03/06/2026
الحكامة الترابية في شاطئ الحوزية: بين طموح الاستدامة وفوضى الاختلالات
تتحرك المقاربات الحديثة للحكامة الترابية في المغرب نحو تكريس الاستدامة وحماية التوازن البيئي للشريط الساحلي، باعتباره ثروة وطنية عابرة للأجيال لا يمكن إخضاعها للمنطق السلعي الضيق. وكان من المفترض، طبقاً لهذه الموجهات الاستراتيجية، أن تشكل جماعة الحوزية التابعة لنفوذ إقليم الجديدة نموذجاً ساطعاً للتنمية المجالية المتكاملة؛ فهي تمتلك كافة المقومات التي تؤهلها للعب دور الريادة الاقتصادي والسياحي، نظراً لتموقعها الجغرافي الاستراتيجي كواجهة بحرية وحيدة ومتنفس طبيعي لمدينة أزمور العريقة، فضلاً عن قربها المباشر من القطب السياحي الضخم "مازاغان"، وهو ما يدر عليها مداخيل ضريبية مرتفعة تجعلها من أغنى الجماعات القروية في الإقليم.
غير أن القراءات التقاطعية لواقع الحال، والتقارير الصحفية والحقوقية التي نُشرت تباعاً حول هذه الجماعة، تكشف عن مفارقة صارخة وصورة مجالية مقلوبة؛ حيث تعيش الجماعة منذ سنوات تحت وطأة "ثلاثية اختلالات مترابطة ومتزامنة". تتلخص هذه الثلاثية في: التفويت الممنهج والواسع لأجزاء حيوية من الملك العام البحري تحت مسميات "الاحتلال المؤقت"، والانفلات العمراني الخطير الذي يتجسد في تفريخ أحياء عشوائية بكاملها في دواوير بعينها، وأخيراً التجاوزات التنظيمية والأمنية الفاضحة بمرافق سياحية، وعلى رأسها نموذج المراقص الليلية المشبوهة.
إن هذه الثلاثية لا تتحرك بشكل معزول، بل تتقاطع وتتغذى من أزمة بيئية مركبة تتبدى في ظاهرة التعرية الساحلية الحادة التي أكلت الشاطئ، والنهب الليلي المنظم للرمال، وتحويل الغابة المجاورة إلى مطرح عشوائي للنفايات. بناءً على هذا التشخيص الميداني، نطرح سؤالاً مركزياً ومؤرقاً: هل نحن في جماعة الحوزية أمام مجرد تعثر معزول في تنزيل ترسانة قانونية واضحة، أم أننا أمام منظومة حكامة ترابية مأزومة وتواطؤ مصلحي يفرز عمداً "فوضى مجالية مستدامة" تخدم مصالح سياسية وانتخابية ومالية ضيقة؟
أولاً: تدبير الملك العام البحري وإشكالية "الخوصصة المقنعة"
لقد أثارت التقارير والتحقيقات الصادرة سابقاً حول شاطئ الحوزية نقاشاً قانونياً وحقوقياً واسعاً يتعلق بكيفية تدبير قطاع الملك العام البحري. فالواقع الميداني يشير إلى أن الشاطئ تحول إلى حلبة لعمليات "منح استغلال مؤقت" توسعت بشكل غير مفهوم لتشمل رخصاً لفائدة مؤسسات عمومية وشبه عمومية وشركات خاصة وجمعيات للأعمال الاجتماعية (مثل الدرك الملكي، المكتب الوطني للسكك الحديدية، اتصالات المغرب، المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، مؤسسة محمد السادس، بالإضافة إلى الامتيازات الممنوحة لمنتجع مازاغان وبعض المخيمات السياحية).
وعلى الرغم من أن التسمية القانونية المعتمدة في الأوراق الرسمية هي "الاحتلال أو الاستغلال المؤقت"، إلا أن الممارسة على أرض الواقع حورت هذا المفهوم تحويراً جذرياً؛ حيث تحولت هذه المساحات الشاطئية الشاسعة إلى فضاءات مغلقة ومسيجة بالأسوار والأسلاك، تخضع لحراسة مشددة ويُقيد ولوج المواطنين إليها بشروط تمييزية أو بفرض مقابل مادي مجحف.
