20/03/2026
بيان صادر عن مطرانيّة بصرى وحوران وجبل العرب للروم الملكيين الكاثوليك
إلى أبناء وطننا الأحبّاء، وإلى أصحاب القرار في دمشق الفيحاء، مدينة التنوّع والعيش المشترك،
نتابع ببالغ الاهتمام والحرص كلّ ما من شأنه الحفاظ على النظام العامّ والسلم الأهلي في مجتمعنا السوري الأصيل، الذي لطالما تميّز بنسيجه المتآلف وانفتاحه الحضاري. ومن هذا المنطلق، توقفنا بأسف بالغ أمام القرار الأخير الصادر عن محافظة دمشق، والذي يقضي بحصر بيع المشروبات الكحوليّة في أحياء ومناطق محددة (كالقصاع وباب توما).
إننا نتفهّم تماماً حرص الجهات المعنيّة على الاستجابة لشكاوى وادعاءات بعض المواطنين بشأن تصرّفات فردية غير مسؤولة تصدر عن بعض الشباب - إذا كانت بالفعل تصدر - وما قد يرافقها من إزعاج للمارة. إلّا أنّنا نرى، وبحكمة العقل والوطنيّة، أنّ معالجة أيّ خلل أو تجاوز للقانون لا تكون بفرض قيود جماعيّة، ولا بتقليص مساحات الحريّات الشخصيّة التي كفلها الدستور، بل تكون بتفعيل دور الضابطة العدليّة، وتطبيق قوانين حفظ النظام العامّ على المخالفين أنفسهم.
إنّ هذا القرار، وإن كان ظاهره تنظيميّاً، إلّا أنّه يحمل في طيّاته فرزاً جغرافيّاً غير مقبول، يوحي بفرز ديموغرافي واجتماعي يتنافى مع تاريخ دمشق الموحد. إنّ حصر ممارسات معينة في أحياء ذات طابع ديني معين هو تقزيم لصورة العاصمة، وتحويل لأحيائها إلى جزر معزولة، وهذا أشد خطراً على مجتمعنا من أيّ تجاوز فردي.
كما لا يخفى علينا أنّ البعض قد يتّخذ من هذا القرار أو من شكاوى الإزعاج ذريعة لفرض نمط حياة معيّن باسم الدين، والدين السمح من ذلك براء. فالدين جوهره الهدايّة، والقدوة الحسنة، واحترام حريّة الإنسان وكرامته، وليس الوصاية وإكراه الناس أو التضييق على أرزاقهم وحريّاتهم. الفضيلة تُبنى في النفوس بالتربية والوعي، ولا تُفرض بعزل الأحياء وتقييد الحريات.
في هذا السياق، نستحضر الكتاب المقدّس: "إِنَّكم، أَيُّها الإِخوَة، قد دُعيتُم إِلى الحُرِّيَّة، بِشَرطٍ واحِدٍ وهو أَن لا تَجعَلوا هذِه الحُرِّيَّةَ فُرصَةً لِلجَسَد، بل بِفَضلِ المَحَبَّةِ اخدِموا بَعضُكم بَعضًا" (غلاطية 5: 13).
الله خلق الإنسان حراً، والحريّة هي هبة إلهيّة ودعوة مقدّسة لا يجوز سلبها. ولكنّ هذه الحريّة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمسؤوليّة، فلا يجوز استخدامها كغطاء لتلبية الشهوات بتهوّر أو الإساءة للآخرين، بل يجب أن تُتوّج بالمحبة وخدمة المجتمع.
بناءً على ما سبق، نناشد السيّد محافظ دمشق والجهات المعنيّة التحلّي بالحكمة المعهودة، وإعادة النظر في هذا القرار، والعمل بدلاً من ذلك على تعزيز الرقابة الأمنيّة والقانونيّة التي تمنع الشغب، وتحفظ كرامة الجميع وحريّاتهم في كلّ شبر من مدينتنا الغالية دون تمييز أو عزل.
ببركة الرب،
مطران أبرشية بصرى وحوران وجبل العرب
المكتب الإعلامي
أرجو النشر على أوسع نطاق