04/06/2026
يحكى أنه في أيام الاحتلال الإنجليزي للهند، شعرت الحكومة البريطانية أن أعداد ثعابين الكوبرا زادت بشكل مرعب في شوارع دلهي. ولحل هذه المشكلة، قرروا تقديم مكافأة مالية لأي مواطن هندي يجلب ثعبان كوبرا ميت. في الأول، سارت الخطة بشكل ممتاز وبدأت الأعداد تقل فعلياً، ولكن بعد فترة، بدأ الهنود يفكرون في سرهم: "لماذا لا نربي هذه الثعابين في البيوت ونقتلها ثم نذهب لنأخذ المكافأة؟". وبالفعل قاموا بذلك، وعندما اكتشف الإنجليز هذه الخدعة ألغوا المكافأة فوراً، فلم يسكت الهنود وقاموا بفتح الأقفاص وإطلاق كل الثعابين التي كانوا يربونها لتسرح في الشوارع، فصارت أعداد الثعابين أضعاف أضعاف ما كانت عليه قبل أن يفكر الإنجليز في هذه الحملة. تُعرف هذه القصة في علم الاقتصاد باسم "تأثير الكوبرا"، وهذا بالملي ما فعلته أمريكا في حرب التكنولوجيا مع الصين؛ حيث شعرت بالخطر فعملت مبادرات وقوانين لطرد العلماء الصينيين وحظر الشركات الصينية وقفل التكنولوجيا عنها، وظنت أنها تقتل الكوبرا، لكن النتيجة كانت كابوساً على أمريكا ومعجزة استفاد منها العالم الصيني "جاهوي تشاو" الذي تحول مؤخراً إلى ملياردير جديد.
▪️ وسط حرب تكسير العظام الدائرة الآن بين أمريكا والصين على شرائح الذكاء الاصطناعي، والتي تأخذ كل الاهتمام في عناوين الأخبار، هناك جبهة ثانية تُدار في الظل بعيداً عن هذه الضوضاء. هذه الجبهة تتمحور حول قطعة سيراميك صغيرة تتحكم في كل شيء تقريباً في الطفرة التكنولوجية الحالية، من سيرفرات مراكز البيانات وحتى السيارات الكهربائية، وهي تكنولوجيا استطاعت الصين مؤخراً قطع شوط كبير فيها وتحقيق اختراق حقيقي. الكل يركز حالياً على قدرات "Nvidia" وتصنيع "TSMC" وآلات "إيه إس إم إل" وأسعار أسهمهم التي ضربت في السماء، ويسألون إن كنا سنستمر بنفس سرعة النمو والتطور، لكن خلف المشهد توجد معضلة أكبر؛ وهي أن العالم بنى ذكاءً اصطناعياً أسرع بكثير مما يمكن للكهرباء تشغيله. شريحة إنفيديا الجديدة "بلاك ويل" الراك الواحد منها يحتاج كهرباء تعادل ما تسحبه عمارة سكنية كاملة تضم 30 شقة بتكييفاتها، وتدريب نموذج واحد من نماذج "جي بي تي" الأخيرة يستهلك طاقة تكفي لإضاءة مدينة كاملة بشوارعها وبيوتها لمدة شهرين كاملين.
▪️ هذا الاستهلاك المرعب خلق الأزمة الحقيقية التي يشعر بها العالم اليوم، فهناك مليارات الدولارات تُستثمر في مراكز البيانات، ونصف المنشآت تقريباً التي كان مفترضاً أن تشتغل واقفت ومؤجلة لسبب واحد: عدم القدرة على توصيل الكهرباء إليها. الأزمة ليست في عدم وجود محطات توليد، بل في الكابلات ومحولات الشبكة في الشوارع التي لا تستحمل ضغط وسحب الذكاء الاصطناعي، وإذا ضُخت فيها هذه الطاقة ستحترق الشبكة. هنا تبرز مادة "السيليكون كربايد" (SiC) التي تُصنع منها شريحة إدارة الطاقة، والتي بدونها لن تعطي شريحة إنفيديا الأداء المطلوب. السيليكون العادي الذي يُصنع منه 95% من شرائح العالم مثل الزجاج إذا حملت عليه طاقة أو حرارة زائدة سينكسر ويهدر من 8 إلى 12% من الطاقة على شكل حرارة، أما السيليكون كربايد فيتحمل حرارة وجهداً أعلى بثلاث مرات تقريباً ويقلل الخسارة لأقل من 2 إلى 4%، أي بكفاءة تحويل طاقة تصل لـ 98%. هذه المادة هي التي جعلت السيارات الكهربائية ممكنة وزادت مسافتها من 6 إلى 10% بنفس البطارية، وهي الفكرة التي لقطتها شركة "تسلا" وطبقتها في "موديل 3" عام 2018 وجرى خلفها العالم كله، واليوم انتقلت هذه التكنولوجيا لمراكز البيانات والطلب عليها أصبح غير طبيعي.