خرق صريح لقانون الساحل والدستور: هذا التحول البنيوي يضرب في العمق الفلسفة التشريعية للترسانة القانونية الوطنية، وتحديداً المادة الثالثة من القانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل، والتي صاغها المشرع صياغة حاسمة لا تقبل التأويل، مؤكداً أن الملك العام البحري هو ملك للدولة غير قابل للتفويت، ولا للتقادم، ولا للحجز، ويجب أن يظل مفتوحاً مجاناً أمام العموم. إن حرمان الساكنة المحلية وزوار الإقليم من حقهم الطبيعي في الولوج الحر للشاطئ لا يقتصر على كونه خرقاً لقانون الساحل، بل يمتد ليشكل انتهاكاً لروح الفصل 31 من الدستور المغربي الذي يضمن تيسير ولوج المواطنات والمواطنين للمرافق العمومية والبيئة السليمة.
ولم تتوقف تداعيات هذه الخوصصة المقنعة عند حد التضييق الحقوقي والاجتماعي، بل تعدته إلى أثر بيئي كارثي؛ إذ إن السماح بتشييد بنايات إسمنتية صلبة ملاصقة لمياه البحر وداخل شريط المئة متر الممنوع قانوناً بموجب المادة السابعة من قانون الساحل، ساهم بشكل مباشر في تغيير المسار الطبيعي لحركة الأمواج وانكسارها. هذا الاضطراب الهيدروليكي أدى إلى تسريع وتيرة التعرية الساحلية، مما تسبب في اختفاء الرمال الذهبية التي كانت تميز شاطئ الحوزية وظهور صخور وأحجار صلبة مكانها، مهدداً بذلك المأوى الطبيعي للأحياء البحرية ومشوهاً الجاذبية السياحية للمنطقة.
ثانياً: الانفلات العمراني بدواوير الحوزية وصناعة "الخزان الانتخابي"
الوجه الثاني للأزمة الترابية بجماعة الحوزية، والذي حظي بمتابعة إعلامية واسعة، يتمثل في الانفلات العمراني المتسارع الذي تشهده دواوير سواني الموس، والزحيحيف، والشياظمة. في هذه المناطق، توارت الضوابط القانونية للتعمير ليفسح المجال أمام تشييد عشوائي مكثف لمنازل وبنايات إسمنتية متفرقة، تفتقر إلى أي تصميم تهيئة أو تراخيص قانونية مسبقة. واللافت للانتباه في هذا سياق هو "الآلية التدليسية" المعتمدة لتمرير هذه المخالفات؛ حيث يتم استغلال "رخص الإصلاح والترميم" البسيطة التي تمنحها الجماعة كغطاء شرعي مزيف لبناء مساكن ضخمة وجديدة من الصفر.
من الناحية القانونية الصرفة، تشكل هذه الممارسات خرقاً موصوفاً لمقتضيات قانون التعمير 12.90، ولا سيما المادة الخمسين التي تلزم الحصول المسبق على رخصة بناء قبل إقامة أي منشأة، والمادة الرابعة والستين التي تقر عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية وهدماً للمباني المخالفة. علاوة على ذلك، فإن تحريف الغرض من رخصة الإصلاح لبناء منشأة جديدة يتجاوز حدود المخالفة التعميرية ليدخل في اختصاص القانون الجنائي، حيث يكيف كجريمة "تزوير في محررات إدارية واستعمالها".
إن هذا الانفلات العمراني أسفر ميدانياً عن تفريخ أحياء عشوائية مشوهة تفتقر لأبسط شروط ومقومات العيش الإنساني الكريم، نتيجة غياب الطرق المعبدة، وانعدام قنوات الصرف الصحي، وضعف شبكات الماء الشروب والإنارة العمومية. وتكمن الخطورة البيئية هنا في أن غياب الصرف الصحي يفرض على الساكنة الاعتماد على حفر مائية بدائية (مطامير) تؤدي على المدى المتوسط إلى تلويث الفرشة المائية الجوفية وضخ كميات هائلة من الملوثات نحو البحر.
غير أن البعد الأكثر خطورة والذي كشفت عنه الديناميات السياسية المحلية هو الدور الذي تلعبه "مافيا البناء العشوائي" بتواطؤ مع بعض الجهات النافذة؛ حيث يتم استغلال التراخي الإداري المتعمد لتشجيع الاستيطان العشوائي وبيع بقع أرضية غير مجهزة وبدون سندات ملكية قانونية. والهدف الحقيقي الكامن وراء غض الطرف عن هذا التشويه المجالي هو تحويل هذه التجمعات السكنية غير المهيكلة إلى "خزانات بشرية ثابتة للأصوات الانتخابية"، يتم استخدامها لضمان استمرار نفوذ نخب معينة، وضمان ولائها الإداري مقابل السكوت عن مخالفاتها.
