المنظمة النوبية للثقافة و إحياء التراث و التنمية - أونجورتي_ⲟⲩⳡⲟⲩⲣⲧⲓ

  • Home
  • Sudan
  • Khartoum
  • المنظمة النوبية للثقافة و إحياء التراث و التنمية - أونجورتي_ⲟⲩⳡⲟⲩⲣⲧⲓ

المنظمة النوبية للثقافة و إحياء التراث و التنمية - أونجورتي_ⲟⲩⳡⲟⲩⲣⲧⲓ A voluntary, non-profit organization devoted to the promotion and preservation of Nubian heritage and affairs.

It is a voluntary, non-profit organization dedicated to Nubian affairs, with a particular focus on cultural and developmental initiatives. Its objectives are broad, encompassing education, agriculture, and healthcare.

انطلقت بمدينة ميونيخ الألمانية أعمال الدورة السادسة عشرة للمؤتمر الدولي للدراسات النوبية، بمشاركة نخبة من علماء النوبيات...
09/09/2026

انطلقت بمدينة ميونيخ الألمانية أعمال الدورة السادسة عشرة للمؤتمر الدولي للدراسات النوبية، بمشاركة نخبة من علماء النوبيات و الأكاديميين والمتخصصين والباحثين في تاريخ وحضارات النوبة من عدد من دول العالم، وتستمر فعاليات المؤتمر خلال الفترة من 7 إلى 12 سبتمبر 2026.

وشاركت السفيرة إلهام إبراهيم محمد أحمد، سفيرة السودان لدى ألمانيا، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، حيث ألقت كلمة تناولت فيها القيمة التاريخية للحضارة النوبية، إلى جانب التحديات التي تواجه التراث الثقافي السوداني في ظل الحرب الدائرة في البلاد.

وأعربت السفيرة عن تقدير السودان للجمعية الدولية للدراسات النوبية وجامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، لدورهما في تنظيم المؤتمر، معتبرة أن استمرار انعقاد هذا الحدث العلمي يمثل فرصة مهمة لتعميق البحث الأكاديمي حول تاريخ النوبة وحضاراتها وإبراز إسهاماتها في مسيرة الحضارة الإنسانية.

وأوضحت أن الحضارة النوبية لا تمثل مجرد مرحلة تاريخية من الماضي، وإنما تعكس امتداداً حضارياً وثقافياً متواصلاً عبر آلاف السنين، بدءاً من حضارة كرمة وممالك كوش ومروي، مروراً بالممالك النوبية المسيحية ثم الإسلامية، وصولاً إلى المجتمعات النوبية المعاصرة وما تختزنه من إرث ثقافي ولغوي واجتماعي.

وفي جانب آخر من كلمتها، سلطت السفيرة الضوء على الأوضاع التي يعيشها السودان نتيجة الحرب، وما ترتب عليها من تهديدات جسيمة طالت الممتلكات والمؤسسات والمواقع ذات القيمة الثقافية والتاريخية. وأشارت إلى تعرض عدد من المتاحف والمواقع الأثرية ودور المحفوظات والمكتبات والمنشآت التاريخية لأضرار وعمليات تدمير ونهب، مؤكدة أن حماية هذا الإرث تتجاوز كونها شأناً سودانياً داخلياً، باعتبار أن التراث السوداني يمثل مكوناً أصيلاً من الذاكرة الحضارية للإنسانية.

ودعت السفيرة المجتمع الدولي والمؤسسات العلمية والثقافية إلى مضاعفة المساندة المقدمة للسودان، ولا سيما في المجالات الفنية والتقنية المرتبطة بحماية التراث. وأكدت ضرورة توجيه الجهود خلال المرحلة الحالية نحو إنقاذ المؤسسات والمواقع المتضررة، ووضع برامج لإعادة تأهيل وترميم المتاحف والمواقع الأثرية، إلى جانب تطوير مهارات العاملين في قطاع التراث من خلال التدريب وبناء القدرات.

كما شددت على أهمية تكثيف الإجراءات الرامية إلى التصدي للاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، والعمل على تتبع القطع الأثرية التي تعرضت للسرقة والتهريب واستعادتها، مؤكدة أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب شراكات فاعلة تجمع المؤسسات السودانية بنظيراتها الدولية، والجامعات والمتاحف ومراكز البحوث والمتخصصين في علم الآثار والتراث.

وفي السياق ذاته، شارك الدكتور محمود سليمان، المدير العام للهيئة العامة للآثار والمتاحف، في أعمال المؤتمر عبر تقنية الاتصال المرئي، مقدماً عرضاً حول حجم الأضرار التي أصابت المتاحف والمواقع الأثرية ومكونات التراث الثقافي السوداني نتيجة الحرب، إلى جانب الإجراءات التي اتخذتها الجهات الوطنية لتأمين الآثار والمقتنيات وحمايتها من المخاطر.

وأشاد سليمان بالجهود التي بذلتها القوات المسلحة والعاملون في الهيئة القومية للآثار والمتاحف في حماية الممتلكات الثقافية وتأمينها، داعياً في الوقت نفسه إلى توسيع نطاق التعاون الدولي وتوفير الدعم الفني والمادي اللازم لاستعادة جاهزية المؤسسات المعنية بالتراث، فضلاً عن تعزيز الجهود المشتركة لمواجهة تهريب الممتلكات الثقافية والاتجار غير المشروع بها.

ويشهد المؤتمر الدولي السادس عشر للدراسات النوبية حضوراً أكاديمياً وبحثياً واسعاً، بمشاركة علماء وآثاريين وباحثين متخصصين في مختلف مجالات الدراسات النوبية، إلى جانب ممثلين عن الهيئة القومية للآثار والمتاحف ومؤسسات أكاديمية سودانية وعدد من الباحثين السودانيين.

