15/12/2025
أوضاع اللاجئين السودانيين في معسكرات شرق تشاد
بين الإهمال والتغييب ونقص المساعدات
15 ديسمبر/كانون الأول 2025
مزمل محمد علي
منذ اندلاع أحداث دارفور في عام 2003، بدأت موجات اللجوء القسري نتيجة الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، إضافة إلى استهداف قبائل بعينها بشكل ممنهج. وخلال تلك الحقبة، لم تحظَ هذه الجرائم والانتهاكات المتكررة بالاهتمام الإعلامي الكافي، بفعل آلة إعلامية رسمية عملت على التعتيم، إلى جانب تذبذب الاهتمام الدولي تبعًا للتوجهات والمصالح.
منذ ذلك الوقت، ظلت دولة تشاد تستقبل أفواجًا كبيرة من اللاجئين السودانيين، حيث أُنشئت معسكرات واسعة النطاق، يتركز معظمها في الإقليم الشرقي المحاذي للحدود السودانية. وحتى اندلاع الحرب الأخيرة في السودان في 15 أبريل، استمرت تشاد في استقبال اللاجئين دون قيود أو شروط، وبدعم من الأمم المتحدة تم إنشاء أكثر من 25 معسكرًا موزعة على المناطق الحدودية.
ومع موجة النزوح الأخيرة عقب الحرب، جرى تأسيس عدد من المعسكرات الجديدة، التي تُعد الأكبر من حيث السعة الاستيعابية. ويُعد معسكر أدري أكبر هذه المعسكرات، إذ يضم أكثر من 260 ألف لاجئ سوداني، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، إضافة إلى جرحى وأشخاص يعانون من إعاقات دائمة نتيجة إصابات لم تُعالَج حتى لحظة كتابة هذا المقال.
ورغم اختلاف مواقع المعسكرات وتكوينها، فإنها تشترك في عامل أساسي واحد: شح الخدمات الأساسية، وانعدام بعضها بشكل كامل، لا سيما في القطاع الصحي، والدعم النفسي والاجتماعي، وخدمات المياه والصرف الصحي، وغيرها من مقومات الحياة الكريمة.
تقصير المنظمات والجهات ذات الصلة
منذ بداية الأزمة، لعبت المبادرات المحلية والمنظمات الصغيرة دورًا مهمًا في سد كثير من الفجوات، إلا أن محدودية التمويل وضعف الدعم، مقارنةً بالأعداد الهائلة للاجئين، حالت دون قدرتها على تقديم خدمات مستدامة. ورغم استمرار بعض هذه المبادرات، فإن حجم الاحتياج لا يزال يتزايد بوتيرة مقلقة.
وخلال فترة عملي ووجودي داخل معسكرات اللاجئين بشرق تشاد، واحتكاكي المباشر بالمنظمات الإنسانية، برز غياب عنصر جوهري لدى العديد منها، يتمثل في نقص الخبرة والمعرفة بكيفية تقديم الخدمات الإنسانية بصورة تراعي كرامة المستفيدين وخصوصيتهم. كما يفتقر جزء كبير من الكوادر العاملة إلى المهارات اللازمة للتعامل مع اللاجئين في بيئات شديدة الحساسية.
وعند محاولة التنسيق أو العمل المشترك بين المنظمات والمبادرات، كثيرًا ما يُقابل ذلك بالرفض، تحت ذرائع واهية، يصل بعضها أحيانًا إلى التغييب المتعمد أو الإقصاء، الأمر الذي يفاقم من سوء الاستجابة الإنسانية بدلًا من تحسينها.
تحذير من كارثة إنسانية قادمة
مع اتساع رقعة الصراع في دارفور وكردفان، يُتوقع حدوث موجات نزوح أكبر خلال الفترة المقبلة. وفي حال عدم التعامل الجاد والمسؤول مع هذه التطورات، فإن المنطقة مهددة بكارثة إنسانية غير مسبوقة، قد تتجاوز قدرة الاستجابة الحالية.
والمؤسف أن هناك إهمالًا واضحًا من قبل السلطات السودانية تجاه اللاجئين، رغم المناشدات المتكررة. ولا تزال الأزمة قائمة دون حلول حقيقية أو مستدامة، ما تسبب في حالة من الإحباط وخيبة الأمل، خصوصًا تجاه بعض المسؤولين، بمن فيهم ممثلو إقليم دارفور في مواقع السلطة.
رسالة أخيرة
إلى من يهمه الأمر:
إن الأوضاع داخل معسكرات اللاجئين بشرق تشاد تتطلب تدخّلًا عاجلًا ومسؤولًا. إن استمرار الإهمال سيؤدي إلى فقدان اللاجئين الثقة بشكل كامل، لا سيما فئة الشباب، وهو ما قد تترتب عليه تداعيات خطيرة.
رغم ذلك، لا تزال هناك منظمات وطنية جادة تسعى لتقديم خدمات حقيقية للاجئين، لكنها تواجه تحديات كبيرة، ونأمل أن تجد الدعم والتيسير اللازمين.
وفي الختام، أوجّه نداءً إلى الصحفيين والإعلاميين والناشطين على منصات التواصل الاجتماعي بضرورة تسليط الضوء على معاناة اللاجئين السودانيين في شرق تشاد، والتعامل مع هذه القضية بمهنية وأخلاقية، بعيدًا عن التحيز أو التمييز، فالتجاهل لا يقل قسوة عن المعاناة ذاتها.