14/08/2026
جدارية الموسيقيين النوبيين
- نقلا عن المنظمة النوبية للثقافة و إحياء التراث و التنمية - أونجورتي_ⲟⲩⳡⲟⲩⲣⲧⲓ
تعد واحدة من أهم الوثائق الأثرية التي تلقي الضوء على الحياة الطقسية والموسيقية في مملكة #كوش خلال عهد الأسرة الخامسة والعشرين. تقع هذه الجدارية ضمن المعبد (T) في موقع #الكوة الأثري (Gematon)، وهو المعبد الذي شيده الملك "تهارقا" (690-664 ق.م) ليكون صرحاً دينياً يمتفرداً. وقد نالت هذه الجدارية اهتماماً خاصاً من العالم "إم. إف. لامينج ماكآدم" (M. F. Laming Macadam) الذي قام بتوثيقها بدقة قبل أن تتعرض للتلف الكلي نتيجة عوامل التعرية والإهمال - الإهمال الذي لا يمكن أن يغتفر-.
⌑ السياق المكاني والطقسي للجدارية:
كانت الجدارية متواجدة في الأصل في صالة الأعمدة (Hypostyle Hall) بالمعبد (T)، وتحديداً على النصف الجنوبي من الجدار الغربي. تشكل هذه اللوحة جزءاً من مشهد أكبر يصور "الموكب الرابع" (Procession IV)، وهو موكب ديني جنائزي أو احتفالي مهيب يرافق القارب المقدس (Macadam 1955, 76).
إن اختيار موقع الجدارية في صالة الأعمدة، وهي المنطقة التي تفصل بين الفناء الخارجي المفتوح وقدس الأقداس، يعكس الدور الحيوي للموسيقى كعنصر وسيط في الطقوس الدينية لدى النوبيين القدماء، حيث كانت الفرق #الموسيقية ترافق الملك والكهنة في تحركاتهم داخل المعبد لتوفير الخلفية الصوتية المقدسة للصلوات والقرابين.
⌑ التكوين الفني والآلات الموسيقية:
تتميز الجدارية بتصوير فرقة موسيقية متكاملة ( ) تضم عازفين ومغنين يرتدون أزياء نوبية مميزة، وتظهر الآلات الموسيقية المصورة تنوعاً كبيراً يعكس التطور الفني في تلك الحقبة.
أولاً، يبرز عازفو #الأبــواق (Trumpeters) في مقدمة الفرقة، حيث يصف ماكآدم أحد العازفين وهو يحمل بوقين في آن واحد، مما يشير إلى مهارة تقنية عالية في الأداء المزدوج (Macadam 1955, 78).
ثانياً، تظهر #الطبول كعنصر إيقاعي أساسي، حيث تم تصوير عازف يحمل طبلة أسطوانية طويلة (Barrel-drum) معلقة بحزام حول عنقه وتدلى أمامه، وهو نمط إيقاعي ربطه ماكآدم بالتقاليد الإفريقية المعاصرة التي لا تزال سائدة في السودان وبعض مناطق شرق إفريقيا (آلة النَـوٓبة)، مما يؤكد على الجذور الثقافية العميقة لهذه الآلات (Macadam 1955, 79).
ثالثاً، تتضمن الجدارية عازفي #القيثارة (Harpists)، حيث يظهر عازفان يقومان بالأداء على قيثارات قوسية ضخمة. يصف ماكآدم إحدى القيثارات بأنها ذات #سـبعة أوتار، ويظهر العازف وهو يستخدم كلتا يديه للنقر على الأوتار، بينما يمسك العازف الآخر آلة أصغر حجماً بيد واحدة.
رابعاً، يظهر في المشهد مجموعة من #المغنين (Singers) في وضعية لافتة، حيث يضعون أيديهم على آذانهم، وهي وضعية فنية #وظيفية يستخدمها المؤدون حتى يومنا هذا للتحكم في طبقات الصوت أو سماع رنين أصواتهم، وقد خمن ماكآدم أن بعضهم قد يكونون من #المكفوفين نظراً لطريقة وقوفهم وإمساكهم بملابس من يسبقهم (Macadam 1955, 80).
⌑ الاندثار والتوثيق الأثري:
تمثل قصة بقاء هذه الجدارية مفارقة #مأساوية في تاريخ علم النوبيات. فبعد اكتشافها وتوثيقها من قبل بعثة جامعة أكسفورد، تقرر نقل الجدار الذي يحمل هذه النقوش إلى الخرطوم للحفاظ عليه وعرضه في حديقة المتحف القومي.
ومع ذلك، وبسبب غياب الحماية الكافية والظروف الجوية و الإهمال الواضح، أدت مياه الأمطار المتكررة إلى تآكل الحجر الرملي وتلاشي النقوش تماماً. ولولا التوثيق الدقيق الذي قام به ماكآدم من خلال الرسوم التوضيحية (Facsimiles) والوصف التفصيلي، لكانت هذه المعلومات حول الموسيقى النوبية في عصر #تهارقا قد ضاعت للأبد.
إن جدارية الموسيقيين بمعبد الكوة لا تقدم فقط سجلاً للآلات الموسيقية، بل تعكس أيضاً التنظيم الاجتماعي والمهني داخل المعابد النوبية، حيث كانت الموسيقى مهنة مقدسة تمارس وفق بروتوكولات دقيقة تليق بحضور الملك والآلهة.
- صور أصيلة من الموقع الأثري في التعليقات.
⌑ المراجــع :
Macadam, M. F. Laming. The Temples of Kawa: II. History and Archaeology of the Site. London: Oxford University Press, 1955.
---
#المقرة #علوة #نوباتيا #دنقلا #فرس #سوبا #السودان
#كوش #تاسيتي #كرمة #نبتة #مروي