ويتضمن برنامج المؤتمر تقديم مجموعة من الأوراق العلمية والدراسات التي تتناول تاريخ النوبة وحضاراتها وآثارها ولغاتها ومجتمعاتها، فضلاً عن مناقشة المخاطر التي تواجه التراث الثقافي النوبي والسبل العلمية والمؤسسية الكفيلة بحمايته والمحافظة عليه في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

ما بعد سقوط كرمة وبواكير نشأة كوش- أمانة الدراسات و الأبحاث بالمنظمة©❍  أولاً: النوبة بعد انهيار كرمة وملامح الإدارة الا...
04/09/2026

ما بعد سقوط كرمة وبواكير نشأة كوش
- أمانة الدراسات و الأبحاث بالمنظمة©

❍ أولاً: النوبة بعد انهيار كرمة وملامح الإدارة الاستعمارية

بعد السقوط الدراماتيكي لعاصمة إمبراطورية كرمة الفيدرالية على يد الجيوش المصرية في فجر الأسرة الثامنة عشرة (حوالي عام 1500 قبل الميلاد)، شهدت المنطقة تحولاً بنيوياً عميقاً. يوضح عالم الآثار السويسري شارل بونية أن تدمير العاصمة النوبية القديمة تبعه مباشرة تأسيس مدينة جديدة بالكامل على يد الغزاة على بُعد كيلومتر واحد فقط إلى الشمال، عُرفت باسم "دوكّي قيل" أو "بنوبس" (Bonnet 1997, 109).

وتشير الباحثة دومينيك فالبيلي إلى أن الإمبراطورية المصرية قامت بتقسيم أراضي مملكة كرمة السابقة إلى مقاطعتين إداريتين تخضعان مباشرة لسلطة التاج المصري: مقاطعة "واوات" في الشمال (النوبة السفلى)، ومقاطعة "كوش" في الجنوب (النوبة العليا والبلاد الواقعة جنوب الشلال الثالث) (Valbelle 2020, 330).

ولإدارة هذا الفضاء الشاسع، استحدث الفراعنة منصباً إدارياً رفيعاً عُرف بـ "ابن الملك في كوش" (نائب الملك)، والذي تمركز إدارياً في البدء ببلدة #عنيبة، ثم في #تمبس قرب الشلال الثالث (Francigny 2020, 498).
وخلال هذه الحقبة، ركزت #مصر على إستيراد الموارد النوبية الثمينة، مثل الذهب الفاخر، وأخشاب الأبنوس، وريش النعام، وجلود الفهود؛ وذلك لدعم المشاريع المعمارية الضخمة والدبلوماسية الإقليمية للفراعنة (Francigny 2020, 498).

❍ ثانياً: مدى استمرار فترة الهيمنة المصرية

تؤكد الأدلة الفيلولوجية أن الهيمنة المصرية المباشرة استمرت لفترة تزيد عن أربعة قرون متواصلة. فبعد تأسيس السيادة الفرعونية على يد أحمس الأول وتحتمس الأول حوالي عام 1500 قبل الميلاد، تواصل هذا الحكم الاستعماري دون انقطاع إداري يُذكر حتى نهاية الدولة الحديثة وتراجع الإدارة الإقليمية في عهد رمسيس الحادي عشر (حوالي عام 1077 قبل الميلاد) (Valbelle 2020, 338; Williams 2020, 413).

وبذلك، فإن فترة الاحتلال والدمج الإداري الفعلي استمرت ما يقارب 423 عاماً، قبل أن تنسحب الحاميات والموظفون المصريون، تاركين وراءهم نخبة نوبية محلية مستقلة سياسياً (Williams 2020, 413).

❍ ثالثاً: المقاومة والانتفاضات النوبية لاستعادة السيادة:

خلافاً للتصورات الاستعمارية التقليدية التي تصور خضوع النوبة كعملية سريعة وسلسة، تكشف السجلات الأثرية عن سلسلة طويلة من الثورات والانتفاضات النوبية العنيفة التي سعت للتخلص من نير الاحتلال ومحاولة استعادة أمجاد كرمة القديمة:

1. يشير الباحث فنسنت فرانشيني إلى أن عملية تهدئة المنطقة وفرض السيطرة التامة تطلبت من مصر خوض حروب واجتياحات متتالية، استمرت لأكثر من 150 عاماً بعد السقوط الأولي لكرمة (Francigny 2020, 497).

2. مع مطلع حكم تحتمس الثاني، نجح تحالف كوشي محلي في تنظيم ثورة عسكرية كبرى استردت القلاع النيلية التي شيدها المصريون في قلب أراضي النوبة السفلى، مما تطلب تدخلاً عسكرياً عاجلاً قاده الملك المصري بنفسه (Valbelle 2020, 332).

3. اضطرت الملكة #حتشبسوت لاحقاً لقيادة حملة عسكرية كبرى لإعادة إخضاع أراضي كوش، وفرض السيادة الروحية والسياسية لمعابدها (Valbelle 2020, 333).

4. في العام الخامس من عهد #أمنحتب الثالث، اندلعت ثورة نوبية كاسحة امتدت على طول النهر، مما استدعى تجريد حملة حربية ضخمة قادها نائب الملك "مري-مس" لقمع التمرد وتأمين طرق الذهب (Valbelle 2020, 333).

5. يوضح شارل بونية أن النوبيين حافظوا بوعي كامل على تقاليدهم الثقافية والطقسية الأصيلة، مثل ممارسة الدفن في وضعية القرفصاء (الانقباض)، متمسكين بهويتهم حتى في الفترات التي بلغت فيها سياسة التمصير أوجها خلال عهد سيتي الأول والعهد الرعامسي (Bonnet 1997, 107).

6. في أواخر العهد الرعامسي، وتحديداً في العام الخامس من حكم الملك #مرنبتاح (حوالي 1208 قبل الميلاد)، ثارت منطقة #واوات (النوبة السفلى) مجدداً ضد الحكم المصري، وتم إخضاع هذه الثورة بعنف عسكري #مـــفرط سُجل في لوحات النصر لمرنبتاح (Török 2009, 167).

❍ رابعاً: ملوك وملكات النوبة وبواكر الاستقلال قبل الأسرة الخامسة والعشرين

خلال الحقبة الانتقالية الطويلة التي تلت انسحاب مصر (1077-750 قبل الميلاد)، وقبل صعود الأسرة الخامسة والعشرين النوبية الشهيرة، لم تعش النوبة في فراغ حضاري، بل شهدت نشوء ممالك نوبية مستقلة وعالية التنظيم (Ducommun n.d., 27; Williams 2020, 413). وقد برزت في هذه المرحلة شخصيات سيادية مهمة:

- الملكة كاتيمالا (Katimala):
تُعد من أهم الشخصيات التاريخية التي أثبتت تمتع المرأة النوبية بمكانة سياسية بالغة الرفعة؛ حيث حكمت كملكة وصية أو ملكة حاكمة مستقلة (Queen Regnant) في النوبة السفلى، على الأرجح في القرن العاشر أو التاسع قبل الميلاد (Williams 2020, 413).