▪️ حتى وقت قريب، كان هذا السوق محتكراً ومقفولاً على شركتين من أمريكا هما "Wolf Speed" و"Coherent"، لكن مؤخراً انقلبت المعادلة تماماً، وصارت الشركة رقم واحد في العالم في إنتاج هذا النوع من الرقائق شركة صينية اسمها "Ebi World" (EpiWorld)، متفوقة على أمريكا وأوروبا واليابان وتحت يدها 32% من السوق العالمي لوحدها كأكبر شركة من حيث المبيعات السنوية في عام 2024. هذه الشركة الصينية عمرها صغير جداً مقارنة بالكبار، وعند البحث وراء قصتها نجد العالم الصيني "جاهوي تشاو" البالغ من العمر 66 عاماً، والذي قضى ما يقرب من 33 سنة كاملة في أمريكا. ولد عام 1960 في إقليم فوجيان الصيني، وأخذ البكالوريوس في الفيزياء عام 1982، ثم سافر لأمريكا ودخل جامعة "كارنيجي ميلون" (واحدة من أعتى جامعات الهندسة في العالم) وأخذ منها الدكتوراه في الهندسة الكهربائية والكمبيوتر عام 1988، ليصبح بعدها أستاذاً في جامعة "روتجرز" الأمريكية. لم يكن مجرد دكتور يدرس، بل كان يؤسس ويدير بنفسه معمل "السيليكون كربايد"، وهو أول عالم من أصل صيني يحصل على لقب (IEEE Fellow) بسبب أبحاثه في هذه المادة تحديداً، وهو وسام يعتبر بمثابة الأوسكار للمهندسين على مستوى الكوكب.
▪️ كان لديه كل ما يتمناه أي حد؛ سمعة أكاديمية، معمل باسمه، وطلبة دكتوراه تحت يده في أغنى دول العالم، ورغم ذلك في عام 2011 اتخذ قراراً غريباً وساب كل هذا ورجع الصين وأسس شركة صغيرة اسمها "إيبي ورلد". السبب أن الصين عرضت عليه عرضاً سخياً وتمويلاً مفتوحاً، وكان يريد تحويل أبحاثه لتطبيقات تجارية وهو ما كان صعباً في أمريكا في هذا المجال الدقيق لوجود العمالقة المحتكرين. لكن ورغم الدعم، اصطدم بحائط سد لأن الصناعة المتقدمة تحتاج عقولاً وخبراء تقال جداً، وهذه الكفاءات كانت مستقرة في أحسن معامل أمريكا ولم يكن أحد مستعداً لترك أمريكا والمغامرة في بلد يخطو خطواته الأولى، فظل من 2011 إلى 2018 شبه شغال لوحده وتعاني شركته لإيجاد باحثين، وكان المشروع مهدداً بالفشل. لكن أمريكا بغباء أحد مبادراتها حلت له المشكلة وقدمت له ما يريد على طبق من ذهب؛ ففي 2018 أطلقت إدارة ترامب "مبادرة الصين" عبر وزارة العدل لمكافحة التجسس الصناعي بناءً على شكوك بنقل أسرار للصين.
▪️ وجهت وزارة العدل الأمريكية تهم جنائية لـ 148 شخصاً خلال فترة المبادرة، 88% منهم من أصول صينية أو آسيوية، وأقل من ربع القضايا انتهى بإدانة فعلياً، ومعظم هذه الإدانات لم تكن تجسساً بل مخالفات إدارية صغيرة مثل إغفال ذكر منحة أو حساب بنكي. أما القضايا الكبيرة التي أقيمت لها مؤتمرات صحفية فسقطت في المحاكم واحدة تلو الأخرى، لكن التاثير النفسي على الأمريكيين من أصل صيني كان مدمراً؛ مثل حالة "أنمنج هو" أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة تنسي الذي قُبض عليه في 2020 وتشهر به، وفي المحكمة اعترف عميل الـ FBI المسؤول أنه كذب على الجامعة وقدم ادعاءات غير صحيحة عن علاقة وهمية للاستاذ بجيش التحرير الصيني، فتمت تبرئته في 2021 ولكن بعد أن دُمرت حياته وكرامته. وحالة "جانج تشين" الاستاذ في (MIT) ورئيس قسم الهندسة الميكانيكية وعضو الأكاديمية الوطنية للهندسة، الذي قُبض عليه في 2021 وأوقفت حياته الأكاديمية وسقطت التهم عنه في 2022.