ثالثاً: خروقات المرافق السياحية واستباحة السكينة والنظام العام
لا تقتصر مظاهر الفوضى الترابية في الحوزية على الهوامش والفضاوات المفتوحة، بل تمتد لتضرب في عمق المرافق السياحية المستفيدة من طفرة النفوذ الترابي للجماعة خلال فصل الصيف، ويبرز هنا نموذج "المراقص الليلية" المتواجد بالمنتجع كحالة تجسد استباحة القانون. فقد تواترت شكايات الساكنة المحلية والزوار المنشورة في منابر إعلامية متعددة بشأن الخروقات التنظيمية والأمنية والبيئية الجسيمة المرتبطة بهذا المرفق.
• على المستوى التنظيمي: يواصل هذا المرقص أنشطته وصخبه لساعات متأخرة من الليل، متجاوزاً بشكل دائم وممنهج مواقيت الإغلاق القانونية المحددة بموجب القرارات العاملية الصادرة عن عامل إقليم الجديدة. هذا التجاوز ينتج عنه تلوث سمعي وضوضاء مفرطة تقض مضجع الساكنة وتضرب في العمق حق المواطنين في السكينة العامة، وهو فعل مجرم صراحة بموجب الفصل 608 من القانون الجنائي المغربي ومقتضيات مدونة السير المتعلقة بالضوضاء بالمحيط والطرق المؤدية إليه.
• من الناحية الأمنية والاجتماعية: تشير التقارير إلى غياب تام للمراقبة الصارمة داخل هذا المرفق، مما أفرز مظاهر تسيب خطيرة تتمثل في السماح لولوج القاصرات والقاصرين، وتحول المحيط إلى مرتع لترويج واستهلاك المخدرات والمواد المحظورة، مما يهدد الأمن الروحي والأخلاقي للمنطقة ويسيء لصورتها كسياحة نظيفة ومسؤولة.
• من الناحية البيئية: يمتد الأثر السلبي لهذا الصخب الليلي المفرط إلى الجانب البيئي؛ فالشريط الساحلي للحوزية وغابته المجاورة يشكلان امتداداً لإيكولوجيا حساسة تحتضن أنواعاً من الطيور المهاجرة والحياة البرية الليلية. وإن استمرار الضوضاء والتلوث الضوئي الكثيف الصادر عن هذه المرافق لساعات الصباح الأولى يؤدي إلى خلل حاد في التوازن البيولوجي للمنطقة، ويدفع هذه الكائنات إلى الهجرة القسرية، مما يسرع وتيرة تدمير النظم البيئية المحلية في ظل غياب أي احترام لبنود دفاتر التحملات التي تلزم أصحاب هذه المشاريع بالعزل الصوتي التام واحترام النظام العام والصحة العامة.
رابعاً: التقاطع البيئي الكارثي للمخالفات الترابية
إن الميزة الأساسية للأزمة في جماعة الحوزية تكمن في خاصية "الترابط الجدلي التدميري"؛ حيث لا يمكن فصل أي اختلال من الاختلالات الثلاثة السابقة عن الآخر، بل إنها تتحرك كحلقة مفرغة يغذي فيها الفساد العمراني التدهور البيئي والساحلي. فالانفلات العمراني وتفريخ المنازل العشوائية بدواوير سواني الموس والزحيحيف والشياظمة يخلق طلباً هائلاً ومستمراً على مواد البناء الرخيصة، مما ينعش شبكات و"مافيات نهب الرمال" التي تنشط ليلاً مستغلة ضعف الحراسة لسرقة الرمال الذهبية للشاطئ باستعمال شاحنات وعربات مجرورة.
هذا النهب الممنهج، عند التقائه مع زحف البنايات الإسمنتية التابعة للخواص والمؤسسات داخل شريط المئة متر، يحرم الشاطئ من إمكانيات إعادة التغذية الطبيعية بالرمال، مما يجعل الكارثة مزدوجة: شاطئ يتآكل بفعل التعرية الميكانيكية للأمواج، وتعرية بشرية مقصودة بدافع الجشع العقاري.