وقد تركت الملكة نقشاً مهيباً في معبد #سمنة نُحت بالهيروغليفية المصرية، اتخذت فيه رسمياً اللقب الفرعوني "ملك الوجهين القبلي والبحري"، وقامت بخطوات عسكرية وإدارية حازمة لحماية ثروات معبد آمون، وتأمين الطرق، ومحاربة المتمردين بمساعدة مجلس شورى يضم ثلاثين زعيماً محلياً (Williams 2020, 413–14). وفي هذا السياق، يورد البروفيسور بروس ويليامز تحليلاً لمكانتها السيادية الفريدة قائلاً:

"Katimala as queen could not only take the title of nesu-bity when the king failed, but also executive action; she was in fact queen regnant." (Williams 2020, 413)

ويشير المؤرخ لازلو توروك إلى أن الملكة كاديمالو، التي ينحدر اسمها من لسان نوبي صريح، قد لعبت دوراً سياسياً واستراتيجياً محورياً في تثبيت النفوذ الكوشي المتنامي شمالاً نحو منطقة الشلال الأول عند #أسوان.
وهو التمدد السياسي والعقائدي الروحي الذي مهد الأرضية الصلبة لظهور الملك #كاشتا وسيطرته السلمية لاحقاً على صعيد مصر (Török 1994, 41).

- الملك أرياماني (Ari-Amani):
يُعد حجر الزاوية الآخر لإثبات تبلور مؤسسة الملكية الكوشية المستقلة في العهد الانتقالي؛ حيث أصدر لوحات تخص تبرعات وأوقافاً دينية لمعبد آمون في جبل البركل. و رغم أن هناك خلاف على فترة حكمه بالضبط إلا أن هناك أسباب وجيهة لتأريخه في فترة مبكرة بكثير، بالقرب من العصر الرعامسيسي.
و قد ترك نصوصا تؤكد بقاء واستمرارية الإدارة اللاهوتية لبلاد النوبة بمعزل عن مصر، مما يبرهن على أن عقيدة الملك-الإله قد تكرست محلياً قبل ظهور ملوك الكرو بزمن بعيد (Williams 2020, 414).

❍ المصــــادر :

Bonnet, Charles. 1997. Kerma: Kingdom of Nubia. Supervised by Ali Mohamed Ahmed El-Hakim. Khartoum: Khartoum University Press.

Ducommun, Janine André. n.d. Kerma and the Royal Tent. Geneva: University of Geneva.

Francigny, Vincent. 2020. "The Meroitic Heartland." In The Oxford Handbook of Ancient Nubia, edited by Geoff Emberling and Bruce B. Williams, 513–26. New York: Oxford University Press.

Rilly, Claude, and Alex de Voogt. 2012. The Meroitic Language and Writing System. New York: Cambridge University Press.

Török, László. 2009. Between Two Worlds: The Frontier Region Between Ancient Nubia and Egypt, 3700 BC-AD 500. Leiden: Brill.

Török, László, ed. 1994. Fontes Historiae Nubiorum: Textual Sources for the History of the Middle Nile Region Between the Eighth Century BC and the Sixth Century AD. Vol. I: From the Eighth to the Mid-Fifth Century BC. Bergen: University of Bergen.

Valbelle, Dominique. 2020. "Egyptian Conquest and Administration of Nubia." In The Oxford Handbook of Ancient Nubia, edited by Geoff Emberling and Bruce B. Williams, 327–40. New York: Oxford University Press.

Williams, Bruce Beyer. 2020. "The New Kingdom Kush*te/Napatan State I: The Transitional Period and the Second Empire." In The Oxford Handbook of Ancient Nubia, edited by Geoff Emberling and Bruce B. Williams, 411–32. New York: Oxford University Press.

---

#المقرة #علوة #نوباتيا #دنقلا #فرس #سوبا #السودان
#كوش #تاسيتي #كرمة #نبتة #مروي
المنظمة النوبية للثقافة و إحياء التراث و التنمية - أونجورتي_ⲟⲩⳡⲟⲩⲣⲧⲓ
أمانة الدراسات والأبحاث©

نشوء وتطور مجتمعات ما قبل كرمة- أمانة الدراسات و الأبحاث بالمنظمة©تمثل فترة ما قبل كرمة، والتي تمتد تقريباً ما بين عامي ...
01/09/2026

نشوء وتطور مجتمعات ما قبل كرمة
- أمانة الدراسات و الأبحاث بالمنظمة©

تمثل فترة ما قبل كرمة، والتي تمتد تقريباً ما بين عامي 3500 و2500 قبل الميلاد، الحلقة المفصلية المفقودة التي صاغت التحول الحضاري الكبير في شمال وادي النيل الأوسط.

لعقود طويلة، عانت الأوساط الأكاديمية من فجوة معرفية وتأريخية تفصل بين مقابر العصر الحجري الحديث المتأخر في منطقة #كدركة وبين نشوء مملكة #كرمة؛ إلا أن الاكتشافات الأثرية الحديثة للبعثة السويسرية برئاسة عالم الآثار ماتيو هونيغر في الحوض الشرقي لكرمة أعادت تشكيل الخريطة المعرفية، كاشفةً عن مجتمع زراعي رعوي معقد مهد مباشرة لولادة أول قوة أفريقية عظمى (Honegger, 2020, 143).

❍ الجذور والارتباط ببيئة نبتة بلايا والصحراء الكبرى:

يرتبط إنسان ما قبل كرمة بروابط #ديموغرافية وبيئية عميقة مع الحواضن الصحراوية القديمة، وعلى رأسها منطقة في الصحراء الغربية.
فخلال الألفين الثامن والسابع قبل الميلاد، كانت نبتة بلايا تمثل مركزاً طقسياً ورعوياً ضخماً تمارس فيه عقيدة تقديس الماشية (Wendorf and Schild, 1998).

