18/12/2025
لم تعد اللغة بالنسبة لي مجرّد أداة للتواصل أو وسيلة لتمرير المعنى من نقطة إلى أخرى.
مع مرور الوقت، ومع الكتابة، ومع الاحتكاك بالسياق العام، بدأت تتشكّل لدي قناعة أعمق بأن اللغة هي مفتاح للوعي قبل أن تكون أداة تعبير، وجسر يصل الإنسان بذاته، وبذاكرته، وبقدرته على الفهم والتأثير في آنٍ واحد.
العربية تحديداً لم تعد خياراً لغوياً في مساري المعرفي، بل أصبحت ضرورة، لأن الاقتراب منها لم يكن يوسّع قدرتي على التعبير فحسب، بل كان يوسّع قدرتي على التفكير نفسه، ويكشف لي الفارق الهائل بين فهم السياق وفهم المعنى.
نحن نعيش اليوم في بيئة لغوية هجينة؛ العامية تسيطر على الخطاب اليومي، بينما تُدفع الفصحى إلى الهامش، كأنها لغة مناسبات أو نصوص رسمية أو خطابات نخبوية.
ومع ذلك، فإن المفارقة اللافتة أن الفصحى، حين تُستخدم بوصفها لغة حيّة غير متكلّفة، لا تُقصي الناس ولا تنفّرهم، بل تستدعي انتباههم.
ليس لأنها صعبة، بل لأنها عميقة.
كثيرون يلتفتون إليها رغم أنهم لا يمارسونها في حياتهم اليومية، لأنهم يشعرون، ولو دون وعي كامل، أن وراءها مستوى مختلفاً من التفكير، وأنها تحمل قدرة أعلى على ترتيب الفكرة وصياغة المعنى بدقّة تُحترم.
هذه التجربة لم تكن شخصية أو معزولة.
في كل مرة أُعيد فيها صياغة فكرة بلغة عربية متماسكة، ذات جذور واضحة وبنية دقيقة، ألاحظ أن الفكرة لا تصل بشكل أوضح فحسب، بل تصل إلى جمهور أوسع مما توقعت.
جمهور لا يتفاعل لأن العربية لغته اليومية، بل لأنه يشعر أن هذه اللغة تستدعي شيئاً أعمق من الاستهلاك السريع للمعنى.
هنا لا تعود اللغة أداة نقل فقط، بل تصبح أداة استدعاء لذاكرة جمعية، وفضاءً مشتركاً للفهم.
حتى اللهجات العربية، على اختلافها، تحمل هذا البعد في داخلها.
نحن نفهم كلمات ورثناها عن آبائنا وأجدادنا بالسياق، لكننا نفقد معناها حين نجرّدها من الجملة أو نحاول استخدامها خارج بيئتها.
من هنا، لا تصبح العودة إلى الفصحى ترفًاً ثقافياً أو حنيناً لغوياً، بل خياراً معرفياً لمن يريد أن يفكّر بعمق، لا أن يكتفي بتكرار ما يُقال.
وفي بلاد المغرب العربي، يظهر هذا المسار بوضوح أكبر.
العزلة التاريخية التي فرضها الاستعمار، والانقطاع الطويل عن المشرق، خلقا مساراً لغوياً مختلفاً، لا لغة مختلفة.
كثير من المفردات المتداولة هناك ذات جذور عربية فصيحة، وبعضها يمتد إلى النص القرآني نفسه، لكن التحولات الصوتية والتاريخية جعلت هذا الأصل غير مرئي للمتكلم المعاصر.
الصعوبة التي نواجهها أحياناً في فهم الخطاب المغاربي ليست مسألة قدرة أو ذكاء، بل نتيجة تراكم لغوي مختلف، وإرث حضاري تأثر بعوامل جغرافية وسياسية ولسانية متشابكة.
ومع ذلك، ما تزال العربية القديمة تسكن هذه اللهجات، حتى وإن لم يكن أهلها مدركين لذلك بشكل مباشر.
كلما اقتربنا من العربية، اقتربنا أكثر من التفكير الدقيق، ومن القدرة على صياغة الجملة والفكرة والمعنى بوضوح لا يلتبس.
وهنا تظهر الإشكالية الأعمق في واقعنا اللغوي اليوم، العربية تُدرَّس، لكنها لا تُتعلَّم.
