مكتبة مالك بن نبى للنهضة والتغيير

مكتبة   مالك بن نبى  للنهضة والتغيير على خطى مالك ين نبى
وخطى غيره من رواد يدعون للنهضة والتغيير?

مشروع يهدف الى جمع مقولات المفكرين المهتمين بالنهضة والتغيير ومحاولة تصنيفها حسب المفكر من جهة وحسب الموضوع من جهة اخر حتى يتسنى لكل من يهتم بهكذا مواضيع التعرف على بعض المطلحات والمفاهيم والتعاريف خاصة وان هذه المقولات قد تساعد المتابعين فى المجموعات المهتمة بالعالم الثقافى وتوفر لهم المادة الخام للنقاش او التساؤل كما نعمل على نشر الرروبط التى تمكن من الاطلاع على كتبهم اومن مقالات كتب عنهم

مقال"أسئلة الهوية"بقلم"د. عبدالوهاب المسيريمجلة المجتمع الكويتية   04 يونيو 2024________________كي نفهم قضية الهوية حق ا...
03/08/2026

مقال"أسئلة الهوية"
بقلم"د. عبدالوهاب المسيري
مجلة المجتمع الكويتية 04 يونيو 2024
________________

كي نفهم قضية الهوية حق الفهم لا بد أن ندرك أننا لا نتلقى الواقع في موضوعية مطلقة سلبية تكتفي بالرصد والتسجيل، فالعقل الإنساني -كما أشرت- عقل توليدي يبقي ويستبعد ويضخم ويهمش ويضيف ويحذف، وتتم عملية الإبقاء والاستبعاد والتضخيم والتهميش والإضافة والحذف حسب نموذج إدراكي يشكل هوية الإنسان وهو في صميم رؤية للكون.

فهوية شعب ما تتشكل عبر مئات السنين من خلال تفاعله مع الطبيعة وبيئته الجغرافية ومع بني جلدته ومع الشعوب الأخرى، ولأن أعضاء هذا الشعب لا يعكسون الواقع كما هو، وإنما يتفاعلون معه؛ فعقولهم التوليدية تبقي وتستبعد وتضخم وتهمش، فإن هويتهم تتشكل من خلال إدراكهم لما حولهم، ومن خلال تطلعاتهم ورؤاهم وذكرياتهم، فهي ليست مجرد انعكاس بسيط لبيئتهم، ومن هنا تكتسب الهوية فرادتها وتركيبيتها التي لا يمكن ردها إلى قانون أو نمط مادي.

ولكن عادة ما ينطلق الكثيرون من الرؤية المادية التي يسمونها «علمية»، فيدرسون الهوية في إطار النموذج المادي كما يفعل كثير من الدارسين في الغرب، واستخدام النموذج المادي يعني استخدام الحواس الخمس، كما يعني دراسة الظواهر الإنسانية كما تدرس الظواهر الطبيعية.

ومثل هذا المنهج يودي بالهوية تماماً، لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها وفرادتها.

وقد أدى هذا المنهج إلى تعريف الإنسان باعتباره «الإنسان الطبيعي»؛ بمعنى أنه إنسان يتسم بسمات عامة أضيفت إليها الحضارة؛ أي أنها ليست أصيلة فيه.

وبذلك تتحول الهوية إلى مسألة مضافة آلياً، مجرد زخرفة، وهكذا يصبح المشروع الإنساني هو العودة إلى الإنسان الطبيعي متجاوزين الزخارف الإضافية.

وهذه الفكرة عبرت عن نفسها في فكر حركة الاستنارة الغربية (التي نصفها بأنها عقلانية مادية)، كما تعبر عن نفسها فكر العولمة، فالعولمة هي في جوهرها العودة إلى هذا الإنسان الطبيعي الذي لا يعرف الحدود ولا الهوية ولا الخصوصية، وليس عنده أي إدراك أو اكتراث بالقيم الأخلاقية والمعنوية مثل الكرامة والارتباط بالأرض والوطن والتضحية.

ولذا، نجد أن خطاب العولمة يتحدث عن حرية انتقال السلع ورأس المال، والشركات عابرة القارات وحدود الدول، ولا يذكر شيئاً عن الثقافات أو الهويات المختلفة.

وحيث إن الإنسان الطبيعي هو ذاته الإنسان الاقتصادي، لذا فكل مطالبه وتطلعاته تظل داخل السقف المادي، وتظل الخلافات التي تنشأ بين الدول خلافات اقتصادية عامة يمكن التفاهم بشأنها وحلها داخل الإطار الاقتصادي المادي.

ونتيجة لهذا الفهم المادي المعاصر، نجد أن الإدراك الغربي (والإدراك الذي ساد في العالم العربي) للهوية يتأرجح بين نقطتين ماديتين متناقضتين؛ الأولى: نقطة صلبة تقوم على ثنائية قطبية حادة (أنا في مقابل الآخر)، كما فعل النازيون والصهاينة في الغرب، وبعض السلفيين والقوميين المتعصبين وبعض دعاة القومية العربية، بعض الوقت.

أما الثانية: فهي نقطة سائلة تذوب فيها الحدود والهويات، كما هي الحال الآن في إطار النظام العالمي الجديد.

وأقترح أن ننظر إلى الهوية باعتبارها صورة مجازية لا جوهراً صلباً ثابتاً، وأطرح فكرة الإنسانية المشتركة بدلاً من فكرة الإنسانية الواحدة التي يطرحونها في الغرب، إذ الإنسانية المشتركة تذهب إلى أن كل البشر داخلهم إمكانيات لا تتحقق إلا داخل الزمان والمكان، وهي في تحققها تكتسب قسمات وهوية محددة!

فالإمكانية الإنسانية الكامنة حينما تتحقق في الزمان والمكان الصينيين فإنها تثمر الإنسان الصيني والإنسانية الصينية، وإن تحققت في الزمان والمكان الغربيَين أثمرت الإنسان الغربي والإنسانية الغربية.

وتحقق الإمكانية ليس أمراً حتمياً، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكن أن يرقى فوق إنسانيته ويمكن أن يهبط دونها.

وثمة علاقة بين الهوية والإبداع، فالإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يبدع، لأن الإنسان لا يبدع إلا إذا نظر إلى العالم بمنظاره هو وليس بمنظار الآخرين، لأنه لو نظر بمنظار الآخرين، أي لو فقد هويته وأصبح عقله في أذنيه، فإنه سيكرر ما يقولونه ويصبح تابعا لهم، كل همه أن يقلدهم أو أن يلحق بهم، ويبدع داخل إطارهم، بحيث يتحقق إبداعه من داخل تشكيلهم الحضاري، كما يحدث لكثير من العلماء العرب الذين يهاجرون إلى الغرب.