ومع بداية التغير المناخي الحاد وزحف الجفاف الشديد على الصحراء الكبرى ابتداءً من حوالي عام 5400 قبل الميلاد، تدهورت البيئة الرعوية في الصحاري، مما دفع بمجموعات رعاة الماشية نحو حواف الوديان النيلية (Gatto, 2020, 129).

وقد أسهمت هذه الهجرات المتتالية من الصحراء الغربية، إضافة إلى تدفق السكان من منطقة وادي هَوَر ــ والذين يرجح اللغوي الفرنسي كلود ريلي أنهم كانوا ناطقين باللغة النوبية الأولية ــ في صهر نسيج بشري متميز في سهل كرمة الخصيب الذي كان يتقاطع مع فروع جافة قديمة لنهر النيل (Török, 2009, 28; Rilly, 2012, 178).

❍ نمط الحياة والنشاط الاقتصادي في عصر ما قبل كرمة:

انتقل مجتمع ما قبل كرمة تدريجياً من نمط الحياة شبه البدوي والتنقل الرعوي إلى الاستقرار المكثف القائم على الفلاحة المستديمة. وتؤكد الحفريات في جزيرة #صاي وموقع كرمة وجود كميات هائلة من حفر التخزين التي كانت تستخدم كصوامع لحفظ #الغلال مثل القمح ثنائي الحبة والشعير، مما يثبت أن الزراعة لم تكن مجرد نشاط ثانوي بل ركيزة أساسية للاستقرار الغذائي (Honegger, 2020, 149).

❍ التخطيط المعماري للتجمع السكاني في كرمة :

كشفت التنقيبات الأثرية في الجبانة الشرقية لكرمة عن مستوطنة ما قبل كرمية كبرى تمتد على مساحة تتراوح بين خمسة إلى عشرة هكتارات (Honegger, 2020, 149).

تميز هذا التجمع بتخطيط هندسي فريد يعكس إدارة جماعية منظمة؛ حيث احتوى على مئات الأكواخ الدائرية الخشبية التي بلغ قطر الواحد منها حوالي أربعة أمتار، إلى جانب مبانٍ مستطيلة وصروح ذات حنيات دائرية قد تكون ذات وظائف إدارية أو طقسية دينية (Török, 2009, 26; Honegger, 2020, 151).

كما أحاطت بالمستوطنة أسيجة خشبية ضخمة حددت مسارات الحركة وحمت حظائر الأبقار الدائرية الكبيرة، وهو ما تم تأكيده أثرياً عبر اكتشاف طبعات حوافر الأبقار داخل هذه الحظائر المغلقة (Honegger, 2020, 151).

❍ الارتباط الحضاري والتجاري مع مملكة تاسيتي :

عاصرت مجتمعات ما قبل كرمة في جنوب الشلال الثالث حضارة المجموعة (أ) في النوبة السفلى، والتي عُرفت تاريخياً بمملكة #تاسيتي (Gatto, 2020, 143).

ويؤكد المؤرخ لازلو توروك وجود تداخل مادي #وثيــق بين الكيانين؛ حيث تظهر فخاريات ما قبل كرمة الوسطى والمتأخرة تشابهاً بصرياً مذهلاً مع فخار المجموعة (أ) الكلاسيكية والمتأخرة، وخاصة في استخدام نقوش الخطوط المشطية المتقاطعة وعظام السمك (Török, 2009, 28).

ولم تقتصر العلاقة على التأثير الفني، بل امتدت للتبادل التجاري النشط. فقد كشفت المقابر المكتشفة في كرمة الشرقية والتي تعود لعام 3000 قبل الميلاد عن لقى جنائزية ثمينة مطابقة لآثار #تاسيتي، مثل لوحات الكوارتز وصواني طحن الكحل، ومباخر مصنوعة من عاج الفيل، ومخارز من النحاس، مما يشير إلى وجود قنوات اتصال تجارية مفتوحة عبر النهر ربطت الشمال بالجنوب (Honegger, 2020, 147).

❍ التمهيد لنشأة مملكة كرمة وتحولها إلى إمبراطورية فيدرالية:

عند حلول عام 2500 قبل الميلاد، أدت التغيرات الجيولوجية والبيئية ــ وبخاصة جفاف قنوات النيل الشرقية ــ إلى هجر مستوطنة ما قبل كرمة وانتقال السكان مسافة أربعة كيلومترات غرباً نحو المجرى الرئيسي النشط للنهر لتأسيس مدينة كرمة الجديدة "دوكي قيل " (Honegger, 2020, 151).

هذا الانتقال لم يكن قطيعة حضارية، بل استمرارية تقنية وثقافية؛ إذ نقل السكان معهم تقنيات بناء الأكواخ الدائرية، والأسيجة الخشبية، وصوامع تخزين الغلال، والطقوس الجنائزية المرتبطة بتقديس #الماشـية لتصبح هي البنية التحتية لمدينة كرمة العاصمة (Honegger, 2020, 152).

ومع اتساع رقعة الدولة ودمج المجموعات السكانية القادمة من شتى بقاع الصحراء والنيل، تطورت كرمة لتصبح أول إمبراطورية أفريقية فيدرالية (Segmentary State) (Török, 2009, 265).

لقد استعاض ملوك كرمة عن البيروقراطية المركزية الصارمة بنظام مرن من التحالفات #الفيدرالية الإقليمية الواسعة التي جمعت تحت لوائها قبائل الميدجاي وقبائل واوات وبلاد بونت و شعوب الصحراء النوبية الغربية و الشعوب النيلية الجنوبية، مؤسسين لقوة عسكرية وسياسية مهيبة استطاعت قيادة أول غزو عسكري نوبي منظم لوادي النيل بأكمله (Török, 2009, 265; Gatto, 2020, 143).

❍ المصـــادر:

Gatto, Maria Carmela. 2020. “The A-Group and 4th Millennium BCE Nubia.” In The Oxford Handbook of Ancient Nubia, edited by Geoff Emberling and Bruce B. Williams, 127–144. New York: Oxford University Press.

Honegger, Matthieu. 2020. “The Pre-Kerma Culture and the Beginning of the Kerma Kingdom.” In The Oxford Handbook of Ancient Nubia, edited by Geoff Emberling and Bruce B. Williams, 143–156. New York: Oxford University Press.

Rilly, Claude. 2012. The Meroitic Language and Writing System. New York: Cambridge University Press.