التدريس فعل مؤقت، درس يتبعه درس وينتهي بامتحان، أما التعلّم فهو أثر، هو ما يترك علامة في الوعي، وما يتحول إلى أداة تفكير لا إلى مادة دراسية عابرة.
نحن نخرّج أجيالاً تعرف القاعدة، لكنها لا تشعر باللغة، تحفظ النص ثم تنساه، وتجتاز الامتحان ثم تتخلّى عن العربية كأنها عبء انتهى دوره.
في التاريخ العربي والإسلامي، لم يكن هذا الالتباس قائماً.
التفريق بين العرب والأعراب لم يكن تمييزاً عرقياً أو اجتماعياً، بل تمييزاً لسانياً.
كان العرب يدركون أن اللغة لا تُكتسب بالشرح وحده، لذلك أرسلوا أبناءهم إلى البادية لا لتعلّم القواعد، بل لاكتساب السليقة، والإيقاع، والصوت، وطريقة تشكّل اللغة في الوعي.
كانوا يفرّقون بالفطرة بين أن تُلقَّن اللغة وأن تُعاش.
الخطر اليوم لا يكمن في اللهجات ولا في اختلاف النطق، بل في فقدان الفروق داخل الفصحى نفسها.
الخلط بين التاء المربوطة والهاء قد يُفهم بوصفه التباساً صوتياً، لكن عدم التمييز بين التاء المربوطة والتاء المفتوحة يتجاوز الخطأ الإملائي ليصل إلى إلغاء وظيفة لغوية كاملة.
التاء المربوطة ليست شكلاً كتابياً، بل علامة صرفية تحمل معنى وبنية ودوراً في التفكير العربي.
حين تُلغى هذه العلامة، لا نفقد حرفاً، بل نفقد قدرة اللغة على التمييز، ونفقد معها دقّة الوعي.
الأمر نفسه ينطبق على الخلط بين الألف المقصورة والياء، أو على تمييع صوت الضاد.
اللغة التي تفقد علاماتها لا تصبح أسهل، بل تصبح أفقر.
العربية التي نزل بها القرآن لم تكن لغة جامدة، بل لغة نظام وفروق ووضوح.
“بلسانٍ عربيٍّ مبين” تعني لساناً يُظهر المعنى ولا يطمسه.
نعم، اللغة تتطور، وتتغير عبر العصور، لكن هناك فرقاً جوهرياً بين تطور يضيف، وتغير يتحول، وتشوه يُلغي.
العربية ليست لحظة واحدة في التاريخ، لكنها أيضاً ليست بلا ذاكرة.
في هذا السياق، يصبح من السهل تفكيك واحدة من أكثر المبررات شيوعاً اليوم، اتهام التقنية بالأخطاء اللغوية.
لوحة المفاتيح لا تفرض أخطاء، ولا تكتب بدلاً عن صاحبها، بل تتعلّم منه وتقترح عليه.
تكرار الخطأ ليس خللاً تقنياً، بل غياب علاقة حقيقية مع اللغة.
احترام اللغة ليس مسألة أدوات، بل مسألة وعي.
ولو تخيلنا شخصاً لا يتعامل مع العربية إطلاقاً، لكنه يقرأ سورة الكهف مرة واحدة كل جمعة، أربع مرات في الشهر، عشرات المرات في السنة، فهل يمكن لهذا التعرض المستمر لنص عربي رفيع أن يتركه عاجزاً تماماً عن التمييز بين التاء المربوطة والتاء المفتوحة، أو بين الألف والياء، أو بين الضاد وغيرها؟
ربما المشكلة ليست في قلة الوسائل، بل في انقطاع الصلة.
لهذا نكتب بالعربية.
لا لأننا نرفض التطور، ولا لأننا نخاصم اللهجات، بل لأننا نرفض أن تتحول اللغة إلى واجب مؤقت بلا أثر.
نكتب بالعربية لأنها ليست مجرد وسيلة، بل طريقة تفكير، ووعي، وهوية.
«اكتب بالعربي» لم تعد حملة ولا شعاراً، بل موقفاً معرفياً، ومحاولة واعية لإعادة وصل ما انقطع بين اللسان والوعي.