15/10/2026
نساء مخيم طولكرم شاهدات على الذاكرة وصانعات للمستقبل
طولكرم- تشرين أول 2026
ماذا لو ركبنا قطار الزمن وعدنا إلى البدايات؟ ولكن أي بداية نقصد، وحكايتنا الفلسطينية تمتد عميقاً في التاريخ؟ لعلنا نعود مئة عام إلى الوراء، لا لنبحث عن نقطة البداية فحسب، بل لنسأل: ماذا حلّ بنا؟ كيف كنّا، وكيف صرنا؟
تضحك النساء وهنّ يتحلّقن حول حكاياتهن، يستعدن زمناً عشنه شاباتٍ في مخيم طولكرم خلال ثمانينيات القرن الماضي. كان الزمن ثائراً، وكانت الأحلام تتصاعد مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987. تتوالى الحكايات كأن النساء فرقة زجّالة واحدة، تبدأ إحداهن جملة فتلتقطها الأخرى وتكملها: بتذكري لما. منعوا التجول وطلعنا من بين الزقاق.. وأنتِ، بتذكري لما التقينا في المظاهرة ورموا علينا غاز ... وتلك اللحظة، عندما وقفتُ على الشرفة وسمعت صراخ النسوة بعد استشهاد أخيك..
تصطف الحكايات الفردية جنباً إلى جنب، لتبني مساراً جمعياً يشبه حكايتنا كشعب؛ حكاية نضالنا وأدوار النساء اللواتي حفظت الأزقة أصواتهن، بينما غابت كثير من تفاصيل حياتهن عن صفحات التاريخ المكتوب.
ثلاثة أجيال.. وذاكرة واحدة
كان لافتاً حجم الوعي والتجربة اللذين حملتهما المشاركات، وهنّ يستعدن قصص العائلة والراحلين والشهيدات والشهداء، وحكايات الأسر والإبعاد والنزوح والتنقل، والأمل الذي لم ينقطع بالعودة.
لكن العودة التي تشغلنا اليوم تحمل معنى إضافياً؛ فبعد أن ظلّت العودة إلى البلاد حلماً مؤجلاً في ذاكرة اللاجئات واللاجئين، باتت العودة إلى المخيم نفسه مطلباً ملحّاً، بعدما أعاد النزوح القسري مخيم طولكرم وأهله إلى محطات انتظار جديدة.
هناك، تتجلّى ملامح نساء وُلدن في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وعشن محطات كثيرة من التاريخ الفلسطيني. نساء اختلفت تجربتهن عن تجربة أمهاتهن وجدّاتهن، لكنهن حملن ذاكرتهن، واستمعن طويلاً إلى حكاياتهن، ثم أصبحن هنّ أنفسهن شاهدات على التاريخ وصانعات لتفاصيله.
هنّ النساء اللواتي استمعن إلى حكايات الأمهات والجدّات والأجداد، وعشن الانتفاضة الأولى شاباتٍ ثائرات، ثم عشن الانتفاضة الثانية أمهاتٍ وفاقداتٍ وأسيرات. راقبن دموع أمهاتهن على أخوالٍ أُبعدوا عن الوطن، واحتفظن بصور أعمامٍ في الشتات وأخوالٍ عاشوا حرب لبنان، واستقبلن عام 1994، مع أطفالهن الصغار، إخوةً وخالاتٍ وأعماماً عادوا إلى البلاد.
وفي اللقاء، كانت الشابات حاضرات أيضاً؛ فتيات في العشرينيات، متعلمات وطالبات جامعيات، جلسن باهتمام يصغين إلى التاريخ ويشاركن في توثيق قصص النزوح واللجوء.
كان حضورهن لافتاً، ليس فقط لما أبدينه من اهتمام بتاريخ فلسطين، بل لما عكسته تخصصاتهن الجامعية، من القانون والاعلام وغيرها، من وعي بإمكانية تحويل المعرفة إلى فعل، والذاكرة إلى أداة لفهم الواقع والدفاع عن الحقوق. غير أن النزوح القسري الذي عاشه أهالي مخيم طولكرم عام 2025 أعاد هؤلاء الشابات إلى تجربة عرفتها الجدّات قبل عقود؛ تجربة الاقتلاع من المكان، والبحث عن الأمان، والانتظار الذي لا يعرف أحد متى ينتهي.