Török, László. 2009. Between Two Worlds: The Frontier Region between Ancient Nubia and Egypt 3700 BC–AD 500. Leiden: Brill.

Wendorf, Fred, and Romuald Schild. 1998. “Nabta Playa and Its Role in Northeastern African Prehistory.” Journal of Anthropological Archaeology 17: 97–123.

---
#المقرة #علوة #نوباتيا #دنقلا #فرس #سوبا #السودان
#كوش #تاسيتي #كرمة #نبتة #مروي
المنظمة النوبية للثقافة و إحياء التراث و التنمية - أونجورتي_ⲟⲩⳡⲟⲩⲣⲧⲓ
أمانة الدراسات والأبحاث©

ظلال المقرة في الصحراء ونزوح "نوبة الجبال" - أمانة الدراسات و الأبحاث بالمنظمة©عبر السهول القاحلة والتلال المتناثرة في ا...
25/08/2026

ظلال المقرة في الصحراء ونزوح "نوبة الجبال"
- أمانة الدراسات و الأبحاث بالمنظمة©

عبر السهول القاحلة والتلال المتناثرة في الأراضي الممتدة جنوب غرب منحنى النيل العظيم ، عُرفت منطقة #كردفان كإحدى أهم التخوم الجغرافية والثقافية في التاريخ السوداني الوسيط. وفي دراسته التركيبية المعنونة بـ "انهيار المقرة وما ترتب عليها (1365/6–1500م)" (The Collapse of Makuria and Its Aftermath)، يلاحظ الباحث غابرييل جيرهاردز أن هذه المنطقة نادراً ما تحظى بالاهتمام الكافي عند بحث تاريخ النوبة المسيحية، رغم أن السجلات التاريخية والأثرية تكشف عن ارتباط وثيق ومعقد بين مملكة المقرة النيلية وسكان هذه السهول (Gerhards 2025, 197).

❍ أرض "تاري" وسكان التلال:

منذ وقت مبكر يعود إلى القرن العاشر الميلادي، أشار الجغرافي ابن حوقل إلى أن مملكة #المقرة كانت تبسط سيطرتها على مناطق شمال كردفان (Gerhards 2025, 197).
وقد أطلق مصدر فارسي معاصر لتلك الحقبة على هذه المنطقة اسم #تــاري (Tari) (Gerhards 2025, 197).
سكن هذه الأراضي مجموعات أطلق عليهم ابن حوقل وصف "سكان التلال"، والذين تحدثوا لغات تُعرف بـ "النوبية الجبلية".
تميزت حياة هؤلاء السكان بنمط شبه بدوي يتكيف مع قسوة البيئة؛ إذ كانوا يستقرون حول التلال خلال مواسم الجفاف، بينما يتفرقون في السهول الواسعة لزراعة المحاصيل ورعي ماشيتهم خلال مواسم الأمطار (Gerhards 2025, 197).
وفيما يتعلق بمعتقداتهم الروحية، يوضح جيرهاردز أن اعتناقهم للديانة المسيحية كان سطحياً أو اسمياً في أحسن الأحوال، بشكل يشبه اعتناقهم اللاحق للإسلام في الفترات المتأخرة (Gerhards 2025, 197).

❍ طرق التجارة والنفوذ الإداري للمقرة:

رغم التباين الثقافي والبيئي، ارتبطت شمال كردفان ارتباطاً هيكلياً بقلب مملكة المقرة عبر طرق التجارة الحيوية. اعتمد النفوذ النوبي في الأساس على السيطرة على مسارات القوافل الاستراتيجية، وتحديداً وادي الملك ووادي المقدم، اللذين ربطا كردفان بشكل مباشر بمنطقة الانحناء العظيم للنيل جنوب العاصمة #دنقلا (Gerhards 2025, 197).

تؤكد الشواهد الأثرية عمق هذا التأثير النوبي المسيحي وتوسعه في المنطقة، حيث امتدت التأثيرات النوبية جنوباً حتى جبل #حرازة، وغرباً حتى جبل #العين الذي اُكتشفت فيه بقايا دير مسيحي (Gerhards 2025, 197). وفي دلالة واضحة على الوجود الإداري المنظم، عُثر في هذا الدير على نقش يذكر وظيفة "الإيبارش" النوبي أو حاكم المقاطعة في العصور الوسطى، مما يدعم الفرضية القائلة بأن شمال كردفان ربما شكلت مقاطعة إدارية قائمة بذاتها ضمن هيكل الدولة النوبية (Gerhards 2025, 197). ويمثل النقش المكتشف في جبل أبو نجيلة، والذي يذكر الملك النوبي "سيتي" (Siti)، أحدث دليل تاريخي يوثق هذا الحضور الملكي في المنطقة (Gerhards 2025, 197).

كانت نظرة المركز المتمثل في #دنقلا تجاه هذه الأطراف تتسم بازدواجية لافتة؛ ففي حين يشير مصدر مملوكي يعود للقرن الثالث عشر إلى أن المقريين كانوا ينظرون إلى سكان أرض تاري بشيء من الاحتقار، يؤكد ذات المصدر أن بعضاً من هؤلاء "الجبليين" كانوا يشغلون مناصب ضمن مجلس الملك النوبي، مما ينفي الرواية المملوكية الأجنبية و يعكس تداخلاً سياسياً واندماجاً نفعياً في إدارة المملكة (Gerhards 2025, 197).

❍ انهيار السلطة وعصر الهجرات الكبرى:

مع دخول مملكة المقرة في أتون الحروب الأهلية و صراعات العرش والاضطرابات التي بلغت ذروتها عام 1365م، بدأ نفوذ العاصمة يتلاشى تدريجياً عن الأطراف.
وتحتفظ التقاليد المحلية الكردفانية بذاكرة شفوية تتحدث عن مرحلة تراخي قبضة مملكة النوبة المسيحية، التي تُعرف في تراثهم باسم "موبية" (Mubiyya)، مما فتح الباب واسعاً أمام غزوات القبائل العربية (Gerhards 2025, 197–198).

