25/07/2026
أنجبني ليعضّ أذني: حين يصبح الجسد أرشيفًا للألم.
رواية أنجبني ليعض أذني هي الرواية السادسة للروائي السوري سلام حسين، وقد صدرت عن دار ابجديات في تونس بغلاف جميل سنة 2025.
قلّما ينجح عنوانٌ روائي في أن يسبق النص وأن يبقى يطارده حتى الصفحة الأخيرة كما يفعل عنوان (أنجبني ليعض أذني) إنه عنوان لا يطلب من القارئ أن يفهمه، بل أن يتورط فيه. فمنذ اللحظة الأولى يبدو كأنه جملة ناقصة أو اعتراف مبتور أو ذكرى مشوهة خرجت من أعماق اللاوعي. ولا يكتسب معناه الحقيقي إلا بعد نهاية الرواية، عندما ندرك أن عضّة الأب لأذن ابنه لم تكن مجرد فعل حميم بين أب وطفل، بل صارت العلامة الأخيرة التي تربط الإنسان بالعالم قبل أن يبتلعه الخراب.
هذه ليست رواية عن الإيدز، ولا عن الاغ**اب، ولا عن المرض النفسي، ولا حتى عن الحب. إنها رواية عن الوهم بوصفه قوة قادرة على إعادة تشكيل الواقع، وعن الإنسان حين يصبح سجين تأويلاته الخاصة للعالم. فكل الشخصيات، بدرجات متفاوتة، لا تعيش الحقيقة كما هي، وإنما تعيش الصورة التي تصنعها عنها.
لوكس، الشخصية المحورية، لا يبدأ سقوطه من إصابته بالجرب، بل من لحظة اقتناعه بأنه مصاب بالإيدز. الفارق بين المرضين ليس طبياً فقط، بل وجودياً. فالجرب قابل للعلاج، أما الإيدز في مخيلته فهو حكم نهائي بالموت والعزلة والنبذ. هنا تتحول الرواية إلى دراسة دقيقة لآلية اشتغال الوسواس، إذ لا ينتج الألم عن المرض، وإنما عن الإيمان المطلق بوجوده. ولهذا فإن القارئ يعيش مع لوكس تجربة وجودية كاملة، يشعر خلالها أن الوهم يمكن أن يكون أكثر فتكاً من الحقيقة نفسها.
غير أن الرواية لا تتوقف عند حدود المرض النفسي، بل تذهب أبعد من ذلك، لتطرح سؤالاً بالغ القسوة: كم من القرارات المصيرية التي نتخذها في حياتنا تكون مبنية على أوهام لم نتأكد منها؟
قرار سيما بالانفصال، وقرارها بالحمل، ثم بالإجهاض، وانهيار حياة حميد، واعتزال لوكس للعالم، كلها نتائج لحقيقة لم تكن موجودة أصلاً. وكأن الرواية تقول إن الإنسان لا يدمره الواقع، وإنما يدمره تفسيره للواقع.
من أكثر عناصر الرواية إثارة للاهتمام أن الشر فيها لا يأتي من شخصية شريرة بالمعنى التقليدي. فحتى واقد، الشخصية الأكثر ظلاماً، لا يتحول إلى وحش كاريكاتوري، وإنما يبقى إنساناً عادياً يخفي عنفه خلف مظهر الصديق. وهذا ما يجعل اغ**ابه للوكس أكثر رعباً؛ لأن الجريمة لا تأتي من غريب، وإنما من شخص منحته الضحية ثقتها.
واللافت أن الكاتب لا يحوّل حادثة الاغ**اب إلى محور سردي مباشر، بل يجعلها شبحاً يطارد الرواية بأكملها. فواقد يختفي، لكن أثره يبقى حاضراً في كل قرار يتخذه لوكس. إنه المثال الأوضح على أن بعض الشخصيات لا تحتاج إلى كثرة الظهور كي تصبح القوة المحركة للأحداث.
أما حميد، فهو ربما الشخصية الأكثر مأساوية في الرواية كلها.