وهذا ما أدركه السياسي والكاتب الإنجليزي لورد ماكولي، ففي خطاب له للبرلمان الإنجليزي، يوم 2 فبراير 1835م، قال: «لقد سافرت في الهند طولاً وعرضاً، ولم أر شخصاً واحداً يتسول أو يسرق، لقد وجدت هذا البلد ثرياً إلى درجة كبيرة، ويتمتع أهله بقيم أخلاقية عالية، ودرجة عالية من الرقي، حتى إنني أرى أننا لن نهزم هذه الأمة إلا بكسر عمودها الفقري، وهو تراثها الروحي والثقافي.

ولذا أقترح أن يأتي نظام تعليمي جديد ليحل محل النظام القديم، لأنه لو بدأ الهنود يعتقدون أن كل ما هو أجنبي وإنجليزي جيد وأحسن مما هو محلي، فإنهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم وثقافتهم المحلية، وسيصبحون ما نريدهم أن يكونوا، أمة تمكن الهيمنة عليها تماماً».

هذه هي الخطة الشيطانية التي لا يزال الاستعمار الغربي يستخدمها ضدنا، ولذا علينا أن نحتفظ بهويتنا وندافع عنها ونفعّلها ونعبر عنها من خلال أعمال إبداعية تخرج من بيئتنا وتعود إليها.

فمثلاً، هل يمكن أن نطور مدناً لا تسير فيها سيارات خاصة، على أن نطور نظام نقل عام جيداً، السيارات فيه تسير بالغاز الطبيعي، ومن ثم نقضي على التلوث بكل سلبياته، الذي يكلفنا الكثير من الناحية الصحية والاقتصادية؟

لماذا لا نطور تقنية الطاقة الشمسية ومساقط المياه في منطقة معروف أنها ستواجه شحاً في المياه، حتى إنهم يقولون: إن حروب هذا القرن ستكون حروب المياه؟ لماذا لا نركز على تقنية تحلية المياه ونخلصها من مشكلاتها؟

لماذا لا نطور مفاهيم جديدة في الإدارة، رجل متقدم في السن يحيط به مجموعة من الشباب الأذكياء، ولا يكون المدير هو الآمر الناهي، وإنما يستمع لمستشاريه، بحيث تصل المجموعة إلى شكل من أشكال الإجماع الذي لا يولد التوترات؟ المدير هنا لا يدير وإنما ينسق، والأطراف قوية مثل المركز.

هذا ما فعله اليابانيون وطوروا اقتصاداً على مستويين، فهناك الاقتصاد المتقدم الذي يستفيد بكل منجزات العلم والتقنية، ولكن هناك مستوى آخر وهو ما يمكن تسميته الاقتصاد الشعبي.

فشركة مثل سوني على سبيل المثال تستخدم آخر ما توصلت إليه التقنية، ولكن هناك أعمال أخرى يمكن إنجازها يدوياً، فترسل بها إلى الريف الياباني فيقوم الفلاحون بإعدادها في منازلهم.

ويدعي البعض أن التمسك بالهوية يؤدي إلى الحروب والمجازر، وهذه مبالغة غير مقبولة، فهل الحربان العالميتان الأولى والثانية تمتا باسم الهوية أم باسم المصالح الاستعمارية؟

وماذا عن فيتنام وغزو العراق وأفغانستان والحرب الباردة؟ هل التشكيل الاستعماري الغربي الذي أحرق الأخضر واليابس وأباد الملايين ونهب ثروات الشعوب، هل تم تعبيراً عن الهوية الغربية أم تعبيراً عن طمع وجشع الطبقات الحاكمة؟

وتفعيل الهوية شيء أساسي في عملية النهوض الحضاري، فهويتنا قد تشكلت –كما أسلفت- عبر تاريخنا حتى أصبحت منا وأصبحنا منها.

وعملية التنمية لا يمكن أن تتم من خلال برنامج اقتصادي وسياسي عام، فالبشر لا يتحركون في إطار العام، وإنما يتحركون في إطار الخاص الذي يعرف احتياجاتهم ويأخذ في الاعتبار توجهاتهم وأشواقهم وأحزانهم.

وأعتقد أن ظهور ما يسمى النظام العالمي الجديد والنزعة الاستهلاكية الشرسة يزيد من أهمية قضية الهوية وضرورة التمسك بها.

إن ظهور الهوية في القرن العشرين مسألة لها دلالة، فهي حماية الإنسان ضد عمليات التنميط الزاحفة، وضد العولمة التي كانت توجد بشكل جنيني في بداية القرن وأصبحت الآن مسيطرة ومهيمنة.

إن الهوية في الواقع شكل أساسي من أشكال المقاومة، شرط ألا تتحول إلى «غيتو» يدخل فيه الإنسان ويتخندق.

هذا لا يعني أن تمسكنا بهويتنا العربية الإسلامية سيفصلنا عن الآخرين، ويمنحنا حقوقاً مطلقة كما فعلوا في ألمانيا النازية وفي التشكيل الاستعماري الغربي.

الهوية العربية الإسلامية مجموعة من السمات الإنسانية المختلفة التي قد تسم جماعات إنسانية أخرى، ولكنها توجد بشكل معين وبترتيب محدد يعطي الهوية العربية فرادتها، إذ في الدولة الإسلامية مثلاً كانت توجد هويات مختلفة، لكن رغم ذلك كانت غير متنازعة.

كان يمكن أن يأتي الإنسان من خراسان إلى مصر فيُرحّب به، وكذلك أهل المغرب الذين وجدوا في مصر وطناً لهم من دون أي مشكلة.

ولعل الفن الإسلامي أكبر دليل على التنوّع والاختلاف إلى درجة أن بعض المؤرخين الغربيين ينفون وجود فن إسلامي بسبب تنوعه، وفي الواقع هناك فن إسلامي هندي، وإسلامي عربي ينقسم بدوره إلى إسلامي مصري (فاطمي وأيوبي ومملوكي) وإسلامي دمشقي وهكذا.

الإسلام قد قبل التنوع داخل إطار شامل من الوحدة، وحدة ليست عضوية وإنما فضفاضة، وهذا التنوع قد سمح للجماعات الدينية والإثنية المختلفة بأن تبدع من خلاله مثل إبداع الأكراد وإبداع العرب المسيحيين واليهود.

وقد كان هذا النموذج من الهوية مرفوضاً في الغرب حتى عهد قريب، لأن التعريف الغربي للهوية كان تعريفاً عضوياً، أي يرى الهوية باعتبارها كياناً متماسكاً تماماً وكأنها النبات أو الحيوان أو كيان عضوي لا يمكن أن تفصل منه أجزاء ثم يكتب له البقاء.

أذكر أنني عندما كنت في الولايات المتحدة في الستينيات، كانوا دائماً يسألونني: هل أنت عربي أم مصري أم مسلم، ويشيرون إلى هذا باعتباره اختلاطاً في الهوية ومن ثم نقطة سلبية؟ فكنت أشير إلى جون ميلتون الشاعر الإنجليزي الذي عاش في عصر النهضة، وكان يكتب بالإنجليزية واللاتينية ويعد نفسه إنجليزياً وأوروبياً ومسيحياً في الوقت ذاته، وكان يتحدث باللاتينية مثلاً مع أصدقائه حين ينتقل في أرجاء أوروبا.