▪️ الكارثة الأكبر تظهر في الأرقام؛ حيث نشرت دراسة في مجلة "Benas" العلمية الأمريكية عام 2023 بواسطة باحثين من برنستون وهارفارد و(MIT)، تقول إن بعد إطلاق مبادرة الصين زاد عدد العلماء الصينيين الذين تركوا أمريكا بنسبة 75%، وثلثاهم عادوا إلى الصين تحديداً. العدد التراكمي للعلماء الصينيين الذين غادروا أمريكا خلال 12 سنة وصل لـ 20 ألف عالم؛ 20 ألف عقل تدرب في أحسن جامعات العالم تحولوا في شهور وسنوات بسيطة من ثروة أمريكية لقنبلة معلوماتية انفجرت في وش الشركات الأمريكية. النتيجة الطبيعية أن مجمع الأكاديمية الصينية للعلوم أصبح رقم واحد عالمياً في تصنيف "Nature Index" عام 2024، وتقريباً 6 من أهم 10 مؤسسات بحثية في العالم أصبحت صينية. استطلاع أكاديمي كشف أن 72% من العلماء الصينيين في أمريكا صاروا يشعرون بعدم الأمان في شغلهم البحثي خوفاً من مداهمات الـ FBI والدخول في قضايا لإثبات البراءة، ففضلوا جمع حقائبهم والذهاب لمكان يحترمهم. مبادرة ترامب خدمت أهداف الصين في تجنيد العقول أكثر من أي مبادرة صينية، حتى إن علماء أمريكا يقولون إن أمريكا اشتغلت لصالح الصين دون أن تصرف الصين دولاراً واحداً.
▪️ في الجانب الآخر، كان العالم الصيني تشاو وشركته "Ebi World" يتلقفون هذه العقول؛ فبعد أن كان محتاراً في البحث عن كفاءات، وجد أمريكا ترسل له أحسن عقول العالم لحد باب مصنعه، والعلماء وجدوا شركة تفتح ذراعيها وتقدر قيمتهم. كانت الصين تملك العقول بالتكنولوجيا المتطورة، ولكن ينقص الشركات الناشئة شيئان: الفلوس والزبون الذي يشتري الإنتاج لتدور العجلة، وهنا تدخلت أمريكا للمرة الثانية وقدمت الحل على طبق من ذهب دون قصد. في 16 مايو 2019، وضعت الحكومة الأمريكية شركة "هواوي" رسمياً على القائمة السوداء ومنعت الشركات الأمريكية من بيع أي شيء لها، وكان يوماً أسود لهواوي لاعتمادها الكلي على شرائح أمريكا وبرمجيات جوجل، وقال المحللون إن هواوي انتهت. لكن هواوي صدمت الكل؛ فقبل القرار بـ 23 يوماً وكأنها كانت تشعر بالخطر، أسست كياناً جديداً اسمه "هابل تكنولوجي" برأس مال بدأ بـ 700 مليون يوان وارتفع لـ 3 مليار يوان، وظيفته أن يكون صندوق استثمار استراتيجي لبناء سلسلة إمداد صينية بالكامل للشرائح من الصفر.