إنه ليس ضحية حادثة واحدة، بل ضحية سلسلة متواصلة من الاستغلال. يبدأ الأمر باعتداء الأستاذ عواس عليه، ثم يدخل تجربة سيما التي، مهما كانت دوافعها الإنسانية، تنتهي إلى اغ**اب من نوع آخر لأنها تنتزع منه حرية الاختيار. وبين هاتين التجربتين يفقد حميد ثقته بكل من كان يفترض أن يمثل السلطة الأخلاقية في حياته: المعلم، والمربية، والمثال.
ولهذا فإن سقوطه الأخير لا يبدو انحرافاً مفاجئاً، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من الانهيار النفسي.
أما سيما، فهي أكثر شخصيات الرواية التباساً.إنها ليست ضحية كاملة، وليست مذنبة كاملة.
رغبتها في الأمومة تمنحها تعاطف القارئ، لكن الوسيلة التي تختارها لتحقيق هذه الرغبة تسلبها البراءة. وحين تُجهض الجنين بعد أن وجدت رجلاً جديداً، لا يبدو القرار مجرد حدث درامي، بل لحظة انهيار لصورة المرأة التي كانت تؤمن أن الأمومة هي المعنى الأعلى لوجودها.
الرواية لا تدينها، لكنها أيضاً لا تبرئها، وتترك القارئ عالقاً في منطقة أخلاقية رمادية يصعب إصدار الأحكام فيها.
أكثر ما يميز الرواية أنها ترفض فكرة البطل النقي. كل الشخصيات ترتكب أخطاء، وكلها ضحايا في الوقت نفسه.
حتى لوكس، الذي يمنحه السرد أكبر قدر من التعاطف، يشارك في استدراج حميد إلى علاقة لم يخترها بحرية كاملة. وهنا تبلغ الرواية ذروتها الأخلاقية؛ إذ ترفض تقسيم البشر إلى أخيار وأشرار، وتقدم الإنسان بوصفه كائناً هشاً، يمكن أن يتحول من ضحية إلى جلاد، ثم يعود ضحية مرة أخرى.
أسلوب الرواية يقوم على لغة شفافة لا تستعرض بلاغتها، بل توظفها لخدمة الحالة النفسية. الجمل قصيرة غالباً، لكنها مثقلة بالقلق، ويبدو السرد وكأنه يتحرك داخل وعي الشخصيات أكثر مما يتحرك في العالم الخارجي. ولهذا يشعر القارئ أن الأحداث لا تقع في المدينة بقدر ما تقع داخل العقول.
النهاية، فهي من أكثر النهايات رمزية في الرواية. حين يقطع لوكس أذنه ثم يعضها، لا يكون الفعل بحثاً عن الصدمة، بل عودة إلى البداية. فالعنوان الذي بدا غريباً في الصفحة الأولى يجد تفسيره الكامل في الصفحة الأخيرة. عضّة الأب، التي كانت يوماً رمزاً للحب، تتحول إلى عضّة الذات، بعد أن غاب الأب، وغابت الأم، وغابت الحبيبة، وغاب كل من كان يمنح الجسد معناه.
إنها لحظة يلتهم فيها الإنسان آخر أثر للحب الذي عرفه في حياته.
ولهذا لا تبدو النهاية انتحاراً بقدر ما تبدو محاولة أخيرة لاستعادة حضن لم يعد موجوداً.
(أنجبني ليعض أذني ) ليست رواية عن الموت، بل عن الحاجة المستحيلة إلى الطمأنينة. إنها عمل يضع القارئ أمام أكثر أسئلة الإنسان إيلاماً: ماذا يحدث عندما يصبح الخوف أقوى من الحقيقة؟ وماذا يبقى من الإنسان حين يفقد ثقته بالآخرين وبنفسه معاً؟
إنها رواية جريئة في موضوعها، معقدة في أسئلتها، ومؤلمة في صدقها، وتترك قارئها بعد الصفحة الأخيرة وهو يشعر أن أكثر الأمراض فتكاً ليس ما يصيب الجسد، بل ما يصيب الخيال عندما يتحول إلى يقين.