23/04/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
من لديه معلومات وتفاصيل عن الحادثة والقصة .
جلعادلمن يجرؤ.
ابنةُ عباد… التي احتجزت الملكَ الشاعر عبدالله الأول
بقلم الدكتور يوسف عبيدالله خريسات
في ديوان الملك الشاعر الملك عبدالله الأول، المعنون بـ«خواطر النسيم»، تتناثر الحكايات، كرائحة الشيح بعد مطرٍ خفيف على سفوح جبال البلقاء؛ حكاياتٌ تُعد وثائق وجدانية، تؤرخ لروح المكان والناس، وتكشف عن علاقة الحاكم بالأرض، وعلاقة الشاعر بالإنسان. وقد كنتُ قد أشرتُ إلى هذه القصة، وإلى ما حملته من صورة فنية وإنسانية عالية، خلال دراستي للدكتوراة الموسومة بعنوان: «الصورة الفنية في شعر الملك الشاعر عبدالله الأول»، إذ توقفت طويلًا عند تلك الحادثة التي يمتزج فيها الشعر بالواقعة، والوجدان بالتاريخ، والكلمة بالموقف.
ومن بين تلك الوقائع التي لا تُنسى، حكاية امرأة عبادية احتجزت ملكًا… لا بالسلاسل، وإنما بالكرم.
كان الطريق إلى الشونة يومها يمر عبر مدينة السلط، وينحدر في منعطفاته الهادئة نحو وادي شعيب؛ ذلك الوادي الذي يحمل في ذاكرة الأردنيين عبق الأنبياء، ورائحة الزعتر، وصدى القوافل بين الجبال والأغوار. وفي الطريق توقفت سيارة الملك الشاعر، لأجل استراحة من السفر، حيث أراد أن يلتقط أنفاسه تحت بيت شعرٍ منصوبٍ على طرف الطريق.
هناك، لم يكن في البيت سوى امرأة عبادية وصغارها؛ امرأة من نساء الأردن اللواتي يُشبهن الأرض في الصبر والشموخ والكرم، الذي لا يسأل الضيف عن اسمه قبل أن يناوله الماء. رحّبت بالملك كما يرحب البدو بالغريب قبل القريب، وقدمت له الماء بيدٍ تعرف معنى السقاية، وأعدّت القهوة بيدٍ تعرف أن القهوة إعلان ميثاقٍ بدوي أصيل بين الضيف والمضيف. وحين عرفت من هو الضيف، لم ترتبك ولم تتبدل ملامحها؛ فالمرأة الأردنية لا تُربكها الأسماء الكبيرة، لأنها تدرك أن الكرامة لا تُقاس بالألقاب.
ثم نادت أبناءها بصوت الأم الآمرة: اذهبوا… ونادوا العبابيد. فانطلق الصغار في شعاب الوادي كأنهم رسل خبرٍ كبير، وما هي إلا لحظات حتى تجمّع رجال من قبيلة عباد، يحيطون بالمكان، ويقسمون على الملك قسم الرجال: لن تبرح حتى نُعدّ لك ما يليق بك وبنا.
كان القسم بدويًا جليلًا، وكان الإصرار أكبر من اعتذار الملك؛ فالملك يريد أن يمضي، والرجال يريدون أن يبقى. وبين رغبة المضي وسطوة الكرم، وقف الملك الشاعر أسيرًا، لكنه ليس أسير قيد، بل أسير نخوة.
عندها التفت إلى المرأة صاحبة البيت، وكأنه يدرك أن مفتاح الموقف بيدها، وأن الرجال إذا أقسموا لا يحلّ قسمهم إلا امرأة تعرف كيف تُلين الحماسة والإصرار، فناداها بقوله الذي صار شعرًا وتاريخًا:
إني أسيرٌ… والضيفُ أسيرُ المغرب
فكّي وثاقي لأذهب
يا لها من صورة؛ ملكٌ يخاطب امرأة بدوية بهذه البساطة المهيبة. أيُّ ملكٍ هذا الذي يتواضع حتى يستنجد بامرأة؟ وأيُّ امرأةٍ هذه التي يصبح قرار الموقف بيدها؟ إنها المرأة الأردنية… أخت الرجال.
وفي الطريق ظل الملك الشاعر يستلهم من الواقعة شعرًا، ويصوغ منها معنى، وينتقي من اللغة ما يليق بالمقام، فنظم أبياته التي خلدت الحادثة، وقال فيها:
ابنةَ عبادٍ قومي فكّي وثاقي
إنني بالضيفِ أسيرُ الأخلاق
هكذا كان الملك عبدالله الأول؛ لا يمر على الحوادث مرور العابرين، بل يحول الواقعة إلى قصيدة، ويحول الإنسان إلى رمز، ويحوّل اللحظة إلى ذاكرة.
وفي هذه الحادثة ما يستحق التأمل طويلًا؛ فالمرأة ليست هامشًا في الحكاية، بل هي البداية، والعقدة، والحل. هي التي استقبلت، وهي التي استنفرت، وهي التي احتجزت، وهي التي أطلقت. وهكذا كانت الأردنيات دائمًا؛ صانعات موقف قبل أن يكنّ راويات حكاية. إنها قصة صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها؛ تحكي عن ملكٍ يعرف الناس، وعن شعبٍ يحب الملوك بلا تكلف، وعن قبيلة ترى في الكرم شرفًا لا يُساوم، وعن امرأة عبادية كتبت اسمها في ذاكرة الشعر دون أن تكتب اسمها في السجلات.
وفي كل مرة أعود فيها إلى «خواطر النسيم»، أوقن أن الشعر حين يخرج من قلب الملوك يكون أكثر صدقًا، وأن الملوك حين يحملون روح الشعر يكونون أقرب إلى الناس. وأنا، وإن كنت أعرف القصة وأحفظ القصيدة، فإن اسم تلك المرأة العبادية ما يزال مجهولًا؛ غير أن الذاكرة العبادية، والسردية الشفوية في مضارب قبيلة عباد، ما تزال تحفظها، وتعرفها، وترويها كما تُروى الحكايات التي لا يطويها النسيان.
سلامٌ على ابنة عباد… وسلامٌ على الملك الشاعر… وسلامٌ على أردنياتٍ إذا أردن احتجزن ملكًا… بالقهوة، وبالكرامة، وبذاكرةٍ لا تموت.