29/07/2026
لم يعد التحدي الأكبر في تربية الأبناء هو أن نوفّر لهم المعرفة، فالمعرفة أصبحت أقرب إليهم من أي وقت مضى، يحملونها في جيوبهم، وتفيض بها شاشاتهم.
أما التحدي الحقيقي، فهو أن نغرس فيهم الحكمة التي تُحسن الانتفاع بالمعرفة، والبصيرة التي تميّز بين النافع والضار، والضمير الذي يختار الصواب حين تغيب الرقابة.
لقد كانت الأسرة في الأزمنة الماضية المصدر الأول لتشكيل عقل الطفل ووجدانه. أما اليوم، فقد دخل إلى كل بيت معلمون جدد لا يعرفهم الوالدان، ولا يملكون سلطانًا عليهم. إنهم صانعو المحتوى، والخوارزميات، والمنصات الرقمية، التي لا تنشغل ببناء الإنسان بقدر انشغالها بجذب انتباهه وإطالة بقائه أمام الشاشة.
ومن الخطأ أن تُدار هذه المرحلة بعقلية المنع وحده؛ لأن التقنية لم تعد ضيفًا يمكن إخراجه من البيت، بل أصبحت جزءًا من البيئة التي سينشأ فيها الأبناء، وسيتعلمون ويعملون ويتواصلون من خلالها.
ولهذا فإن التربية اليوم لا تقوم على مقاومة التقنية، وإنما على بناء إنسان لا تستعبده التقنية.
إن الطفل الذي يتعلم ضبط رغباته، وإدارة وقته، وتأجيل متعته، والتمييز بين الحقيقة والزيف، سيكون أقدر على التعامل مع العالم الرقمي من طفل مُنع منه سنوات طويلة، ثم أُلقي فيه دفعة واحدة دون إعداد.
ولعل أخطر ما أفرزته السرعة التقنية أنها دفعت بعض الآباء إلى الاعتقاد بأن تزويد الأبناء بالأجهزة نوع من الرعاية، بينما الرعاية الحقيقية هي تزويدهم بالمعايير التي يهتدون بها عند استخدام تلك الأجهزة. فالأداة لا تُفسد الإنسان ولا تُصلحه، وإنما يكشف استخدامها عن مقدار ما يحمله من قيمٍ وانضباط.
وستظل التربية، مهما تطورت التقنيات، فعلًا إنسانيًا لا تؤديه آلة، ولا تعوّضه شاشة. فالطفل يحتاج إلى عينٍ تلاحظ تغيراته، وقلبٍ يحتوي مخاوفه، وعقلٍ يحاوره، وقدوةٍ يقتدي بها. وهذه كلها لا تستطيع التقنية أن تمنحها، مهما بلغت من الذكاء.
إن المستقبل لن يكون من نصيب المجتمعات التي تمتلك أحدث التقنيات فحسب، بل من نصيب المجتمعات التي تنجح في تربية إنسانٍ يعرف كيف يستخدم التقنية، دون أن تسمح التقنية بإعادة تشكيل عقله وقيمه وهويته..