تتحدث هذه التقاليد عن تعرض النوبيين الكردفانيين لغارات عنيفة وعمليات قتل واسعة على يد الغزاة العرب، مما أجبر مجموعات كبيرة من الناجين على الفرار جنوباً للتحصن بجبال النوبة (Gerhards 2025, 197–198).
ورغم احتمالية المبالغة في هذه الروايات الشفوية، إلا أن جيرهاردز (Gerhards 2025) يرجح أن الهجرة التاريخية حدثت بالفعل، حيث أسست هذه المجموعات النازحة مجتمعات "النوبة الجبلية" التي لا تزال تستوطن الأجزاء الشمالية من جبال النوبة حتى اليوم (الأجنق) (Gerhards 2025, 198).

في تلك الأثناء، اختارت العديد من القبائل العربية البدوية الوافدة، وخاصة قبائل جهينة المربية للجمال، تجاوز منطقة #كردفان ومواصلة الهجرة غرباً نحو #تشاد، حيث وصل بعضهم إلى إمبراطورية #كانم بحلول أواخر القرن الرابع عشر (Gerhards 2025, 198).

❍ إعادة التشكيل تحت مظلة الفونج:

في حقبة ما بعد دوتاو، برزت تحالفات قبيلة "فزارة" كقوة مهيمنة جديدة في شمال كردفان (Gerhards 2025, 198). تشير الوثائق إلى أن الفزارة وصلوا إلى المنطقة بعد أوائل القرن السادس عشر قادمين من صعيد مصر، حيث وُثق وجودهم في "بلاد النوبة" بحلول عام 1563م (Gerhards 2025, 198).

مع صعود سلطنة الفونج النوبية الإسلامية، خضع كل من قبائل الفزارة وبقايا "النوبة الجبلية" المستقرين في المنطقة لحكم الفونج خلال القرن السادس عشر أو السابع عشر، وكانت إدارتهم تتم من مدينة "قرّي" الواقعة عند الشلال السادس (Gerhards 2025, 198).
استمر نفوذ الفزارة حتى القرن الثامن عشر حين حلت محلهم قبائل الكبابيش، في حين شهدت القرون الثامن عشر والتاسع عشر الاستعراب السريع والنهائي لما تبقى من مجتمعات النوبة الجبلية في شمال كردفان الأمر الذي أدى لاحقا إلى إندثار إحدى اللهجات النوبية في سبعينيات القرن الماضي كانت تعرف بلهجة"الحرازة"، لتُطوى بذلك صفحة الوجود النوبي في هذه التخوم الكردفانية الشمالية (Gerhards 2025, 198).

---

❍ المصدر :
Gerhards, Gabriel. "The Collapse of Makuria and Its Aftermath (1365/6-ca. 1500): A Synthesis." International Journal of African Historical Studies 58, no. 2 (2025): 183-202.

---
#المقرة #علوة #نوباتيا #دنقلا #فرس #سوبا #السودان
#كوش #تاسيتي #كرمة #نبتة #مروي
المنظمة النوبية للثقافة و إحياء التراث و التنمية - أونجورتي_ⲟⲩⳡⲟⲩⲣⲧⲓ
أمانة الدراسات والأبحاث©

24/08/2026

للتذكير

الكنيسة الملكية (كنيسة الملاك رافائيل) ثالث أكبر مبنى في مملكة دوتاو- أمانة الدراسات و الأبحاث بالمنظمة©تُعد كنيسة الملا...
22/08/2026

الكنيسة الملكية (كنيسة الملاك رافائيل)
ثالث أكبر مبنى في مملكة دوتاو
- أمانة الدراسات و الأبحاث بالمنظمة©

تُعد كنيسة الملاك رافائيل (SWN.B.V)، والمعروفة أيضاً بالكنيسة الملكية، واحدة من أبرز المعالم المعمارية في دنقلا العجوز عاصمة مملكة المقرة (دوتاو).
تقع الكنيسة في قلعة دنقلا إلى الجنوب من قصر الملك #يوانس (SWN.B.I). بُنيت هذه الكنيسة في أواخر القرن الثامن الميلادي، واستمرت في أداء رسالتها حتى أواخر القرن الرابع عشر. ترتبط الكنيسة ارتباطاً وثيقاً بالرعاية الملكية، إذ يُرجح أن الملك يوانس الثاني هو من أمر بتأسيسها نظراً لموقعها الملاصق للقصر.
وقد اكتسبت الكنيسة أهمية تاريخية ودينية بالغة عندما استضافت مجمعاً كنسياً (سينودس) بحضور جميع أساقفة مملكة المقرة مثل أسق #فرس و أسقف #قورتة بين عامي 802 و804 ميلادية، وذلك تحت إشراف الملك يوانس الثاني ورئيس الأساقفة #هارون (Aaron).

❍ التصميم المعماري وحجم المبنى:
تعتبر الكنيسة استمراراً للتقاليد المعمارية لكاتدرائية دنقلا (كنيسة الأعمدة الجرانيتية)، ولكنها تتميز بحجم أصغر وتصميم مركزي أكثر تطوراً وتحسيناً هيكلياً بفضل استخدام الدعامات. تم الحفاظ على بعض عناصر البازيليكا لكنها قُلصت بشكل كبير في قاعة الصلاة الرئيسية (الناوس Naos)، والتي تم بناؤها على شكل صليب.

يتميز المبنى بتخطيط مركزي يضم رواقاً أمامياً (Narthex) وحجرات جانبية (Pastophoria) تتصل بممر شرقي، ويُمكن الوصول إليها من الناوس.
تبلغ أبعاد الكنيسة من الداخل 20.70 متراً في الطول و15.00 متراً في العرض، ويزداد العرض قليلاً ليصل إلى 16.40 متراً في المنتصف عند التجاويف التي تشكلها خلجان المداخل في الجدران الجانبية.
بُنيت الكنيسة على أساسات حجرية مرتفعة (عند مستوى 22.57 متر)، وتتكون هذه الأساسات من كتل حجرية رملية صغيرة منحوتة بشكل خشن وُضعت مباشرة على سطح صخر الأساس مما أكسبها هيبة خاصة حول المباني المجاورة و مجمع القصور الملكية.

❍ ضخامة الأعمدة وتفاصيل القباب :
يُعد التصميم الداخلي للناوس تحفة هندسية، حيث يتمفصل الفراغ بواسطة أربع أعمدة ضخمة قائمة بذاتها، بالإضافة إلى دعامات مدمجة أسطوانية تدعم الأقواس والقباب التي ترتفع لمستويات مختلفة فوق الناوس.
كان الجزء المركزي المقبب من الناوس هو الجزء الأعلى في المجمع المعماري بأكمله. تم رصف الأرضية بأحجار رملية منحوتة بشكل دقيق وُضعت على طبقة من الملاط الجيري.