وكانت تواريخ الأدب ترى هذا دليلاً على عظمة عصر النهضة الغربية، فكنت أقول لهم: أنا أيضاً دمنهوري عربي مسلم، وفي بداية الأمر ونهايته إنسان، فإنسانيتي العامة المشتركة لا تتناقض مع انتماءاتي المتعددة.

إن الرؤية الغربية الحديثة رؤية مادية عضوية مصمتة تجعل الإنسان صاحب الهوية الذي يعيش على أرضه القومية ومجاله الحيوي، موضع الحلول ومرجعية ذاته، ولذا لا يمكن استئناف أحكامه، ثم فرضوا هذه الرؤية على الواقع بالقوة، فظهرت فكرة الدولة القومية العضوية وكل هذه المفاهيم العنصرية.

وقد أدى هذا إلى أن الحدود الديمغرافية والدينية والسكانية لهذه الدولة العضوية تماثلت مع الحدود الجغرافية، وبالتالي تم القضاء على معظم الأقليات.

فالثورة الفرنسية قضت على كثير من الأقليات، وعلى مجموعة من اللهجات مثل لهجة «الأوكستانيان» و«البريتون»، وهذه صفة في أوروبا منذ القدم.

وأذهب إلى أن أهم تفعيل للهوية في التاريخ العربي الحديث هو الانتفاضة الفلسطينية التي استدرجت «الإسرائيليين» إلى أرضية غير حديثة يصعب على الجندي «الإسرائيلي» أن يتعامل معها بكفاءة، فلم يجد الصهاينة حلاً لهذه الورطة إلا بالالتفاف حول الانتفاضة لكبح جماحها، ومن هنا كانت «اتفاقية أوسلو».

وهناك محاولات أخرى لتفعيل الهوية مثل قيام د. حامد الموصلي بعدة مشاريع ناجحة نابعة من تفعيل الهوية، مثل صنع الخشب من سعف النخيل، وهناك محاولات د. عبدالحليم إبراهيم، وراسم بدران لتطوير معمار إسلامي حديث.

كما يمكننا تفعيل مؤسسات وسيطة مثل الأسرة والجيرة، بحيث يمكن إدارة مجتمعنا بطريقة إنسانية.

____________________

المصدر: موقع «الجزيرة نت».

https://mugtama.com/articles/%D8%A3%D8%B3%D8%A6%D9%84%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9

مقال"بيادق فرنسا بالجزائر.. آخر أغلال الاحتلالبقلم"د. حرزالله محمد لخضر باحث أكاديمي جزائريرأي اليوم03أوت2026___________...
03/08/2026

مقال"بيادق فرنسا بالجزائر.. آخر أغلال الاحتلال
بقلم"د. حرزالله محمد لخضر باحث أكاديمي جزائري
رأي اليوم03أوت2026
__________________
من الغريب العجيب، والخطب الجلل المُريب، إبان اللحظات التاريخية الحاسمة للأمة، المثقلة بالمعاني الكثيفة والرموز الغزيرة، أين تُصقل فيها معادن الرجال، وتُفتَضَح عورات شراذم العمالة والخَبَال، ويَسْتَبِين المثقف العضوي من الدجّال، في تلكم اللحظات الفارقة؛ عجبًا ألا تسمع أي نقد للسياسة الفرنسية الهمجية، من طرف أحبائها وبيادقها وأدواتها الوظيفية، الذين يَحْلُوا لهم بمناسبة وغير مناسبة، أن يَلْغَوْا بفكرهم الانتقائي والاستعلائي في تراث الأمة وهويتها، ليُنَقّبوا عن أي مَلْمَزٍ ينفّس عنهم شيئا من الحنق والغيظ المسْتَكِنّ في صدورهم على الإسلام أو العربية أو التاريخ المجيد لدول وحضارات الإسلام، أو لأجل التشنيع على أي تصرف أو حدث نشاز، اقترفه مغمور من الناس، عساه أن يشبع هوسهم الجنوني، أو يقربهم زلفى إلى الهوى الباريسي! ونحن في هذا طبعا نتبرأ من كل الأخطاء والخطايا التاريخية أو التوجهات والتصرفات المنحرفة أو المتطرفة، ونغسل أيدينا منها، ونعرضها على محك النقد والتمحيص، دون انتقائية أو عصبية أو تسييس.
غير أن هذه البيادق المِكْثَارةُ المِهْدَارَةُ، تفضل التزام الخذلان والصَّمَمِ، والعِماية والبَكَمِ، إزاء أحداث الحاضر وخطوب الماضي القريب، حين تغرق حبيبتهم فرنسا في وحل النذالة إلى الأذقان أو تزيد، فلا يحركون إزاءها طرفا، ولا يكتبون في شجب قبائحها حرفا !

