03/05/2026
… ّس:
ّر_الواجهة
✍️بقلم الأستاذ: عبد الجليل فريد
ليس فاتح ماي مجرد محطة احتفالية عابرة، بل لحظة مكثفة لإعادة طرح سؤال الكرامة في الشغل، وسؤال موقع الإنسان داخل منظومة الإنتاج. إنه اليوم الذي يذكّرنا بأن وراء كل رقم في المؤشرات الاقتصادية إنسانًا، ووراء كل نمو مُعلن جهدًا يوميًا غالبًا ما لا يُنصف.
في المغرب، كما في كثير من السياقات المماثلة، يبدو أن المعادلة قد انقلبت في جوهرها: بدل أن تكون مؤسسات الإنتاج هي التي تبحث عن اليد العاملة بشروط عادلة، أصبح العامل والعاملة هما من يبحثان عن العمل، أيّ عمل، بأيّ شروط، فقط لضمان البقاء. وهذا التحول ليس تفصيلًا اقتصاديًا بسيطًا، بل عنوان لاختلال عميق في ميزان القوة داخل المجتمع، حيث تتحول الحاجة إلى العمل من مصدر للحق إلى مصدر للابتزاز.
في الواقع المعيش، يواصل العمال والعاملات حمل ثقل الاقتصاد الحقيقي: في المصانع، والضيعات، والبناء، والخدمات، وفي الاقتصاد غير المهيكل. ومع ذلك، لا ينعكس هذا الجهد في مستوى عيش كريم أو استقرار مهني. أجور ضعيفة، ساعات عمل مرهقة، هشاشة في العقود، وتغطية اجتماعية غير كافية، كلها تجعل من الشغل مصدر قلق بدل أن يكون مصدر أمان. وتزداد هذه الصورة قتامة مع الارتفاع المستمر في كلفة الحياة، ما يخلق فجوة يومية بين ما يُنتج وما يُعاش.
غير أن أخطر ما في هذه التحولات ليس فقط تدهور شروط العمل، بل تراجع القوة الجماعية القادرة على التفاوض والدفاع عن الحقوق، في ظل تشتت أنماط التشغيل وتنامي الهشاشة. وهنا يصبح العامل فردًا معزولًا في مواجهة منظومة اقتصادية أكثر تنظيمًا وقوة.
لكن، إذا كان هذا هو وجه الأزمة في قطاعات الإنتاج التقليدية، فإنها تتخذ وجهًا أكثر مفارقة داخل قطاع يُفترض أنه يصنع الوعي لا أن يستنزفه.
المدرّس في القطاع الخاص، رغم اختلاف طبيعة عمله، يعيش في العمق نفس منطق الهشاشة، وإن بأدوات أكثر “نعومة”. ففي قلب كل مشروع تربوي، يفترض أن يكون المدرّس صانعًا للمعنى ومهندسًا للوعي، غير أنّه يتحول تدريجيًا إلى عنصر ضمن معادلة الربح، تُقاس قيمته بقدرته على القبول بشروط السوق، لا بكفاءته التربوية.
هنا، ننتقل من استغلال الجهد البدني إلى استنزاف الجهد الفكري. المدرّس، الذي يُفترض أن يكون حامل رسالة، يجد نفسه في كثير من الحالات محكومًا بأجور هزيلة، تفاوتات غير عادلة، غياب الاستقرار، وضعف التكوين المستمر. بل إن بعض المؤسسات تفتح الباب أمام تشغيل غير مؤطر، فيتحول التعليم إلى مجال لاستيعاب يد عاملة بأقل تكلفة، في منطق استثماري صرف.
والمفارقة الصارخة أن هذا المدرّس نفسه هو واجهة المؤسسة وشرط إشعاعها. فكلما كان مؤهّلًا، ارتفعت جودة التعليم وثقة الأسر. ومع ذلك، يُصرّ البعض على التعامل معه ككلفة يجب تقليصها، لا كقيمة يجب الاستثمار فيها. وهنا، تلتقي أزمة العامل مع أزمة المدرّس: في الحالتين، يتم اختزال الإنسان إلى رقم داخل ميزانية.
إن ما يجمع بين العامل في المصنع والمدرّس في القسم هو نفس الخيط الناظم: هشاشة الشغل حين يُفصل عن الكرامة. فإذا كان العامل يُرهق جسديًا في دورة الإنتاج، فإن المدرّس يُستنزف رمزيًا داخل سوق تربوي متسارع، حيث تتحول المعرفة إلى سلعة، والمدرسة إلى مقاولة، والتلميذ إلى “زبون”.
أمام هذا الواقع، لا يمكن إعفاء أي طرف من المسؤولية. فالدولة مطالبة بإرساء قواعد واضحة تضمن الحد الأدنى من الكرامة المهنية في كل القطاعات، بما فيها التعليم الخصوصي، عبر قوانين تؤطر الأجور، والتوظيف، والتكوين. كما أن أصحاب المؤسسات مدعوون إلى إعادة التفكير في نموذجهم، لأن الاستثمار الحقيقي ليس في البنايات ولا في الإشهار، بل في الإنسان.
أما على المستوى المجتمعي، فإن إعادة الاعتبار للعمل—يدويًا كان أو فكريًا—تمر عبر استعادة الوعي الجماعي بأن الكرامة ليست امتيازًا، بل حقًا. وأن العمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل أساس لبناء مجتمع متوازن.
في النهاية، يظل جوهر فاتح ماي واحدًا، رغم تعدد الواجهات:
أن العامل ليس عبدًا، والمدرّس ليس سلعة.
أن من يصنع الثروة، ومن يصنع الوعي، يستحقان معًا الإنصاف.
#فحين يُهان العامل، يختل الاقتصاد.
#وحين يُهان المدرّس، يختل المستقبل.