ولم تسلم الغابة المحيطة بساحل الحوزية –والتي تعتبر الرئة المتنفسة للإقليم ككل– من هذا الزحف التدميري؛ إذ كشفت منشورات سابقة عن فضيحة بيئية من العيار الثقيل تمثلت في تحويل أجزاء من محيط هذه الغابة إلى مطرح عشوائي وسري للتخلص من النفايات الصلبة، والأخطر من ذلك، النفايات الطبية والصيدلانية الخطيرة.
إن هذا الفعل لا يشكل خرقاً عادياً، بل جريمة بيئية كاملة الأركان تقع تحت طائلة القانون رقم 11-03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة، والقانون رقم 28-00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها؛ فالنفايات الطبية تحتوي على سموم وميكروبات ومواد كيميائية تخترق التربة بسهولة مع تساقط الأمطار، لتصل مباشرة إلى المياه الجوفية التي تعتمد عليها الدواوير، مشكلة تهديداً وبائياً مباشراً للصحة العامة ومقوضة للمجهودات الوطنية في حماية النظم الغابوية.
خامساً: المسؤولية القانونية وآليات التدخل في ضوء القوانين التنظيمية
أمام هذا الوضع المتردي، تتجه أصابع الاتهام القانونية مباشرة إلى أجهزة الرقابة والشرطة الإدارية على المستويين المحلي والإقليمي. فالترسانة القانونية المغربية منحت صلاحيات واسعة وواضحة لم تفعّل بالشكل المطلوب والمفروض في نازلة جماعة الحوزية.
1. مسؤولية رئيس المجلس الجماعي والسلطة المحلية
المسؤولية الإدارية والسياسية الأولى تقع على عاتق رئيس المجلس الجماعي للحوزية باعتباره حائزاً لسلطة الشرطة الإدارية الجماعية بموجب المادة 100 من القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات، والتي تخوله السهر على نظافة المجاري والفضاوات، ومحاربة التلوث، وحفظ السكينة العامة، وضبط مخالفات التعمير وتوجيه الأوامر الفورية بوقف الأشغال المخالفة وتحرير المحاضر. كما تنعقد المسؤولية التضامنية على عاتق السلطات المحلية بـ "قيادة الحوزية" باعتبارها الممثل المباشر للإدارة الترابية وضابطة الشرطة القضائية المفترض فيها مراقبة تراب القيادة بشكل يومي ومنع تفريخ أي بناء عشوائي في مهده. إن هذا التقاعس الميداني المستمر، والذي وثقته لجان تفتيش تابعة لوزارة الداخلية في محطات سابقة، يرتب مسؤولية إدارية وتقصيرية جسيمة يمكن بناءً عليها تحريك مساطر العزل والمتابعة القضائية أمام المحاكم الإدارية بتهمة الشطط أو الامتناع عن تنفيذ القانون.
2. الصلاحيات الاستثنائية لعامل الإقليم
وفي المقابل، يمتلك عامل إقليم الجديدة سلاحاً قانونياً استثنائياً وصارماً منحه إياه المشرع بموجب المادة 64 مكرر من قانون التعمير 12.90، وهي سلطة "الهدم الإداري المباشر" لكل بناية مشيدة بدون رخصة أو خُرقت في تشييدها الضوابط الأساسية، دون الحاجة لانتظار صدور حكم قضائي قد يستغرق سنوات تستغلها المافيات لفرض الأمر الواقع. كما يملك العامل، استناداً إلى المادة 110 من القانون التنظيمي للجماعات، كامل الصلاحية لاتخاذ قرار الإغلاق الإداري المؤقت أو السحب النهائي لرخصة المرقص الليلي المخالف نصرةً للنظام العام، وتشكيل لجان إقليمية مختلطة ومسلحة بالقوة العمومية لتحرير الملك العام البحري المستباح.
3. المقاربة التشاركية ودور النسيج الجمعوي
أما على صعيد المقاربة التشاركية، فإن القوانين المعمول بها فتحت آفاقاً مهمة للمواطنين والمتضررين والنسيج الجمعوي لمواجهة هذا الحيف الترابي؛ إذ يمكن لساكنة دواوير سواني الموس والزحيحيف والشياظمة المتضررة من غياب البنية التحتية، أو المتضررين من ضوضاء المرفق السياحي، سلوك مسطرة تقديم الشكايات المباشرة وعرائض الطعن إلى والي الجهة، وعامل الإقليم، والمفتشية العامة للإدارة الترابية. كما يتيح القانون القضائي الإداري رفع دعاوى إلغاء القرارات الإدارية السلبية أو التراخيص المشبوهة أمام المحكمة الإدارية بالجديدة.
