24/06/2026
باركنسونيات...
علي الشبول / عضو فريق الدعم التماثلي
"غريبٌ أمرُك أيها الباركنسون!"
غريبٌ أمرُك أيها الباركنسون؛ لن أقبل أن تلعب بحياتي كما تعودتَ. لا أنكر أنني بسببك أتبدّل كل ساعة: ساعةٌ بيضاء أشعر فيها أنني ملكتُ الدنيا، وأنني في أوج طاقتي حيث مؤشر الدوبامين في أفضل قراءاته، وقد يطول هذا الوقت، ولكن ما أن أحسّ بالكبر في نفسي وأنسى نفسي - كما يفعل الكثيرون حين يغتر أحدهم بصحته أو منصبه أو ماله، فيؤذي ويظلم ويتعالى ويمنع الحقوق - يأتي الرد سريعاً لأنزل إلى الحضيض!
لقد تأثر مؤشر الدوبامين الفعّال؛ ربما نفد، أو تأثر لقلة الحركة، أو لإصراري على التشاؤم، أو بسبب طعامٍ تجرأ على الدواء في امتصاصه، ناسياً أن الأولوية للدوبامين. دقائق، بل لحظات، يتغير الحال إلى ساعة سوداء، لكن بيدك - أنت - أن تلعب بالألوان لتخفف هذا السواد؛ وعندها ليس لك إلا الصبر والشكر لله، فما أنت فيه قد يكون أهون بكثير مما يعانيه غيرك. وقتٌ قصير ويمر، فخفف الأمر على نفسك.
منذ تقاعدي قبل ثلاث سنوات، وضعتُ "قفل التقاعد"، مضافاً إليه "قفل الباركنسون"، دون أن أنسى "القفل المادي" - ضريبة التقاعد - الذي يعيشه أغلب الناس. وبسببك أيها الباركنسون، عوّدتُ نفسي ألا أخرج أو أستقبل ضيفاً خوفاً من تقلباتك، إلا بعد اتخاذ الاحتياطات اللازمة؛ مراعياً حسابات الوقت: كم تحتاج حبة الدواء لتبدأ؟ وكم تحتاج لتنتهي؟
لهذا، من يراني ووضعي طبيعي - في مشيتي أو كلامي - لا يصدق ما وصله من معلومات عن حالتي. لقد تسرّبت أخبارٌ تصف حالتي بأنني بطيء الحركة، أو أن صوتي ضعيفٌ يكاد من بجواري لا يسمعه، أو أنني أحياناً لا يمكنني الحركة إلا بمساعدة. ومما زاد الشكوك حملي للعكاز من باب الاحتياط؛ فكيف يراني أحدهم أحمل عكازاً ولا أتكئ عليه؟ وإذا رآني أحدهم يوماً أركض بعد أن كنت أمشي ببطء، سيتهمني بالتمارض!
وللأسف، عزلتُ نفسي عن أغلب الناس خجلاً؛ لا أقول من مرضي، بل من أعراضه. والمفاجأة أن من يُصرّ على زيارتي - ممن كنتُ أمنعهم من ذلك - أجده قد كوّن فكرةً عن مرضي أسوأ مما أحاول أن أخفيه عن عيون الناس. فلماذا الخوف إذن؟
لو سجلتُ نسبة فشل فاعلية الدواء خلال السنوات الخمس الماضية، لوجدتها لا تتعدى 5%؛ فلماذا عكستُ النتائج؟ ألا تُعتبر نسبة 95% نجاحاً بامتياز، تستوجب الشكر لله والاحتفال بالعودة إلى الناس؟
إنّ تساؤلي عن سبب سيطرة علامة متدنية واحدة وسط مجموعة علامات متميزة، أو لماذا يسيطر خطأ واحد ويسترق النظر من مئات الصور الناجحة، ما هو إلا دليلٌ على طبيعتنا التي تغفل عن الجوهر. كم عقولنا زائفة حين نترك للجزء أن يسيطر على الكل، وخوفنا من الخوف جعلنا نخاف من كل شيء... نخاف من الامتحان ونحن قادرون!
ولو قارنتُ وضعي الصحي والاجتماعي هذه الفترة بسنواتٍ سابقة، لقلتُ - وبحمد الله، وبشهادة المحيطين - إنني الآن أفضل، وبجميع المقاييس، علماً بأنني ما زلتُ أتناول الدواء نفسه.
ربما لم يكن الباركنسون هو من قيّدني بقدر ما قيّدني خوفي منه.