25/05/2026
العيد الكبير .. عيد الأضحى في مدينة حماة
بقلم الدكتور موفق أبوطوق
هكذا كنا نسميه ونحن أطفال، ولا أدري إن كانت هذه التسمية خاصة بمدينتنا أو بلدنا، أم إن بلداناً إسلامية أخرى تطلق عليه التسمية ذاتها .. على كل حال، فقد كان للعيد الكبير، أعني (عيد الأضحى)، نكهة خاصة وسمات مميزة.
فهو كبير لأن عدد أيامه (أكبر) من عدد أيام العيد الصغير (عيد الفطر)، فعيد الأضحى يمتد على مدى أربعة أيام، بينما عيد الفطر يقتصر على أيام ثلاثة، ويوم عيد إضافي بالنسبة لنا كأطفال كانت له قيمته الكبرى، ومكانته رفيعة. وهذا العيد يأتي بعد فترة قصيرة نسبياً من عيد الفطر المبارك.
ومما يميز هذا العيد، التكبيرات التي تؤدّى عقب كل صلاة. والعيد الكبير معروفاً موعده قبل قدومه بأيام، على اعتبار أنه يأتي في اليوم العاشر من الشهر الهجري، بينما عيد الفطر مشكوك بموعد قدومه، وأحياناً لا يُدرَك إلا في الهزيع الأخير من الليل، على اعتبار أنه يرتبط برؤية قمر شوال، وأحياناً لا تثبت الرؤية مباشرة بل لابد من مزيد من التحري، ومزيد من الاستماع إلى عدد من الشهود، ومن مدن مختلفة.
وهذا العيد، هو عيد الأضحيات، وقد كنا نذهب يوم الأضحية إلى بيت من بيوتات أقربائنا، كنت أذهب مع أخوتي ونحن نحمل سلالاً خاصة، فيجلسوننا نحن الصغار على دَرَج مرتفع يمكّننا من مشاهدة مراسيم ذبح الأضحية، ثم يقف الكبار أمام الأضحية (وغالباً ما تكون بقرة أو ما شابه) ويبدؤون بالتكبير ونحن نحاول تقليدهم ..
ثم ينحر لحّام ماهر الأضحية بسكين حادة كالشفرة، كي لا تتعذب قبل أن تفارق الحياة، بعدئذ يقوم بسلخها وتقطيعها ثم تقسيمها إلى حصص متساوية، فتأخذ كل عائلة حصتها، ونعود إلى بيوتنا بعد أن شاهدنا تطبيق السُنّة بأم أعيننا.
والعيد يأتي قبل عودة مواكب الحجيج بأيام معدودة، فبعد انتهاء عيد الأضحى المبارك، تبدأ قوافل الحجاج بالعودة إلى مدينة حماة، وقد كانت لعودتهم أعراس لا أحلى ولا أجمل، تبدأ بالزينة التي تشمل الحيّ، وتضم الأعلام الملونة والرايات المزركشة والأقواس الخضراء.
ثم تنتقل الأمور إلى مرحلة السؤال والاستفسار عن موعد قدوم الطائرة أو الحافلة التي سافروا على متنها، ثم تنتقل إلى إعداد مجموعة من المركبات والشاحنات والسيارات الصغيرة لاستقبالهم في ظاهر المدينة، ثم تنتقل إلى قدوم الحاج إلى بيته في موكب مهيب واستقباله من قبل الأهل والجيران بمسيرات حاشدة وهتافات خاصة تميز هذه المناسبة .. وتعيش الحارة بكاملها أفراحاً تقارب أياماً ثلاثة بلياليها.
أولى بشائر العيد الكبير، تبدأ بتكبيرات العيد من مآذن المساجد والجوامع، وذلك قبيل أذان العصر بقليل من يوم (الوقفة)، كنا نهرع إلى الجامع القريب من حينا، لنشارك الأطفال الآخرين في ترديد تكبيرات العيد، وقد غمرتنا فرحة لا توصف، وسعادة لا تقدر.
في المساء، وقبل أن ننام، تعمد الأم أو الأخت الكبيرة إلى إعداد الحنّاء، حيث يوضع في (طاسة) خاصة، ثم يعجن بإتقان، ونجلس نحـن في انتظار دورنا، وعندما يحين، يمد كل منا يده، فتوضع كتلة صغيرة من الحنّاء على باطن الكف، ثم يطلب منه إطباقها، لتوضع كتلة أخرى على ظهور الأصابع، بعدئذٍ تُربط اليدان ربطاً محكماً بقطعة قماش نظيفة، ثم يُسمَح لنا بالنوم بعد يوم حافل، ونحن في الصباح على موعد مع اللون الجميل والرائحة الزكية.
يبدأ صباح العيد بطلقات المدفع، ويذهب الرجال بعد صلاة العيد إلى المقبرة القريبة لزيارة أضرحة الموتى، ثم يعودون إلى البيوت لتناول طعام الإفطار الذي يكون مميزاً في ذلك الصباح، بعدئذ ينطلقون وهم يرتدون حللهم الجديدة لزيارة الأقارب، كل عائلة تمشي مجتمعة يتقدّمها عميد العائلة.
وكانت أكثر (المشاوير) تتم مشياً على الأقدام نظراً لقصر المسافات في تلك الأيام، وكنا نلتقي في الطريق عائلات أخرى تسير على النسق نفسه، فنتبادل وإياها التهنئة بالعيد، تماماً كما كنا نفعل في العيد السابق.
الأقارب ينتظروننا بفارغ الصبر، كل بيت أعد العدّة لاستقبال ضيوفه، السكاكر توزع بسخاء، والحلوى تقدم للجميع، والكبار يجلسون مع بعضهم يتسامرون ويتداولون أمور الساعة، والصغار يلعبون مع بعضهم بألعاب تخص العيد وفي مقدمتها المفرقعات وركوب أراجيح العيد القريبة.
وعلى ذكر (الأراجيح)، كانت هناك منطقة معروفة في حماة اسمها (جورة حوا)، وهي ساحة واسعة خالية من السيارات والمركبات، وكانت تُنْصَب فيها ألعاب الأطفال المعهودة في تلك الأيام (دوخانة ، ناعورة ، منجنيق ، سرير الكسلانة)، وإذا لم يقم الطفل بزيارة ساحة حي (جورة حوا)، فهذا يعني أن عيده ناقص لم تكتمل الفرحة به.
اللحم سيد الموائد في أيام العيد، يتناوله الغني في بيته، ويتناوله الفقير في بيته أيضاً، فحِصصه من الأضحيات التي ينحرها الأغنياء، تصل إلى بيته تباعاً، وبما يكفي لإشباعه وإشباع عائلته ..
الفرح يغمر الجميع، التواصل الاجتماعي مستمر بين الجميع، قلّما تجد إنساناً متجهاً، أو لا تعلو شفتيه ابتسامة، هذا هو العيد، لقد جاء ليسعد كل الناس.