الجدّات.. ذاكرة النكبة التي لم تنطفئ
كانت الجدّات حاضرات في اللقاء، بوضوح يدمع العيون والقلوب، استعدن حرب عام 1967، وفقدان عائلاتهن التي نزحت قسراً إلى الشتات، وأيام الرسائل الورقية البعيدة، حين كانت الأخبار عن الأحبة في أصقاع الأرض تصل متأخرة، أو لا تصل أبداً.
ما زلن يعرّفن أنفسهن بأسماء قراهن وبلداتهن: أنا من مسكة أنا من أم خالد. أنا من أم الزينات، أنا من عرب النفيعات ونحن البدويات اللواتي هُجّرنا من وادي الحوارث فالعودة إلى البلاد ليست ذكرى بعيدة أو حنيناً عابراً، وإنما حقّ حاضر في الوعي، لا تزعزعه سنوات اللجوء ولا تجارب النزوح المتكررة.
حين تصبح الذاكرة فعلاً نسوياً ووطنياً
لم يكن هذا اللقاء مجرد مساحة لاستعادة الذكريات، ولا خبراً عابراً عن نشاط نسوي. لقد كان حدثاً حين عاد التاريخ ليتكلم بأصوات النساء، وحين التقت أجيالهن في مخيم طولكرم، ضمن مشروع صوت المرأة والقيادة، بوصفهن شاهدات على التاريخ وصانعات لمستقبل الوطن.
في هذا اللقاء، لم نترك شيئاً خلفنا؛ جمعنا الدموع والضحكات، والحكايات والقهر والأمل، ووضعناها جميعاً في مساحة واحدة، لنكتب حكاية جديدة قد ترويها الأجيال القادمة يوماً ما.
فالذاكرة النسوية ليست هامشاً في التاريخ الفلسطيني، ولا مجرد مجموعة من القصص الشخصية. إنها سجلّ لتجارب اجتماعية ووطنية وسياسية، تكشف أدوار النساء في النضال والصمود والرعاية ومقاومة الاقتلاع، وتعيد إليهن مكانتهن بوصفهن صاحبات فعل ورأي وقرار.
من المخيمات تبدأ الحكاية.. وإليها تعود
يأتي هذا العمل في إطار الشراكة الممتدة بين طاقم شؤون المرأة، وجمعية كي لا ننسى، ومؤسسة كير الدولية في فلسطين، وبشراكة مع المراكز النسوية في المخيمات الفلسطينية.
ويعمل مشروع «صوت المرأة والقيادة» في مرحلته الأولى في ست مخيمات فلسطينية: عقبة جبر، وشعفاط، والعروب، وجنين، وعسكر، وطولكرم، طامحاً إلى توسيع نطاق العمل ليشمل مخيمات أخرى مستقبلاً.
ولا يقتصر طموح المشروع على جمع الشهادات وتوثيق الذاكرة، بل يمتد إلى تأسيس مبادرات مستدامة تنطلق من داخل المخيمات، وتتخذ من المراكز النسوية فضاءً لها، لتجمع أجيال النساء، ولا سيما الشابات واليافعات، وتفتح أمامهن مجالاً للتعلم المتبادل، وتبادل الخبرات، وتطوير مبادرات تستجيب لاحتياجات مجتمعاتهن.
يا ولاد حارتنا.. يويا!
من لا تزال تحمل الأمل فلتأتِ إلى هنا لمركز القاعة؛ جاء الجميع، وغّنت النساء بلا اتفاق ولكن بانسجام كامل: “يا ولاد حارتنا.. يويا" رد الجميع بكل بساطة.
طاقم شؤون المرأة منتدى المنظمات الاهلية الفلسطينية لمناهضة العنف ضد المرأة @