إذ على مدار سنوات عديدة لم نسمع من هؤلاء الذين يُقدّمُون على موائد الإعلام على أنهم كتاب ومثقفون ومبدعون، وذوي مقامات عالية في الأدب والفن والفكر، أي انتقاد للسياسات الاستدمارية التي لا تزال آثارها شاخصة إلى اليوم، كقضية رفاة الشهداء وضحايا التجارب النووية التي قامت بها فرنسا في صحراء الجزائر، وضحايا القنابل المغروسة على طول الشريط الحدودي الشرقي والغربي، والتي تأبى فرنسا إلى اليوم أن تسلم الجزائر خريطة عنها لتفكيكها، وقضية الأرشيف والاعتذار والتعويض عن جرائم الحقبة الاستدمارية، والتآمر على الأمن القومي الجزائري، واستنزاف الاقتصاد، والابتزاز الرخيص الذي دأب اليمين المتطرف تحريك أعواده في كل موسم انتخابي عسى أن يرفع به خسيسته المتهاوية في سوق سياسته المفلسة.
هذا وغيره مما اقترفته اليد الفرنسية الآثمة، وهي لا تزال إلى يوم الناس هذا سادرة في غيّها، موغلة في مكرها، ولا أدل على ذلك من إيوائها لحركات انفصالية ومرتزقة مأجورين، وقنوات إعلامية معادية، تدعمهم بالمدد والعدد والسند، لتمضي في أجنداتها التخريبية، ضد الوحدة الوطنية والترابية الجزائرية، ولا أدل على ذلك من تدخلها الوقح وتهريبها لأميرة بوراوي إحدى أبرز بيادقها الوظيفية، وكذلك التدخل السافر لأعلى السلطات في قضية العميل المرتزق بوعلام صنصال الذي تدينه العدالة الجزائرية بجرائم تمس الأمن القومي، إذ تؤكد العديد من التسجيلات التي يعترف بها هذا “العجوز الحيزبون” بممارسة فاحشة التخابر مع الكيان الصهيوني ومع أطراف أجنبية ضد مصالح بلده.
وبالرجوع إلى المأساة الفلسطينية التي أسالت دموع العالمين، ومداد الغيورين من بني آدم، من شتى الديانات والأعراق، نجد أن هذه المأساة لا تلامس قلوب هؤلاء الأجلاف البتة، فأنت لا تكاد تسمع أو تجد لبيادق فرنسا وأضرابهم من المتصهينين، أي مقال أو كتاب أو رواية تدين الجرائم الصهيونية، وتجسد إجرامها بالطريقة نفسها التي يتتبعون فيها عورات مجتمعاتهم، شبرا بشبر وأُنملة بأُنملة، بدعوى تشخيص مشاكل المجتمع ومعالجتها ؟ غير أن هؤلاء نفسهم وفي لحظة تراجيدية اصطناعية يتحولون بقدرة قادر إلى حَمَلٍ وديع، وكائن حساس، رقيق رهيف الإحساس، عند سماعهم خبر مقتل مستوطن يهودي نهب أرض فلسطيني وشرد ونكل وقتل أجداده وآباءه وأبناءه وأحفاده، فكل هؤلاء لا قيمة لهم في الميزان المعتل لرواد الحداثة والصنعة التنويرية، وبالأخص بيادق فرنسا البؤساء.
كم يهوى أبطال الحداثة وعبيد الحضارة الغربية المادية، إشهار حقدهم الأسود في معاركهم الدونكيشوتية التي يخوضونها في محاربة الإسلام وتشويه معالمه، التي تعتبر اختصاصهم الحصري، فرغم جهلهم الفاضح بأصول الإسلام ومقاصده، وعدم درايتهم بأسباب نزول الآيات ومواردها، وعلل الأحكام ومآلاتها، فهم يعطون لأنفسهم الحق في مصادرة فهم العلماء والمختصين، ليتفننوا في اجتراح الشبهات، والإفتئات على الثوابت والقطعيات، وليصفوا مخالفيهم مرة بالدعشنة، وأخرى بالهمجية والأصولية المقننة، وتارة بالتخلف والرجعية المعلنة، وما إلى ذلك من مصطلحاتهم الملآى بالسَّمِجِ المُرْتَذَلِ، والسَّقَطِ المبتذل.
ولا عجب من صنيعهم هذا، فهو رأس مالهم الوحيد للظفر بالتكريمات والألقاب والمنائح والتتويجات، التي تخصهم بها حبيبتهم ومُلهِمتُهم وآسرة قلوبهم، ولهذا فإنك لا تكاد تقرأ لهؤلاء (الكتّاب) مقالا أو رواية تُعرّي وحشية وداعشية “les enfants de la Patrie “(جملة البداية للنشيد الفرنسي) في حق أبناء الأمة الجزائرية، بل لا تسمع لهم أزيزا ولا حتى غطيطا كغطيط النائم في انتقاد حبيبتهم الأبدية والسرمدية فرنسا…أم الخبائث والقبائح !
لن تسمع لهؤلاء أيَّ رِكز أو همس، ولن تحدثهم أنفسهم بأي وسواس من شرف الرجولة والفحولة، ليقفوا على الأقل موقف العاذلة من حبيبها أو المعاتبة لخدينها، وهيهات لهم أن يفعلوا!! ولا غرو في ذلك؛ فعندما ينبلج الصبح ويتنفس، تستتر الخفافيش وتتنكّس!
إن هذه الطينة المتعفنة من بيادق فرنسا هي آخر أغلال الاحتلال التي خلفها من ورائه واستأمنها على رعاية مصالحه، وهي تقوم بهذا الدور بوفاء منقطع النظير، مُحكِمة قبضتها على اللسان والفكر والإنسان، ولا خلاص من شبكتها العنكبوتية الرابضة على روح الأمة، المجهضة لأي مشروع نهضوي سيادي أو انبعاث حضاري للأمة الجزائرية، إلا بتفكيك هذا السرطان الخبيث وإزاحته من مفاصل الحكم وصناعة القرار، وإنهاء الوصاية الفرنسية عبر أزلامها وبيادقها من دواليب الإدارة ومناهج التعليم وأركان الاقتصاد وأسوار الجامعة، والسعي لبناء عقل ولسان وفكر جزائري خالص، متحرر من أي عقدة استعمارية، مشرئب للمستقبل بروح منطلقة خلاّقة، وإرادة سيدة ومبدعة.

https://www.raialyoum.com/%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%82-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D8%A3%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84/?fbclid=IwY2xjawTdkgNleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEeGTPovD4Sm-oAQRcVOn0r9dk_oR2om6gkrmEV0Lxxvc8IN5Tn3wdNZYtShUc_aem_0rrfcmKsu_3v4hXVXGvkCw

·عنوان الكتاب: المسلم في عالم الاقتصادالمؤلف: مالك بن نبيالإشراف على الإصدار: عمر مسقاويالناشر: دار الفكر المعاصر (بيروت...
02/08/2026