تتميز الأعمدة بضخامتها الاستثنائية؛ إذ يبلغ قطر الأعمدة الأربعة القائمة بذاتها 120 سم، وبُنيت باستخدام طوب منحني صُمم #خصـــيصاً لهذا الغرض ورُبط بملاط جيري.

تُوجت هذه الأعمدة بأزواج من الكتل الحجرية الرملية التي عملت كقواعد للأقواس وحملت العوارض الخشبية التي تربط بين الأعمدة القائمة والمدمجة.

أما الأعمدة المدمجة (شبه الأسطوانية) فيبلغ قطرها 90 سم، وبُنيت أيضاً من الطوب المنحني المصنوع خصيصا لها، وتُوجت بكتل من الحجر الرملي على ارتفاع 2.66 متر لدعم الأقواس.

❍ المنبر واستخدام الجرانيت الفريد:
من أبرز العناصر المعمارية النوبية الفريدة في الكنيسة هو المنبر (Pulpit) الضخم الذي يقع بين الأعمدة الشمالية القائمة بذاتها. يبلغ طول المنبر 1.80 متر وعرضه 1.27 متر، وقد دمجت في بنائه أحجار جرانيتية يُرجح أنها جُلبت من معبد نبتي قديم. يتكون المنبر من سلالم جرانيتية تستند إلى قاعدة مستطيلة مبنية من الطوب المحروق بارتفاع 0.50 متر، والتي غُطيت بعناية بالطبقات الجصية.
ولدعم منصة المنبر، تم استخدام عمودين جرانيتيين بقطر 0.30 متر وارتفاع يتراوح بين 0.65 و0.73 متر، ثُبتا بشكل عمودي أسفل مستوى الأرضية بقليل.
تتكون المنصة العلوية من كتلتين جرانيتيتين؛ إحداهما عبارة عن قاعدة لتمثال تحمل نقشاً هيروغليفياً يسرد أسماء المدن والشعوب المقهورة في الصحراء الشرقية، وتستند المنصة بالإضافة للعمودين إلى الحافة العلوية للسلالم الجرانيتية.

❍ الهيكل وتفاصيل الحنية:
يقع الهيكل (Sanctuary) في الجزء المركزي من الناوس، وأُحيط بجدران ساتر بُنيت من الطوب المحروق بعرض 0.41 متر، والتي زُيد ارتفاعها لاحقاً من 1.10 متر إلى حوالي 1.80 متر. غُطيت وجوه هذه الجدران بطبقات من الملاط الجيري، وتضمنت المداخل الغربية طبعات لألواح نصف دائرية يبدو أنها كانت مصنوعة من الرخام وتُشبه قمة المذبح. و وُضع المذبح الأصلي على لوح حجري (Spolium) يبلغ قياسه 119 سم في 86 سم.

في الجزء الأمامي من الهيكل، يوجد محراب صغير "حنية" (Apse) بعرض 2.20 متر وعمق 1.35 متر، مُلئت بهيكل من الطوب المحروق بارتفاع 1.80 متر. في أعلاه توجد منصة نصف دائرية مائلة، يُصعد إليها عبر درجتين نصف دائريتين، مما يمنحه شكلاً يشبه العرش بدلاً من مقاعد رجال الدين (Synthronon) المعتادة في كنائس المقرة الأخرى.

❍ غرف الطقوس والزخارف:
تتألف الكنيسة من غرفتين رئيسيتين للطقوس؛ الأولى هي غرفة التحضير (Prothesis) في الجزء الشمالي الشرقي، والثانية هي غرفة الشمامسة (Diakonikon) في الجزء الجنوبي الشرقي. تتخذ كلتا الغرفتين شكل حرف غاما وتتصلان بممر شرقي ضيق يمر خلف الحنية بعرض 1.30 متر.

حَوَت هذه الغرف منصات، مذابح، ومقاعد بُنيت في مراحل مختلفة، بالإضافة إلى مجموعة غنية من الجداريات.
تم الحفاظ على عشرات اللوحات الجدارية التي تصور رؤساء الملائكة (مثل ميخائيل ورافائيل)، والرسل، والسيدة العذراء، بالإضافة إلى شخصيات من البلاط الملكي. كما وُجدت في غرفة الشمامسة جدارية لرئيس الأساقفة #هارون (Aaron) تعود لنهاية القرن الثامن أو بداية القرن التاسع، وجدارية أخرى للقديس .

❍ الأهمية والخاتمة :
تمثل كنيسة الملاك رافائيل عملاً عبقرياً لمهندس نوبي استلهم من التراث المعماري للمدينة ليبتكر نموذجاً معمارياً دينياً ونوبياً فريداً.
وقد أثــر هذا التصميم بشكل ملحوظ على الكنائس التي بُنيت لاحقاً في القرنين التاسع والعاشر في مواقع مثل همبوكول وكولب (Hambukol and Kulub)، وكنيسة الأعمدة المدمجة (Pillar Church) في دنقلا التي ظلت تعمل جنباً إلى جنب مع كنيسة الملاك رافائيل حتى نهاية القرن الرابع عشر.
---
📷 الصور المرفقة هي إعادة بناء واقعية وفق المخطط الأصلي للموقع و الدلائل الأثرية، صور الموقع الأثري تجدونها في التعليقات.

Bibliography
Godlewski, Włodzimierz. "The Church of Archangel Raphael (SWN.B.V)." In Dongola 2015–2016, PCMA Excavation Series 5, 115-131. Warsaw: Polish Centre of Mediterranean Archaeology, 2015.

