06/07/2026
يقول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد "لا فرق بين خيانة الضمير وخيانة الواقع إلا التنفيذ"، الخيانة كلمة مريرة، نقولها ونُكررها على ألسنتنا ونحن نشعر بأثقال الألم والغدر والخِذلان تحني ضلوعنا، وتُمزق قلوبنا، وتُذيب أحلامنا، وتُشتت أرواحنا على قارِعة الحزن والتيه والانكسار، حتى تنطبع أحرفها الخمسة في مُقلتينا التائهتين، لنشعر بفقدان الثقة التام في العالم ومن ثم في أنفسنا، وفي قدرتنا على تجاوز أسوار الخيانة الشائكة دون أن نفقد إنسانيتنا.
الخيانة بكل صورها لا تتجزأ، فهناك من ارتضى على نفسه ذل خيانة الأب والأم والأخ والحبيب والصديق، وهناك من ارتضى على نفسه إثم وعار أكبر وهو خيانة الأرض والقضية والوطن، وقَسَم الحق والعدل والرحمة، الذي أقسم به وهو في بداية طريقه وحياته المهنية، ليمثل انتحاراً لمبادئ الحق والعدل والإنسانية بل والكرامة.
فبدلاً من أن يكون خليفة الله في أرضه ومِداد لهذا الشرف العظيم، من أجل خدمة الإنسانية، ونُصرة المظلوم، والانتفاض من أجل قيم العدالة والرحمة والإنسانية، يصبح طعنة غادرة في جسد هذا العهد والميثاق الشريف، وطعنة أخرى في أعناق من هم في أشد الحاجة إلى الإنصاف، ورفع أنياب الظلم والطغيان عن أرواحهم المُتعبة، التي أنهكها الفقر والحرمان والشقاء، الذي تنطق به أجفان أعينهم المُتهالِكة، ونظراتهم المسُتغيثة في صمتٍ مهيب.
فهناك من يخون كلام الله وهو يقرأه ويُعلمه للآخرين، وهناك من يخون آيات العدل ولسان الحق والمُفترض أنه ناطقه، وهناك من يخون قَسَم مراعاة المرضى ويحول أجسادهم المُنهكة إلى تجارة دنيئة في السر والعلن، وهناك من يخون صراخ المريض الذي يحتاج إلى دواء له مفعول يُريحه من الألم ولو لبضع لحظات، وهناك من يخون أحلام البُسطاء في العيش في بيوتٍ أدمية لتتساقط عليهم دون رحمة، وهناك من يبيع الموت البطيء في الطعام والشراب، وكلها صور بشعة للخيانة تندرج تحت لواء الموت الطازج للضمير