والأهم من ذلك، أن المشرع المغربي منح الجمعيات البيئية والحقوقية المؤسسة بصفة قانونية والمعترف لها بالمنفعة العامة، كامل الحق في الانتصاب كطرف مدني أمام المحاكم الزجرية في القضايا المرتبطة بالجرائم البيئية، مثل نهب رمال الساحل وتلويث غابة الحوزية بالنفايات الطبية، مما يجعل المجتمع المدني شريكاً أصيلاً في حماية التوازن المجالي وإعادة الاعتبار لسلطة القانون.
سادساً: استشراف ومآلات التدبير الترابي بجماعة الحوزية
بناءً على ما سبق، يتضح جلياً أن الوضعية الراهنة بجماعة الحوزية بإقليم الجديدة قد تجاوزت مرحلة المخالفات العادية المعزولة لتستقر في خانة "الأزمة الهيكلية المركبة"، حيث تترابط الأبعاد القانونية والعمرانية والبيئية لتشكل نموذجاً سلبياً لتدبير المجال الساحلي. إن هذا التوصيف لا يقف عند رصد مظاهر الخلل، بل يحمل في طياته تحذيراً شديد اللهجة للجهات الوصية؛ فاستمرار التفويت غير المقنن للملك العام البحري، وتكريس الانفلات العمراني بدواوير سواني الموس والزحيحيف والشياظمة لغايات انتخابية، والسكوت عن تجاوزات المرافق السياحية، والتغاضي عن جريمة طمر النفايات الطبية في الغابة ونهب رمال الشاطئ، كلها مؤشرات تؤكد أن المقاربات الترقيعية وسياسة "إطفاء الحرائق" قد استنفدت أغراضها ولم تعد صالحة لمعالجة واقع مأزوم.
إن المخرج الوحيد لإنقاذ جماعة الحوزية وإعادة بوصلتها نحو التنمية المستدامة يمر حتماً عبر حزمة من القرارات السيادية والجريئة التي يجب أن يتصدرها عامل إقليم الجديدة، تفعيلاً للتوجيهات الملكية السامية لوزارة الداخلية القاضية بقطع دابر الفساد الانتخابي والتعميري بالبلاد. ويتطلب هذا الأمر:
• إصدار أوامر فورية بالهدم الإداري لكل التجمعات الإسمنتية المشيدة خارج القانون أو عبر رخص إصلاح مزورة.
• تجميد شامل لكافة رخص الترميم الممنوحة في السنوات الثلاث الأخيرة لإخضاعها للمراجعة والتدقيق.
• تفعيل المتابعات القضائية الصارمة في حق المتورطين في نهب الرمال وطمر النفايات الخطيرة.
• الإغلاق الفوري للمرقص الليلي المخالف وإخضاع دفتر تحملاته لمراجعة شمولية تلزمه باحترام السكينة العامة والأمن الأخلاقي للمنطقة.
وعلى المستوى الهيكلي، لا يمكن الحديث عن إصلاح ترابي حقيقي دون تفعيل المبدأ الدستوري الثابت المتمثل في "ربط المسؤولية بالمحاسبة" في حق كل رجل سلطة أو منتخب جماعي ثبت تقاعسه أو تواطؤه في تفريخ هذه الاختلالات. إن جماعة الحوزية، بالنظر لمركزها المالي المريح، ملزمة اليوم برصد اعتمادات مالية استثنائية لإنجاز دراسات علمية هيدرولوجية دقيقة لوقف نزيف تعرية الساحل، وإعادة تأهيل البنية التحتية للدواوير المهمشة لتخليص الساكنة من واقع الإقصاء والتهميش وضمان إدماجهم في النسيج الاقتصادي بطرق قانونية ومهيكلة.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل التردد؛ فإما أن تتحرك الجهات المركزية والإقليمية الآن، وبشكل حاسم وصارم، لمعالجة هذه الثلاثية وإعادة هيبة القانون، وإما أن تترد الحوزية في دوامة فساد مجالي يتفاقم في صمت، حتى يتحول في المستقبل القريب إلى قنبلة اجتماعية، وبيئية، وقانونية موقوتة، سينعكس انفجارها سلباً على التنمية المستدامة لإقليم الجديدة وجهة الدار البيضاء-سطات ككل، وعندها سيكون ثمن الإصلاح باهظاً ومستعصياً على التفكيك.