03/10/2024
"لا تُؤمِّروا البراء على جيش من جيوش المسلمين، فإنه مَهْلَكة من المهالك، يقدم بهم"
تلك كانت اوامر عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقادة الجيوش عن البراء بن مالك، ليس تقليلا من البراء، لكن لشجاعته المفرطة وبحثه عن الشهادة قبل الانتصار، فهي الغاية التى يبحث عنها في كل غزوة شارك فيها مع الرسول صلى الله عليه وسلم بداية من بدر واحد، وفي حروب الردة والمعارك بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
كان البراء رضي الله عنه يمثل ثقلا لاي جيش يحارب في صفوفه، فهو فدائي اكثر منه مقاتل، لا يهاب الموت بل يطلبه وينشده لان الموت يعني الشهادة والفوز بالجنة، فكان لا يهاب اي خصم مهما كانت قوته.
شارك البراء في الكثير من المعارك، لكن دوره في معركة اليمامة حيويا فاصلا، فلا تُذكر اليمامة الا ويُذكر البراء.
تعتبر معركة اليمامة اخطر حروب المسلمين، حيث انها كانت الفيصل في وجود الاسلام وعدم اندثاره بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد كان مسيلمة الكذاب سيد قومه بني حنيفة، وكان يتطلع لينال شرف ووجاهة النبوة. استغل مسيلمة الفوضى في اطراف الدولة الاسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وادعى النبوة، وبدأ في نشر دعوته في حلفاء قومه وضمهم اليه. ارتبط اتباعه باتفاقهم قبليا وسياسيا واقتصاديا وزاد عليهم التبشير الديني الذي يتوافق مع هواهم، فتكونت عصبة منيعة وجيش قوي جدا تحت قيادة مسيلمة الكذاب.
ارسل ابو بكر الصديق – خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم – جيشا بقيادة خالد بن الوليد لليمامة لقتال مسيلمة وبسط السيطرة على الدولة الاسلامية. درات معركة قوية جدا بن جيش المسلمين وجيش مسيلمة التى كانت الغلبة لهم في البداية بفضل قوتهم وخطابات وكلمات مسيلمة الفصيحة التى كانت تُلهب حماسهم. نادى خالد بن الوليد على البراء وقال له: تكلم يا براء، فقال البراء: يا أهل المدينة، لا مدينة لكم اليوم، وإنما هو الله وحده والجنة!. فزاد صبر وحماسة المسلمين وتماسكوا وضغطوا على جيش مسيلمة واجبروهم على التراجع والتحصن في بستان لهم عالي السوار سُمي فيما بعد بحديقة الموت بسبب شدة القتل الذي حدث فيه وكثرة الجثث التى تراكمت به.
تجلت فدائية البراء بن مالك عندما لم يطق ان يُضرب حصار على جيش مسيلمة قد يستمر شهور، واراد للمعركة ان تنتهي. بشجاعة مفرطة طلب من اصحابه ان يحملوه على ترس ويرموه من فوق سور الحديقة! وهو ما حدث بالفعل، القوه داخل الحديقة وقاتل منفردا الى ان استطاع فتح باب الحديقة من الداخل، ودخل جيش المسلمين ودارت معركة ضارية انتهت بقتل مسيلمة الكذاب على يد وحشي بن حرب.
لنعطي نظرة اعمق على قرار البراء بان يُقذف داخل الحديقة لنرى مدى شجاعته. يحتمي خلف سور البستان جيش كامل من المقاتلين، وهو لا يعرف شكل البستان من الداخل، ولا كيف يتشكل الجيش، وايضا هو يعرف مدى قوة الجيش الذي كان يقاته قبل ان يتحصن في البستان، صحيح انه متغلب عليهم؛ لكنه كان يحاربهم وسط جيش المسلمين، جيش ضد جيش، الان هو يريد ان يحارب ذلك الجيش بمفرده! وسيقاتهلم ليفتح باب حصنهم، اي انهم سيقاتلون باستماتة. رغم كل ذلك طالب برميه داخل الحديقة! ونجح في فتح باب الحصن، ياله من مقاتل قوي صنديد شجاع!
رغم قوته وشجاعته ومكانته عند الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة؛ الا انه كان زاهد في الدنيا ومتواضع ولا يسعى للظهور وسط الناس. روى انس بن مالك مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو اخو البراء لابيه – انه قال: كم من أشعثَ أغبرَ ذي طِمرينِ (ثوبين باليين) لا يُؤبَهُ له (لا يُلتفت له) لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّه منهم البراءُ بنُ مالكٍ[1].
نال البراء بن مالك الشهادة في معركة تُستر في خلافة عمر بن الخطاب. استشهد بعد ان ترك اثرا كبيرا في التاريخ الاسلامي على صغر سنه، حيث انه استشهد بين الثلاثينات والاربيعينيات من عمره (حيث ان عمره غير مدرج تحديدا في الروايات).
رحم الله البراء بن مالك وارزقنا ايمانه وحُسن صفاته واحشرنا معه.
المصادر:
كتاب البداية والنهاية لابن كثير
كتاب الكامل في التاريخ لابن الاثير
[1] الراوي: أنس بن مالك | المحدث: صدر الدين المناوي | المصدر: كشف المناهج والتناقيح
الصفحة أو الرقم: 5/346 | خلاصة حكم المحدث : رجاله موثقون
التخريج : أخرجه الترمذي (3854) واللفظ له، وعبد بن حميد في ((المسند)) (1234)، والبزار (6459)