·
عنوان الكتاب: المسلم في عالم الاقتصاد
المؤلف: مالك بن نبي
الإشراف على الإصدار: عمر مسقاوي
الناشر: دار الفكر المعاصر (بيروت) ودار الفكر (دمشق)
السلسلة: مشكلات الحضارة
الطبعة الأولى: 1987
طبيعة الكتاب: حصيلة ندوة فكرية تأسست بعد وفاة مالك بن نبي لجمع أفكاره في الميدان الاقتصادي ضمن مشروعه الحضاري.
الفكرة العامة للكتاب
يعالج الكتاب موقع الإنسان المسلم داخل النظام الاقتصادي الحديث من زاوية حضارية شاملة. ينطلق التحليل من ملاحظة أن المسلم المعاصر يوجد في الاقتصاد العالمي بوصفه مستهلكاً أكثر منه منتجاً، وأن دوره في الدورة الاقتصادية العالمية هامشي رغم اتساع المجال الجغرافي والبشري للعالم الإسلامي.
يربط الكتاب هذه الظاهرة بالبنية الحضارية للمجتمع الإسلامي المعاصر. يقرر أن الأزمة الاقتصادية ليست أزمة موارد طبيعية ولا أزمة نظريات اقتصادية، بل أزمة إنسان حضاري فقد فاعليته التاريخية. ويتشكل هذا الخلل من تراكمات الاستعمار، وضعف الوعي الثقافي، واضطراب الفهم الديني للعمل والإنتاج.
يبني الكتاب تصوراً اقتصادياً مستنداً إلى رؤية حضارية للإسلام، حيث تتكامل القيم الأخلاقية مع النشاط الإنتاجي، ويتحدد الاقتصاد بوصفه جزءاً من منظومة أوسع تضم الإنسان والأفكار والزمن. ويقترح شروطاً حضارية لنهضة اقتصادية تجعل الإنسان المسلم عنصراً منتجاً في حركة التاريخ.
المحور الأول: عموميات البحث وحدود الاختيار الاقتصادي للمجتمع الإسلامي
يفتتح الكتاب بتحديد الإطار الفكري الذي تتحرك فيه القضية الاقتصادية في العالم الإسلامي. يعرض المؤلف حالة التردد الفكري التي عاشها المثقف المسلم بين نموذجين اقتصاديين مهيمنين في الفكر الحديث: الرأسمالية الليبرالية المرتبطة بأفكار آدم سميث، والاشتراكية المرتبطة بنظرية كارل ماركس. يَظهر هذان النموذجان في الخطاب الفكري بوصفهما الخيارين الوحيدين المتاحين.
يشرح الكتاب أن هذا التصور يعكس اختزالاً للمشكلة. الاقتصاد في حقيقته ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالبنية الحضارية للمجتمع. كل نظام اقتصادي يتشكل داخل منظومة قيم وثقافة وتاريخ، ولذلك فإن نقل النماذج الاقتصادية دون نقل شروطها الحضارية يؤدي إلى خلل في التطبيق.
يعرض المؤلف حدود الاختيار الاقتصادي للمجتمع الإسلامي من خلال عاملين أساسيين: مستوى الوعي الاقتصادي داخل المجتمع، والظروف التاريخية التي تحدد إمكانات التطور. يتحدد أي مشروع اقتصادي بمدى قدرة المجتمع على فهم مشكلاته الحقيقية وبمدى انسجام الحلول المقترحة مع بنيته الثقافية.
المحور الثاني: صورة المشكلات الاقتصادية في العالم الإسلامي
ينتقل الكتاب إلى تشخيص الواقع الاقتصادي للمجتمعات الإسلامية عبر قراءة الفوارق العالمية في الدخل والإنتاج. يعرض المؤلف معطيات تبين الفجوة الواسعة بين الدول الصناعية والدول النامية، ويستخدم هذه الفجوة بوصفها مؤشراً على ضعف القدرة الإنتاجية للمجتمعات المتأخرة.
يرسم الكتاب إطاراً جغرافياً واسعاً للعالم الإسلامي يمتد من شمال أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا. هذا المجال يضم موارد بشرية وطبيعية كبيرة، ومع ذلك تظهر فيه مستويات منخفضة من الإنتاجية والتنظيم الاقتصادي. يفسر المؤلف هذه الظاهرة بخلل في التفاعل بين الإنسان والموارد.
يعرض الكتاب تمييزاً مفاهيمياً بين الاقتصاد بوصفه نشاطاً إنسانياً طبيعياً لتنظيم الإنتاج والاستهلاك، وبين "الاقتصادانية" بوصفها فلسفة تختزل الحياة الاجتماعية كلها في العامل الاقتصادي. انتشار الاقتصادانية في الفكر الحديث أدى إلى تفسير كل الظواهر الاجتماعية وفق منطق المصلحة المادية.
المحور الثالث: الاقتصاد والاقتصادانية وتشوه الوعي الاقتصادي
يتناول هذا المحور بنية الوعي الاقتصادي داخل المجتمعات الإسلامية. يوضح الكتاب أن الفكر الاقتصادي الغربي نشأ عبر تطور تاريخي طويل رافق نشوء المؤسسات الصناعية والتجارية. الوعي الاقتصادي أصبح جزءاً من الثقافة الاجتماعية في تلك المجتمعات.
الوعي الاقتصادي الذي انتقل إلى العالم الإسلامي جاء عبر النقل الثقافي السريع دون المرور بالمراحل التاريخية التي شكلته. نتيجة ذلك ظهر نوع من التقليد الفكري للمفاهيم الاقتصادية دون قدرة على توظيفها في الواقع.
يحلل المؤلف دور المفاهيم الدينية في تشكيل الموقف من العمل والإنتاج، ويتوقف عند مفهوم الزهد. يوضح أن الزهد في معناه الإسلامي الأصلي يحرر الإنسان من الاستهلاك المفرط ويمنحه استقلالاً أخلاقياً يسمح بتوجيه الجهد نحو العمل والإبداع.
التفسيرات التاريخية المنحرفة للزهد أدت إلى تحويله إلى عزوف عن النشاط الاقتصادي، فظهر تعارض وهمي بين الروح الدينية والعمل الإنتاجي. يعيد الكتاب ربط القيم الدينية بالفعالية الاقتصادية عبر مفهوم العمل بوصفه قيمة حضارية.
المحور الرابع: شروط الانطلاق الاقتصادي
يخصص الكتاب هذا القسم لتحديد الشروط الحضارية التي تسمح ببدء نهضة اقتصادية حقيقية في العالم الإسلامي. يبدأ التحليل بنقد الفكرة الشائعة التي تجعل رأس المال نقطة البداية في عملية التنمية.
يرى المؤلف أن المال يؤدي وظيفة أداة في العملية الاقتصادية. العنصر الحاسم في النهضة يتمثل في الإنسان القادر على تحويل الموارد إلى طاقة إنتاجية. المجتمعات التي نجحت اقتصادياً اعتمدت على تعبئة طاقاتها البشرية قبل اعتمادها على الموارد المالية.
يقدم الكتاب تصوراً للاستثمار الاجتماعي يقوم على توظيف أربعة عناصر أساسية: الإنسان، والأفكار، والأشياء، والزمن. تتحول هذه العناصر إلى قوة إنتاجية عندما توجد منظومة ثقافية تحسن تنظيمها.
يتناول الكتاب أيضاً مسألة الربا في النظام المالي. يوضح أن النشاط الاقتصادي لا يتحدد حصراً عبر المؤسسات المصرفية القائمة على الفائدة. تجارب اقتصادية عديدة حققت نمواً كبيراً عبر تنظيم الإنتاج والتجارة دون الاعتماد على الربا بوصفه محركاً رئيسياً.
يضع المؤلف قاعدة اقتصادية ذات طابع أخلاقي واجتماعي تتكون من مبدأين متكاملين: ضمان حد المعيشة لكل فرد في المجتمع، وربط هذا الضمان بواجب العمل لكل قادر على الإنتاج. هذه القاعدة تؤسس لديناميكية اقتصادية تجمع بين العدالة الاجتماعية والفعالية الإنتاجية.
المحور الخامس: الأساس الأخلاقي للإنتاج والتوزيع
يؤسس هذا المحور البعد القيمي للنظام الاقتصادي. يقرر الكتاب أن الاقتصاد جزء من البناء الحضاري للمجتمع، وأن نجاحه مرتبط بالقيم التي تنظم العلاقات بين الأفراد.
النقاش الدائر بين الرأسمالية والاشتراكية يظهر في هذا السياق بوصفه نقاشاً جزئياً حول آليات التوزيع والإنتاج. المسألة الأعمق تتعلق بالمنظومة الأخلاقية التي تضبط النشاط الاقتصادي وتحدد أهدافه الاجتماعية.
يعرض المؤلف رؤيته للعلاقات الاقتصادية باعتبارها شبكة من التفاعلات بين الإنسان والأفكار والموارد والزمن. المجتمعات المتقدمة تنجح في إدارة هذه العلاقات بكفاءة، فتتحول الموارد المحدودة إلى إنتاج مرتفع. المجتمعات المتأخرة تعاني خللاً في إدارة هذه العناصر رغم توفر الموارد.
يلعب التعليم والثقافة دوراً مركزياً في بناء الوعي الاقتصادي. التكوين الفكري للمجتمع يحدد نظرته للعمل والمال والاستهلاك، ويشكل الأساس النفسي للنشاط الإنتاجي.
المحور السادس: المعادلة البيولوجية والاجتماعية للفرد في التجارب الاقتصادية
يختتم الكتاب بتحليل تجارب اقتصادية معاصرة لفهم العوامل الحقيقية للنجاح أو الفشل في خطط التنمية. يعتمد التحليل على مفهوم المعادلة البيولوجية والاجتماعية للفرد، أي العلاقة بين طاقة الإنسان الطبيعية وبين البيئة الاجتماعية التي يعمل داخلها.
يعرض المؤلف مثال خطة اقتصادية وضعت لإندونيسيا في منتصف القرن العشرين بإشراف الاقتصادي الألماني هيلمَر شاخت. الخطة اعتمدت على معطيات مالية وتنظيمية متقدمة، ومع ذلك واجهت صعوبات كبيرة في التطبيق. يفسر الكتاب ذلك بغياب التفاعل النفسي والاجتماعي بين المجتمع والخطة الاقتصادية.
ينتهي التحليل بتحديد هدف استراتيجي للاقتصاد في العالم الإسلامي يتمثل في تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي داخل الاقتصاد الوطني، ثم الانتقال إلى تعاون اقتصادي إقليمي بين الدول الإسلامية. هذا المسار يخلق كتلة اقتصادية قادرة على المشاركة في الاقتصاد العالمي بقدرة إنتاجية مستقلة.
_______________________________
منقول عن"Académie Malek BENNABI أكاديمية مالك بن نبي 21 يوليو 2026

