18/11/2023
كتبت الشهيدة نادية عبداللطيف تأملاتها في متحف القرارة خلال الزيارات الثقافية ضمن مبادرة حياة في الجامعة
" كنا نعيش في بيت بُني بالتاريخ و شيدته الذكريات، كانت حجارته تحتضننا و تقص علينا قصصٌ شَهِد عليها الزمن، كنا نخيط قلوبنا معاً لنرسم لوحة فنية عنوانها الإلتجاء، و كان لكل واحد منا شنطة حديدية مغلفة بجلد لتدفئ الذكريات داخلها، بداية يومنا كانت بفَرش البساط بعد أن تركنا رياح المساء لتربت عليه بعد أن سقته السماء بأمطار كانت إيقاع رقصات نساء بيتنا و دبكة رجالنا، أحد أولادي كان يُأثّثُ البيت بأخشاب الزيتون و آخرٌ كان يعمل في النّحاسة فيخلق لنا من قطعة معدن صاج و ببور و متحف، كنت أنا و ابنتي أخيط أثواباً تليق بوطنٍ سيعيش للأبد، و زوجي العزيز كان يحمل في رقبته مفتاح البيت كي لا ينسى نفسه، لأننا كنا نحمل بيتنا داخلنا لتحميه قلوبنا، ليعود في المساء بعد يوم طويل من حصاد الحب الذي زرعه بالأمس، و تبادله الحديث مع الخراف التي كان يعتبرها كأبنائه، أحببنا الحياة و ما زلنا نحتفظ بحبنا، لم يُهدم البيت و لم تتلاشى الذكريات، ما زلنا نحمل بيوتنا معنا، و لكننا تركنا قلوبنا هناك لترعاها الخراف و الذكريات، تركنا هويتنا تحت التراب حتى إذا لم نستطع العودة و نحن على قيد الحياة، ندفن ليعرفنا التراب، لنلتقي بوطن لم نستطع أن تتشبع رئتانا بهوائه كآخر هواء تلقاه، و أنا يا ولدي لم أتنفس منذ ثلاث و سبعون عام، أعيش تحت التراب و يملئني صبرٌ و أمل، بأنني سألتقي بماضيي ليصبح مستقبلي، و سأعود "
تأملات في متحف القرارة.
نادية عبد اللطيف