▪️ على مدار 10 سنوات (من 2006 لـ 2016) عملت هواوي 14 استثماراً خارجياً فقط لالتزامها بقاعدة عدم الاستثمار في الموردين، ولكن بعد الحظر كُسرت القاعدة وعمل الصندوق 37 استثماراً في أول 26 شهراً فقط (تضاعف معدل الاستثمار 20 مرة)، ولحد الآن لديه استثمارات في 127 شركة شرائح صينية. ذكاء الصندوق لم يكن في لغبة الفلوس بل في طريقة الاستثمار؛ لم يكن يشتري حصصاً كبيرة للسيطرة بل حصصاً صغيرة من 2 لـ 10% بالعديد، واللعبة كلها كانت في عقود الشراء. يذهب الصندوق للشركة الصغيرة المليئة بالعلماء العائدين من أمريكا ويقول لهم: "سأشتري منكم كميات ضخمة من الإنتاج قد تصل لأكثر من نصف إنتاجكم"، وبهذا تضمن الشركات الصغيرة زبوناً ثقيلاً يعطيها اعتماداً كبيراً، فتبدأ باقي الشركات الصينية بالاستثمار فيها وتضرب قيمتها السوقية في السماء وتدخل البورصة الصينية مرتاحة، فيكسب الصندوق أرقاماً فلكية من حصته الصغيرة. هذا المفهوم خلق نظاماً اقتصادياً جديداً يولد العرض والطلب في نفس الوقت، وفعلياً دخلت 9 شركات على الأقل من التي استثمر فيها الصندوق إلى البورصة، والأهم من الفلوس هو بناء المورد واكتمال سلسلة التوريد المحلية لهواوي.
▪️ عندما كانت هواوي تعد قائمة احتياجاتها بعد الحظر، كانت بحاجة لكل أنواع الشرائح ومنها شريحة "السيليكون كربايد" التي كانت تشتريها سابقاً من أمريكا، وبعد الحظر لم تجد أمامها سوى العالم الصيني تشاو وشركته "إيبي ورلد" التي لم يكن أحد يراها فجأة بدأت أكبر شركات الصين تدق بابها. النتيجة المباشرة أن "إيبي ورلد" أصبحت اليوم الشركة رقم واحد في العالم في رقائق (SiC) بحصة 32% من السوق العالمي، وهي حصة أكبر من "Wolf Speed" نفسها ومن الشركات اليابانية والأوروبية. مبيعات الشركة من الويفر مقاس 8 بوصة قفزت من 285 ويفر فقط في 2023 إلى 74,666 ويفر في 2024 (تضاعف الإنتاج قرابة 26 ضعفاً في سنة واحدة)، وهو إنجاز تقني كبير واقتصادي يعطي تكلفة أقل بـ 17% في الوقت الذي تشقى فيه الشركات الأمريكية للحاق بهم. اتهمت أمريكا علماء صينيين كانوا يعملون في "Wolf Speed" وشركة "Rohm" اليابانية بنقل أسرار تقطيع رقائق مقاس 8 بوصة للصين، ولكن في الحقيقة أمريكا هي من ضيقت عليهم الخناق وهم خبراء يحملون علوم وأسرار عادوا بها لبلدهم وانضموا لفريق البحث والتطوير في "Ebi World" والشركات التابعة لهواوي وصنعوا هذه الطفرة.
▪️ في 1 أبريل 2026، طرحت شركة "Ebi World" أسهمها في بورصة هونغ كونغ وطار السهم 35% في اليوم الأول لتصل قيمة الشركة لـ 5.6 مليار دولار، وظهر اسم تشاو (الذي يملك 27% من الشركة) في قائمة فوربس كملياردير جديد بثروة صافية 1.5 مليار دولار محققاً حلمه الذي غادر من أجله عام 2011 بتحويل أبحاث معمله لمنتج وشركات ومليارات. في المقابل، شركة "ولف سبيد" الأمريكية التي تأسست عام 1987 (بعمر يقارب 40 سنة) أعلنت إفلاسها في 30 يونيو 2025، وكتبت في الأوراق الرسمية للمحكمة أن المنافسة الصينية المتزايدة كانت سبباً أساسياً للافلاس، وكل هذا كان أحد أكبر أسبابه مبادرة الصين والعقول التي غادرت، ولولا القرارات الأمريكية لما حدثت الطفرة الصينية بهذه السرعة والشكل. وفي زيارة ترامب الأخيرة للصين، كان يظن أنه يساوم من مركز قوة وأخذ معه "جونسون هوانج" (إنفيديا)، "تيم كوك" (أبل)، "إيلون ماسك"، ومسؤولين من مايكرون وكوالكوم وميتا، وكرر عرضه بأن تشتري الصين الشرائح المتقدمة (H200)، لكن الرد الصيني جاء كالصفعة: "شكراً لا نريدها"، وأعلن ترامب أن الصين رفضت الشراء، وهذه ليست المرة الأولى بل تدخلت الحكومة الصينية سابقاً وأجبرت شركاتها على عدم الشراء والاعتماد على المنتج المحلي، وهو ما يذكرنا بما فعله الإنجليز في الهند حين ظنوا أنهم يقتلون الكوبرا لكن بقراراتهم زادوا أعدادها.