كتب مالك بن نبي في كتابه مشكلة الثقافة: "إن من أوليات واجبنا أن تعود الثقافة عندنا إلى مستواها الحقيقي، ولذلك يجب أن نحد...
02/08/2026

كتب مالك بن نبي في كتابه مشكلة الثقافة: "إن من أوليات واجبنا أن تعود الثقافة عندنا إلى مستواها الحقيقي، ولذلك يجب أن نحددها عاملاً تاريخياً لكي نفهمها، ثم نظاماً تربوياً تطبيقياً لنشرها بين طبقات المجتمع."
في هذا المقطع، يضع مالك بن نبي الثقافة في موضعها الطبيعي: ك “أولوية واجب”. أي أنها تدخل في صميم المسؤولية الحضارية للمجتمع.
حين يدعو إلى تحديد الثقافة “عاملاً تاريخياً”، فهو يحررها من كونها مجرد معرفة نظرية، ويجعلها قوة فاعلة في صناعة الأحداث وتوجيه المسار. فالثقافة التي لا تؤثر في التاريخ، ولا تصوغ سلوك الناس، تبقى حبيسة الكتب والندوات.
ثم ينتقل خطوة أخرى أكثر عملية: الثقافة “نظام تربوي تطبيقي”. أي أنها لا تنتشر بالخطابات، بل بالمؤسسات، بالمناهج، بالأسرة، بالمدرسة، بالإعلام، وبكل ما يشكّل الإنسان منذ طفولته. إنها عملية بناء طويل، لا موجة عابرة.
بهذا التصور، تتحول الثقافة من شعار إلى برنامج، ومن تنظير إلى تربية، ومن نخبة إلى مجتمع. وهنا يكمن جوهر مشروع بن نبي: إعادة الثقافة إلى دورها كقوة تُنشئ الإنسان القادر على صنع التاريخ، لا مجرد استهلاكه.
___________________
منقول عن"الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية 22 يوليو 2026"

مالك بن نبي وتحذير اللحظة الأخيرة: إمّا التغيير الذاتي وإمّا التغيير المفروض"..اننا في فترة خطيرة تقتضي تغييرات ثورية: ف...
02/08/2026

مالك بن نبي وتحذير اللحظة الأخيرة: إمّا التغيير الذاتي وإمّا التغيير المفروض
"..اننا في فترة خطيرة تقتضي تغييرات ثورية: فإما أن" نقوم نحن المسلمون بالتّغيير في مجتمعاتنا وإما طبيعة العصر تفرض علينا تغيّيرات من الخارج كما هو حاصل الآن باليمن وظفار وغيرهما، لأن هذه روح العصر، فالذي يجب أن نؤكد عليه أولا وأن تتذكروه دائما: أننا إذ لم نقم نحن بثورتنا فإن التّغيير سوف يأتي من الخارج ,
ويفرض علينا فرضا. أعيد هذا... لأنه أمر أساس."
من الحوار الذي أجراه مالك بن نبي شهر سبتمبر 1973 (قبل وفاته بشهر) مع مجلة "العلم والإيمان" وهو نص لم يُعرف كثيرا ...

يكتسي هذا النص أهمية خاصة لأنه ورد في حوار أجراه مالك بن نبي في سبتمبر 1973، أي قبل وفاته بشهر واحد فقط، مما يجعله من آخر الشهادات الفكرية التي عبّر فيها عن رؤيته لمستقبل العالم الإسلامي. وهو نص يكشف بوضوح مدى انشغاله بسؤال التغيير الحضاري ومصير المجتمعات الإسلامية في عالم يشهد تحولات عميقة ومتسارعة.
ينطلق بن نبي من فكرة محورية في مشروعه الفكري، وهي أن التاريخ لا يعرف الفراغ ولا الجمود الدائم، وأن المجتمعات التي تعجز عن تجديد نفسها من الداخل تصبح موضوعا لتغييرات تفرض عليها من الخارج. لذلك نجده يؤكد على نحو لافت، ويكرر الفكرة مرتين، أن المسلمين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يبادروا هم إلى إحداث التغيير الضروري في أوضاعهم السياسية والاجتماعية والثقافية، وإما أن تتكفل "روح العصر" بفرض هذا التغيير عليهم بوسائل قد لا يملكون التحكم فيها.
ويكشف تكرار بن نبي لعبارة: "أعيد هذا... لأنه أمر أساس" عن إدراكه العميق لخطورة المرحلة التاريخية التي كان يعيشها العالم الإسلامي آنذاك. فهو لا يتحدث عن إصلاح جزئي أو تحسينات سطحية، وإنما عن ضرورة القيام بثورة حضارية شاملة تعيد بناء الإنسان والمؤسسات والأفكار بما يتلاءم مع مقتضيات العصر.
ويبدو النص اليوم أكثر راهنية مما كان عليه عند صدوره؛ إذ إن كثيراً من الأزمات التي عرفها العالم العربي والإسلامي خلال العقود اللاحقة يمكن قراءتها في ضوء هذا التحذير المبكر. فقد أثبتت التجربة أن تأجيل الإصلاح، وتعطيل المبادرات الذاتية، وإهمال بناء الإنسان والمؤسسات، غالباً ما يفتح المجال لتدخلات وضغوط وتحولات تأتي من خارج المجتمع وتفرض عليه مسارات لم يخترها بنفسه.
إن الرسالة الأساسية التي يتركها لنا مالك بن نبي في هذا النص هي أن التغيير ليس خياراً يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، بل هو سنة تاريخية حتمية؛ غير أن الفرق الجوهري يكمن بين تغيير تصنعه الأمة بإرادتها ووعيها ومشروعها الحضاري، وتغيير يُفرض عليها نتيجة عجزها عن القيام بواجب التجديد الذاتي. وهذه الفكرة تمثل أحد أكثر المفاتيح أهمية لفهم مشروع بن نبي بأكمله، القائم على أن النهضة تبدأ من الداخل قبل أن تتجلى آثارها في الخارج.
________________________
منقول عن"الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية 22 يوليو 2026"