---

#المقرة #علوة #نوباتيا #دنقلا #فرس #سوبا #السودان
#كوش #تاسيتي #كرمة #نبتة #مروي
المنظمة النوبية للثقافة و إحياء التراث و التنمية - أونجورتي_ⲟⲩⳡⲟⲩⲣⲧⲓ
أمانة الدراسات والأبحاث©

14/08/2026

جدارية الموسيقيين النوبيين

- نقلا عن المنظمة النوبية للثقافة و إحياء التراث و التنمية - أونجورتي_ⲟⲩⳡⲟⲩⲣⲧⲓ

تعد واحدة من أهم الوثائق الأثرية التي تلقي الضوء على الحياة الطقسية والموسيقية في مملكة #كوش خلال عهد الأسرة الخامسة والعشرين. تقع هذه الجدارية ضمن المعبد (T) في موقع #الكوة الأثري (Gematon)، وهو المعبد الذي شيده الملك "تهارقا" (690-664 ق.م) ليكون صرحاً دينياً يمتفرداً. وقد نالت هذه الجدارية اهتماماً خاصاً من العالم "إم. إف. لامينج ماكآدم" (M. F. Laming Macadam) الذي قام بتوثيقها بدقة قبل أن تتعرض للتلف الكلي نتيجة عوامل التعرية والإهمال - الإهمال الذي لا يمكن أن يغتفر-.

⌑ السياق المكاني والطقسي للجدارية:

كانت الجدارية متواجدة في الأصل في صالة الأعمدة (Hypostyle Hall) بالمعبد (T)، وتحديداً على النصف الجنوبي من الجدار الغربي. تشكل هذه اللوحة جزءاً من مشهد أكبر يصور "الموكب الرابع" (Procession IV)، وهو موكب ديني جنائزي أو احتفالي مهيب يرافق القارب المقدس (Macadam 1955, 76).
إن اختيار موقع الجدارية في صالة الأعمدة، وهي المنطقة التي تفصل بين الفناء الخارجي المفتوح وقدس الأقداس، يعكس الدور الحيوي للموسيقى كعنصر وسيط في الطقوس الدينية لدى النوبيين القدماء، حيث كانت الفرق #الموسيقية ترافق الملك والكهنة في تحركاتهم داخل المعبد لتوفير الخلفية الصوتية المقدسة للصلوات والقرابين.

⌑ التكوين الفني والآلات الموسيقية:

تتميز الجدارية بتصوير فرقة موسيقية متكاملة ( ) تضم عازفين ومغنين يرتدون أزياء نوبية مميزة، وتظهر الآلات الموسيقية المصورة تنوعاً كبيراً يعكس التطور الفني في تلك الحقبة.

أولاً، يبرز عازفو #الأبــواق (Trumpeters) في مقدمة الفرقة، حيث يصف ماكآدم أحد العازفين وهو يحمل بوقين في آن واحد، مما يشير إلى مهارة تقنية عالية في الأداء المزدوج (Macadam 1955, 78).

ثانياً، تظهر #الطبول كعنصر إيقاعي أساسي، حيث تم تصوير عازف يحمل طبلة أسطوانية طويلة (Barrel-drum) معلقة بحزام حول عنقه وتدلى أمامه، وهو نمط إيقاعي ربطه ماكآدم بالتقاليد الإفريقية المعاصرة التي لا تزال سائدة في السودان وبعض مناطق شرق إفريقيا (آلة النَـوٓبة)، مما يؤكد على الجذور الثقافية العميقة لهذه الآلات (Macadam 1955, 79).

ثالثاً، تتضمن الجدارية عازفي #القيثارة (Harpists)، حيث يظهر عازفان يقومان بالأداء على قيثارات قوسية ضخمة. يصف ماكآدم إحدى القيثارات بأنها ذات #سـبعة أوتار، ويظهر العازف وهو يستخدم كلتا يديه للنقر على الأوتار، بينما يمسك العازف الآخر آلة أصغر حجماً بيد واحدة.

رابعاً، يظهر في المشهد مجموعة من #المغنين (Singers) في وضعية لافتة، حيث يضعون أيديهم على آذانهم، وهي وضعية فنية #وظيفية يستخدمها المؤدون حتى يومنا هذا للتحكم في طبقات الصوت أو سماع رنين أصواتهم، وقد خمن ماكآدم أن بعضهم قد يكونون من #المكفوفين نظراً لطريقة وقوفهم وإمساكهم بملابس من يسبقهم (Macadam 1955, 80).

⌑ الاندثار والتوثيق الأثري:

تمثل قصة بقاء هذه الجدارية مفارقة #مأساوية في تاريخ علم النوبيات. فبعد اكتشافها وتوثيقها من قبل بعثة جامعة أكسفورد، تقرر نقل الجدار الذي يحمل هذه النقوش إلى الخرطوم للحفاظ عليه وعرضه في حديقة المتحف القومي.
ومع ذلك، وبسبب غياب الحماية الكافية والظروف الجوية و الإهمال الواضح، أدت مياه الأمطار المتكررة إلى تآكل الحجر الرملي وتلاشي النقوش تماماً. ولولا التوثيق الدقيق الذي قام به ماكآدم من خلال الرسوم التوضيحية (Facsimiles) والوصف التفصيلي، لكانت هذه المعلومات حول الموسيقى النوبية في عصر #تهارقا قد ضاعت للأبد.

إن جدارية الموسيقيين بمعبد الكوة لا تقدم فقط سجلاً للآلات الموسيقية، بل تعكس أيضاً التنظيم الاجتماعي والمهني داخل المعابد النوبية، حيث كانت الموسيقى مهنة مقدسة تمارس وفق بروتوكولات دقيقة تليق بحضور الملك والآلهة.

- صور أصيلة من الموقع الأثري في التعليقات.

⌑ المراجــع :

Macadam, M. F. Laming. The Temples of Kawa: II. History and Archaeology of the Site. London: Oxford University Press, 1955.

---

#المقرة #علوة #نوباتيا #دنقلا #فرس #سوبا #السودان
#كوش #تاسيتي #كرمة #نبتة #مروي

Address

الخرطوم ، السوق العربي ، جنوب مستشفى الراهبات و شمال فندق البحرين، في عمارة حبيب الله (جي تاون) الطابق الثالث
Khartoum

Opening Hours

Monday 09:00 - 17:00
Tuesday 09:00 - 17:00
Wednesday 09:00 - 17:00
Thursday 09:00 - 17:00
Saturday 09:00 - 17:00
Sunday 09:00 - 17:00

Telephone

+249123449222

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when المنظمة النوبية للثقافة و إحياء التراث و التنمية - أونجورتي_ⲟⲩⳡⲟⲩⲣⲧⲓ posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share