11/09/2025
إبن دوار أولاد بوتين الصحافي المقتدر @حميد الأبيض
- حميد الأبيض.. أنبل الحروف في زمن الصحافة.
بقلم: عبد العزيز الخبشي
في دهاليز التسعينيات، حين كانت الصحافة المغربية على أعتاب تحولات تكنولوجية غير مسبوقة، برزت أسماء قليلة استطاعت المزج بين أصالة القلم وسحر الحداثة الرقمية، ومن بين هذه الأسماء يظل الصحفي حميد الأبيض الآتي من بني وليد واحدا من الذين صاغوا تجربتهم بعرق المثابرة ونقاء اليد والقلب. عرفته لأول مرة في الطابق الرابع من إحدى البنايات في مركز مدينة تاونات، حيث كنا نلتقي في سيبير زهير، في مرحلة كانت الصحافة تدخل فيها عالم الرقمنة، نطبع الكلمات على الحواسيب ونرسلها عبر البريد الإلكتروني وكأننا نلمس نافذة لمستقبل جديد. كان الأبيض بدأ يشتغل حينها مع جريدة الصباح، بينما كنت أنا أواكب بعض أحداث إقليم تاونات وأرسلها إلى الصفحة الأسبوعية لجريدة الاتحاد الاشتراكي ليوم الأربعاء التي كان يشرف على إدارتها المرحوم المهدي الودغيري. منذ تلك اللحظة، أدركت أنني أمام قلم مختلف، رجل جعل من الصحافة رسالة ومسؤولية، لا مجرد مهنة عابرة.
لقد تجلت في شخصية حميد الأبيض خصال قلّما تجتمع في صحفي في تلك الحقبة، فقد كان يحمل في قسماته هدوء العارف، وفي كلماته صرامة الباحث عن الحقيقة، وفي سلوكه عفة نادرة تجعل من الخبر مسؤولية لا مجال فيها للمساومة. كان يكتب للناس كما لو أنهم وحدهم من يقرؤون، يراعي في كل جملة وزنها الأخلاقي، وفي كل خبر أثره الاجتماعي، فلا يلهث وراء الإثارة ولا ينساق خلف التلميع الزائف للوقائع. في زمن كانت فيه بعض الأقلام تسقط في فخاخ التوجيه المسبق والابتزاز الناعم، كان الأبيض أشبه بنسمة نقية ترفض أن تتلوث بالضجيج. وهذا ما جعله يحظى بالاحترام حتى عند من اختلف معهم في الرأي أو التقدير. نزاهته لم تكن شعارا يرفعه، بل ممارسة يومية تنسج تفاصيلها في أبسط أعماله الصحفية.
ومع مرور السنوات، ظل شغفه بالخبر ثابتا، فقد تعامل مع الصحافة باعتبارها رسالة حياة، لا مجرد مهنة تؤمن لقمة العيش. كل من جاوره أو عمل معه يعرف أنه لم يكن يساوم في أخلاقيات المهنة، ولم يتردد في التضحية بسبق صحفي أو فرصة إذا كان ذلك يمس الحقيقة أو كرامة الإنسان. حمل الصحافة على كتفيه كما يحمل الفارس سيفه، بحزم وبشرف، ما جعل من تجربته نموذجا فريدا، إذ لم يكن مجرد ناقل للأخبار، بل مؤرخا للوقائع اليومية، يرسم بتقاريره ملامح مرحلة كاملة من تاريخ الإعلام المحلي والوطني.
كانت بداياته في جريدة الصباح فرصة لصقل موهبته وإبراز تفانيه في العمل، إذ عرف بانضباطه واحترامه الصارم للمواعيد، فضلا عن قدرته على صياغة الأخبار بلغة سلسة تجمع الدقة والوضوح. لم يكن يكتفي بنقل الخبر الخام، بل يغوص في خلفياته ويستنطق تفاصيله، ليمنح القارئ مادة متكاملة تتجاوز حدود المعلومة إلى فضاء التحليل والفهم. هذا العمق في المقاربة أكسبه تقدير زملائه ورؤسائه، وكان يعرف أن الصحافة ليست مجرد مرآة تعكس الأحداث، بل ضمير المجتمع الذي يلتقط الظلال كما يلتقط الأضواء، ويميز بين الصالح والطالح بحكمة ومسؤولية.
تميز حميد الأبيض بجرأته في مقاربة الملفات الحساسة، فقد كتب عن قضايا الرشوة والفساد المحلي، ونبش في ملفات اجتماعية كان كثيرون يتجنبونها. ففي تحقيقاته عن ملف الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب بتاونات، نقل معاناة الساكنة وأجبر المسؤولين على التفاعل مع مطالبهم. كما غطى أحداثا كبرى مثل احتجاجات العطش بقرى غفساي، وأعاد إلى الواجهة قضية الوضع الصحي الكارثي بالمستشفى الإقليمي لتاونات، حيث سلط الضوء على غياب التجهيزات والأطر. كما كان له حضور بارز في متابعة قضية غرق التلاميذ في واد ورغة، وتحولت تقاريره إلى شهادات دامغة على هشاشة البنية التحتية وغياب شروط السلامة. هذه القضايا وغيرها أكدت أن الأبيض لم يكن مجرد ناقل للخبر، بل كان شاهدا منحازا للحق، وصوتا يعكس وجع الناس ويستنهض الضمير الجماعي.