الثقافة بين التعريف الأكاديمي والرؤية الوظيفية عند مالك بن نبيالثقافة مفهوم محوري في أدبيات مالك بن نبي. وقد تنبّه مبكرا...
02/08/2026

الثقافة بين التعريف الأكاديمي والرؤية الوظيفية عند مالك بن نبي

الثقافة مفهوم محوري في أدبيات مالك بن نبي. وقد تنبّه مبكرا إلى ضرورة النظر إليها من زاوية وظيفية عملية، لا من زاوية أكاديمية محايدة تكتفي بالتعريف النظري. ومن هنا بلور تصوراًد غائيا يجعل الثقافة ذات بعد تطبيقي يلامس واقع الناس.
فالذي يرسخ في نفوس الأغلبية الساحقة من المجتمع من أفكار وتصورات ومشاعر وقيم وأذواق هو ما يشكّل ثقافتهم الحقيقية، إذ ينعكس على سلوكهم الفردي والجماعي في البيت والمدرسة والشارع والإدارة والمسجد. ومن هذا المنظور، الثقافة ظاهرة اجتماعية تضبط وتوجّه السلوك العام بغضّ النظر عن مواقع الأفراد ومستوياتهم.
غير أنّ الثقافة ليست إيجابية بالضرورة؛ فقد تكون راقية ومبدعة كما قد تكون متخلفة و سلبية .
وهي بحكم كونها ظاهرة اجتماعية تتسم بالتجذّر والعمق، ما يجعلها عصيّة على التغيير السريع، وتستلزم معالجة طويلة الأمد تقوم على الفهم الدقيق لتشكلها وتطورها وتحولاتها.
كما أن الثقافة ليست مجرد انعكاس اجتماعي؛ بل هي المكوّن الأعمق في مشروع النهضة والحضارة. فالتغيير يبدأ من الفرد، لكنه لا يصير فاعلا إلا حين يتحول إلى وعي جماعي يستقر في ضمير المجتمع.
وهنا يبرز دور "القدوات"، ليس فقط في صور النخب الفكرية والسياسية، بل أيضاً في النماذج اليومية البسيطة: المربي، الموظف النزيه، التاجر الأمين... هؤلاء جميعاً يساهمون في تكوين الوعي الثقافي .
فالتحولات الثقافية العميقة لا تُختزل في السياسات أو "المنتجات الثقافية" الظرفية، بل في الأثر الدائم الذي تتركه على المجتمع حين تتحوّل القيم والأذواق والتصورات إلى سلوك واقعي معاش. ومن هنا فإن التحولات الكبرى والدائمة هي في جوهرها تحولات ثقافية، وهي لا تتحقق إلا بجهد جماعي متكامل يجمع بين التوعية والممارسة الميدانية والمدافعة السياسية والثقافية، مع إبراز نماذج وقدوات مجتمعية قادرة على إلهام الناس ودفعهم إلى التغيير.
ولهذا رأى بن نبي أن النهضة ، تبدأ بتحوّل ثقافي يعيد تشكيل الإنسان من الداخل.
س.ع
_____________
منقوا عن"الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية 22 يوليو 2026"

مقال"منهج القرآن في بناء الإدراكات الحضاريةقراءة في ضوء المنظور السنني الكوني الشامل وعلم اجتماع سنن النهضة الحضارية"بقل...
02/08/2026

