاءة والخبرة. هذا الأمر أدى إلى تراجع أداء المؤسسات الخدمية وتعيين أشخاص غير مؤهلين لإدارة شؤون المواطنين.
* **نهب وتهريب الثروات الوطنية:** تُعد دير الزور خزان سوريا النفطي، ومع ذلك، فإن عمليات تهريب النفط والمتاجرة غير المشروعة بالمشتقات النفطية والغاز تجري على قدم وساق، حيث تذهب العائدات لجيوب شبكات مصالح ضيقة وحلقات نفوذ بدلاً من توجيهها لإعادة إعمار البنية التحتية.
* **الفساد في القطاع الإغاثي والإنساني:** تشتكي الكثير من العائلات في دير الزور من التلاعب في توزيع المساعدات الإنسانية والسلع المدعومة. حيث يتم تحويل جزء كبير من هذه المعونات لتباع في الأسواق السوداء، أو تُوزع بناءً على الولاءات الشخصية والعائلية.
* **ابتزاز المواطنين وتردي الخدمات:** يواجه السكان عقبات يومية متمثلة في دفع الرشاوى لتسيير المعاملات الرسمية أو للحصول على الخدمات الأساسية كالكهرباء، والماء، والمحروقات التموينية (مثل مازوت التدفئة والغاز المنزلي).
تداعيات الفساد على المجتمع والدولة
لم تقتصر آثار الفساد في دير الزور على الجانب المالي فقط، بل امتدت لتضرب عمق الاستقرار المجتمعي:
1. تفاقم الفقر والبطالة:مع غياب العدالة في توزيع الثروات والفرص، ارتفعت معدلات الفقر بشكل حاد، واضطر الكثير من الشباب للهجرة بحثاً عن لقمة العيش خارج المحافظة أو خارج البلاد.
2. انهيار البنية التحتية والخدمات:تشهد شبكات المياه والكهرباء والقطاع الصحي تدهوراً مستمراً. المستشفيات العامة تعاني من نقص حاد في المعدات والأدوية، بينما يزدهر القطاع الخاص المستغل لحاجة الناس.
3.تآكل الثقة في المؤسسات:خلق الفساد حالة من الإحباط واليأس لدى السكان المحليين، وفجوة انعدام ثقة عميقة بين المواطن والجهات الإدارية والخدمية المسؤولة.
سبل المواجهة والحلول المقترحة
إن القضاء على الفساد في منطقة معقدة مثل دير الزور يتطلب إرادة حقيقية وخطوات ملموسة على الأرض، منها:
تفعيل الرقابة والمحاسبة:إنشاء لجان رقابية مستقلة وشفافة تتابع عمل المؤسسات الخدمية والنفطية، ومحاسبة الفاسدين مهما كانت مناصبهم أو الجهات التي تدعمهم.
اعتماد معيار الكفاءة:إصلاح الجهاز الإداري عبر اختيار المسؤولين والموظفين بناءً على الكفاءة والنزاهة والشهادات العلمية، بعيداً عن المحاصصة العشائرية أو النفوذ العسكري.
إشراك المجتمع المحلي:تمكين أبناء دير الزور ومنظمات المجتمع المدني المحلية والمستقلة من الإشراف على توزيع المساعدات وإدارة المشاريع التنموية، لضمان وصولها إلى مستحقيها الفعليين.
شفافية العائدات:تخصيص جزء ثابت ومعلن من عائدات النفط والغاز لتنمية المحافظة، وإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات وشبكات الري الزراعي التي تعتمد عليها آلاف العائلات.
خاتمة الكلام إن دير الزور، بأصالتها وتاريخها وثرواتها، تستحق واقعاً أفضل بكثير. والفساد ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة لغياب المحاسبة وفوضى الحرب. إنقاذ المحافظة يبدأ من الاعتراف بحجم المشكلة ووضع مصلحة المواطن الديري فوق كل اعتبار مادي أو سلطوي ضيق.