ما يثير الإعجاب في شخصية حميد الأبيض هو قدرته على التوازن بين إنسانيته كفرد، وبين دوره كصحفي يتحمل مسؤولية اجتماعية جسيمة. طوال مساره ظل حريصا على احترام كرامة الأشخاص الذين يكتب عنهم، حتى أولئك المتورطين في قضايا مثيرة للجدل، مدركا أن لكل إنسان جانبه الإنساني الذي لا يجوز المساس به، وأن الصحافة، مهما بلغت من حرية، تظل محكومة بحدود الأخلاق والإنصاف. في هذا السياق، شكل الأبيض نموذجا فريدا للصحفي النزيه الذي لا يسقط في فخاخ التشهير أو التلاعب بمصائر الناس، الأمر الذي أكسبه ثقة القراء وامتنان من تعامل معهم في مسارات متعددة.
تراكمت لدى الأبيض خبرة غنية جعلته مرجعا مهنيا موثوقا به، إذ لم يعد مجرد صحفي ميداني يلاحق الأحداث، بل أصبح مدرسة في الالتزام والجدية. كل من عمل معه أو قرأ له يشهد على الروح العالية التي ميزت مساره، روح قائمة على الإيمان العميق بأن الصحافة يجب أن تظل في خدمة الحقيقة، لا مصالح ضيقة أو نزوات شخصية. ولعل هذا ما جعله يحظى حتى اليوم باحترام واسع في الوسط الإعلامي، إذ يمثل نموذجًا لما يجب أن يكون عليه الصحفي الحقيقي: عين ترى بصدق، قلب يخفق بالمسؤولية، وقلم لا ينكسر أمام الإغراءات ولا ينحني للعواصف.
ولعل ما يزيد من قيمة تجربته المهنية هو إصراره النبيل على الاستمرار في أداء رسالته الإعلامية بنفس الروح النزيهة التي عرف بها منذ بداياته في تسعينيات القرن الماضي. فما زال، رغم كل التحولات العاصفة التي عرفها المشهد الصحفي، ورغم ثورة الأدوات الرقمية، يحرص على البقاء وفيا لأخلاقيات الصحافة كما تعلمها وعاشها، ملتزما بالحياد والموضوعية، متشبثا بالصدق في نقل الأخبار، مؤمنا بأن الصحافة رسالة ومسؤولية تجاه المجتمع والتاريخ. إن استمراره اليوم، في زمن تغلب فيه الضوضاء على الحقيقة، يشكل برهانا ساطعا على أن النزاهة ليست خيارا ظرفيا، بل جوهر متجذر في شخصية الصحفي المخلص. ولعل الأجيال الجديدة التي تدخل عالم الصحافة تحتاج إلى رؤية أمثال حميد الأبيض لتدرك أن المهنة لا تقوم على الإثارة الفارغة أو اللهاث وراء العناوين، بل على العفة في القول، والتجرد في الموقف، والإيمان بأن الكلمة الصادقة هي وحدها ما يبقى.
إن الحديث عن حميد الأبيض ليس مجرد استعادة لذكريات ماضية، بل استحضار لقيم كبرى نحن في أمسّ الحاجة إليها في زمن تتعرض فيه الصحافة لأمواج عاتية من التشكيك والابتذال. فهو رمز لجيل حمل الصحافة على محمل الجد، واعتبرها منبرا للتنوير لا سوقاً للمزايدات. لقد علّمنا الأبيض أن الكلمة مسؤولية، وأن الصحفي لا يُقاس بعدد العناوين المثيرة التي ينشرها، بل بما يتركه في الذاكرة الجمعية من أثر صادق ونبيل.
وبهذا، يظل حميد الأبيض أكثر من مجرد صحفي، فهو ذاكرة حية لمرحلة غنية بالتحولات، وشاهد على ميلاد حداثة إعلامية عشنا تفاصيلها في الطابق الرابع من تلك البناية في مركز مدينة تاونات، حيث كانت الحروف تخط على شاشة الحاسوب وكأنها تتلمس طريقها الأول نحو الضوء. إن سيرته تظل درسا بليغا للأجيال الجديدة من الصحفيين، رسالة تقول لهم إن الصحافة ليست مهنة من لا مهنة له، بل حرفة العظماء الذين يختارون حمل مشعل الحقيقة مهما كان الطريق وعراً وطويلاً.
- فاس في ٩ شتنبر ٢٠٢٥.
- عبد العزيز الخبشي.