مقال"منهج القرآن في بناء الإدراكات الحضارية
قراءة في ضوء المنظور السنني الكوني الشامل وعلم اجتماع سنن النهضة الحضارية"
بقلم: الدكتور مراد بوفولة
_______________________
مقدمة
إذا كان القرآن الكريم هو المصدر الأعلى للهداية، فإنه كذلك المصدر الأعلى لبناء الإنسان والحضارة. فالقرآن لم ينزل ليؤسس منظومةً عقديةً أو تشريعيةً فحسب، وإنما نزل ليعيد تشكيل إدراك الإنسان؛ لأن كل تحول حضاري يبدأ بتحول في الإدراك قبل أن يتحول إلى سلوك أو نظام أو عمران. ومن هنا نفهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، إذ إن التغيير يبدأ من داخل الإنسان، ومن طريقة فهمه لربه، ولنفسه، وللكون، وللتاريخ، ولرسالته في الحياة.
وفي هذا السياق يبرز المنظور السنني الكوني الشامل الذي يقدمه الدكتور الطيب برغوث، بوصفه رؤية تنطلق من القرآن الكريم لفهم سنن الله في الآفاق، والأنفس، والهداية، والتأييد. وهذه السنن ليست دوائر منفصلة، وإنما تشكل نسقًا معرفيًا متكاملًا؛ فسنن الآفاق تكشف قوانين الكون والعمران، وسنن الأنفس تبني الإنسان، وسنن الهداية ترسم المنهج، وسنن التأييد تبين شروط النصر والتمكين. ولا تعمل هذه السنن متفرقة، بل تتفاعل فيما بينها لتكوين رؤية قرآنية شاملة للنهضة.
وانطلاقًا من هذا النسق، يمكن القول إن القرآن يعتمد منهجًا متدرجًا في بناء الإدراكات الحضارية؛ يبدأ بتكوين الوعي، ثم يعمقه بالتدبر والفهم، حتى يتحول إلى إدراك قادر على توجيه الفعل الحضاري وإنتاج العمران.
أولًا: القرآن لا يقدم معلومات، بل يبني الإدراك
تتكرر في القرآن ألفاظ: يعقلون، يتفكرون، يتدبرون، يفقهون، يبصرون، يتذكرون، وهي ليست دعوات إلى المعرفة المجردة، بل هي دعوات إلى بناء إدراك شامل. فالقرآن لا يريد قارئًا يحفظ النصوص فقط، وإنما يريد إنسانًا يرى الوجود بمنظار الوحي، ويفسر الواقع وفق السنن الإلهية.
ولهذا جاءت العلاقة بالقرآن في مسار تربوي متكامل:
التلاوة: استقبال الوحي.
التدبر: البحث في السنن والمقاصد.
الفهم: بناء التصور الصحيح.
الإدراك: تشكل الوعي الحضاري.
الحفظ: تثبيت الوحي في العقل والقلب.
العمل: تنزيل الإدراك في الواقع والعمران.
إن هذه المراحل ليست غايات مستقلة، بل حلقات في منهج واحد هدفه صناعة الإنسان الفاعل.
ثانيًا: الإدراكات الحضارية المؤسسة
في إطار المنظور السنني، يمكن قراءة مجموعة من الإدراكات التي تشكل البناء الأول للإنسان الحضاري:
إدراك الفطرة، حيث يعيد القرآن الإنسان إلى أصله الذي فطره الله عليه، ليكون البناء الحضاري منسجمًا مع طبيعة الإنسان.
إدراك العقل، فالقرآن يحرر العقل من التقليد والجمود، ويجعله أداة للنظر والتعقل والتفكر.
إدراك الوحي، إذ يصبح الوحي المرجعية العليا التي تهدي العقل وتوجه الفطرة، فلا ينفصل التفكير عن الهداية.
إدراك التجارب السابقة، فالقرآن يحول التاريخ إلى مختبر سنني، يستخرج منه الإنسان قوانين النهوض والسقوط، لا مجرد أخبار الماضي.
إدراك التأييد، وهو إدراك أن النجاح الحضاري لا يتحقق بالأسباب المادية وحدها، بل باجتماع العمل بالسنن الكونية مع استحقاق سنن التأييد الإلهي.
ثالثًا: الإدراكات الحضارية التكاملية في علم اجتماع سنن النهوض الحضارية
وانطلاقًا من هذا البناء، يقترح علم اجتماع سنن النهضة الحضارية توسيع دائرة الإدراكات، حتى تكتمل الرؤية القرآنية للنهضة.
فأول هذه الإدراكات هو إدراك الله؛ لأنه أصل كل تصور حضاري، ومنه تتحدد الغاية والقيم والمعايير.
ثم يأتي إدراك الإنسان بوصفه خليفةً في الأرض، ومكلفًا بالإصلاح والعمران، لا مجرد كائن بيولوجي أو اقتصادي.
ويليه إدراك الكون باعتباره كتابًا منظورًا، تجري فيه سنن التسخير، ويدعو إلى الاكتشاف والبناء والإبداع.
ثم إدراك السنن، وهو الانتقال من تفسير الأحداث تفسيرًا عشوائيًا إلى فهم القوانين الإلهية التي تحكم الأفراد والمجتمعات والحضارات.
ويتكامل ذلك مع إدراك التاريخ والزمن الحضاري؛ فالتاريخ في القرآن ليس سردًا للماضي، بل وعيًا بحركة الأمم، والزمن ليس مجرد تعاقب للأيام، بل مورد حضاري ينبغي استثماره.
ثم يأتي إدراك الرسالة، حيث يدرك الإنسان أن وجوده ليس عبثًا، وأن للأمة رسالة حضارية تتمثل في الشهادة على الناس وإقامة العدل والخير.
ويتوج ذلك بإدراك المستقبل، فالقرآن لا يصنع إنسانًا أسير اللحظة، وإنما يصنع إنسانًا يستشرف المستقبل ويعمل له وفق السنن.
وأخيرًا إدراك الوعي الغائي، وهو قمة الإدراكات جميعًا؛ إذ تتوحد المقاصد، ويتجه العقل والعمل والعمران نحو الغاية الكبرى: عبادة الله، وتحقيق الاستخلاف، وإقامة العمران الراشد.
رابعًا: الإدراكات الحضارية نسق واحد لا جزر متفرقة
إن قيمة هذه الإدراكات لا تكمن في كثرتها، وإنما في ترابطها. فإدراك الله يؤسس لإدراك الإنسان، وإدراك الإنسان يقود إلى فهم الكون، وفهم الكون يكشف السنن، وفهم السنن يفسر التاريخ، وقراءة التاريخ تصنع الوعي بالرسالة، والرسالة توجه المستقبل، بينما يمنح الوعي الغائي هذه المنظومة كلها معناها واتجاهها.
وهكذا تتكامل سنن الآفاق والأنفس والهداية والتأييد في منظومة واحدة؛ فلا يتحقق العمران بالعلم وحده، ولا بالإيمان المجرد، ولا بالعمل المنفصل عن السنن، بل بالتكامل بين الوحي والعقل، وبين الإنسان والكون، وبين الأخذ بالأسباب واستحقاق التأييد الإلهي.
خاتمة
إن المنظور السنني الكوني الشامل، كما يطرحه الدكتور الطيب برغوث، يقدم قراءة قرآنية متماسكة لسنن الله في الكون والإنسان والهداية والتأييد، ويؤكد أن النهضة ليست فعلًا عشوائيًا، بل ثمرة للالتزام بالسنن الإلهية في نسق واحد متكامل.
كما يسعى علم اجتماع سنن النهضة الحضارية إلى تطوير هذا الأفق البحثي في المجال الاجتماعي والحضاري، من خلال دراسة كيف يبني القرآن الإدراكات التي تشكل وعي الإنسان والمجتمع، وكيف تتحول هذه الإدراكات إلى ممارسات اجتماعية، ثم إلى فعل حضاري وعمران إنساني.
وعليه، فإن مرجعية المنظور السنني الكوني الشامل، ومرجعية علم اجتماع سنن النهضة الحضارية، هي الوحي الإلهي، والقرآن الكريم على وجه الخصوص. ومن هذه المرجعية يستمدان منهجهما، وتنتظم مفاهيمهما في نسق معرفي متكامل، يجمع بين سنن الآفاق، وسنن الأنفس، وسنن الهداية، وسنن التأييد، ليقدم رؤية قرآنية متماسكة لبناء الإنسان، وإحياء الأمة، وصناعة النهوض الحضاري.
_______________
منقول عن"مراد بوفولة 27جويلية2026"

Adresse

الجزائر
Algiers

Site Web

Notifications

Soyez le premier à savoir et laissez-nous vous envoyer un courriel lorsque مكتبة مالك بن نبى للنهضة والتغيير publie des nouvelles et des promotions. Votre adresse e-mail ne sera pas utilisée à d'autres fins, et vous pouvez vous désabonner à tout moment.

Contacter L’organisation

Envoyer un message à مكتبة مالك بن نبى للنهضة والتغيير:

Raccourcis

Partager