25/05/2026
المشكلة الحقيقية في زماننا ليست فقط في كثرة الطلاق، بل في الطريقة التي تحوّل بها الزواج من “ميثاق ورحمة” إلى “ملف قضية”.
صار الناس يدخلون العلاقات بمنطق الحسابات، ويخرجون منها بمنطق الانتقام، بينما القرآن منذ البداية وضع أساسًا مختلفًا تمامًا:
“وجعل بينكم مودة ورحمة”
لم يقل: جعل بينكم لوائح ومحاضر ونسب استحقاق.
بل قال: مودة ورحمة.
لأن الله يعلم أن البيوت لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل تُبنى بالقلوب.
القوانين تستطيع أن تُجبر إنسانًا على دفع نفقة، لكنها لا تستطيع أن تُجبره على الرحمة.
المحاكم تستطيع أن تُقسّم الممتلكات، لكنها لا تستطيع أن تُعيد الاحترام.
أما القرآن، فقد خاطب ما هو أعمق من الورق والعقود؛ خاطب الضمير والإنسانية.
ولهذا كانت أعظم آية في العلاقات بعد الخلاف والطلاق:
“ولا تنسوا الفضل بينكم”
يا لها من آية عظيمة…
آية تهدم كل معاني الانتقام والكراهية.
كأن الله يقول للطرفين: حتى لو انتهت العلاقة، لا تسقط الأخلاق.
لا تنسوا أنكم عشتم أيامًا جميلة.
لا تنسوا أن هذا الإنسان كان يومًا سندًا لكم.
لا تنسوا أن بينكم عِشرة، وضحكات، وأحلامًا، وأطفالًا ربما ينظرون إليكم الآن ليتعلموا منكم معنى الإنسانية.
لكن ماذا حدث اليوم؟
دخلت المادية إلى أقدس العلاقات.
وأصبح السؤال الأول بعد الطلاق:
“كم سأحصل؟”
وليس: “كيف نحفظ الكرامة؟”
وأصبحت بعض القوانين تُشعل الصراع بدل أن تُطفئه، لأن القانون البشري بطبيعته جامد، بينما شريعة الله قائمة على تحقيق العدل مع بقاء الرحمة.
الفرق بين منهج السماء ومنهج البشر، أن البشر ينظرون إلى “الحق”، أما الله فيربينا على “الفضل”.
والحق وحده قد يصنع العدل… لكنه لا يصنع المودة.
أما الفضل، فهو الذي يُبقي القلوب نظيفة حتى بعد الانفصال.
كم من بيت هُدم بسبب العناد لا بسبب الفقر.
وكم من أطفال ضاعوا لأن الأب والأم تحوّلا إلى خصمين.
وكم من رجل أو امرأة خرج من العلاقة محطمًا، ليس بسبب الطلاق نفسه، بل بسبب كمية التشويه والانتقام التي حدثت بعده.
الإسلام لم يمنع الحقوق، ولم يُلغِ القوانين، لكنه جعلها آخر الحلول لا أولها.
جعل الأصل هو الإحسان، والتجاوز، والرحمة، والستر.
حتى في أشد لحظات الخلاف، يقول الله:
“فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان”
تأمل كلمة “بإحسان”.
حتى النهاية يجب أن تكون نظيفة.
حتى الفراق له أخلاق.
المؤلم أن البعض اليوم يتعامل مع القرآن وكأنه مجرد نصوص تُتلى، بينما المرجعية الحقيقية عنده أصبحت كلام الناس والقوانين المتغيرة وثقافة المكاسب والخسائر.
مع أن كلام الله لم يأتِ لزمن معين، بل جاء لأنه يعلم طبيعة النفس البشرية في كل عصر.
ولو عاد الناس فعلًا إلى معنى: “المودة والرحمة”
وإلى معنى: “ولا تنسوا الفضل بينكم”
لرأينا بيوتًا أكثر استقرارًا، وطلاقًا أقل قسوة، وأطفالًا أكثر أمانًا.
فالبيت لا يحميه القانون وحده، بل يحميه الضمير.
ولا تحفظه المحاكم، بل تحفظه الأخلاق.
ولا تُبقيه الأموال، بل تُبقيه الرحمة.
ولهذا سيظل القرآن أعظم من كل القوانين البشرية، لأنه لا ينظم الحياة فقط… بل يُهذب الروح التي تعيشها.