02/08/2026
مالك بن نبي وتحذير اللحظة الأخيرة: إمّا التغيير الذاتي وإمّا التغيير المفروض
"..اننا في فترة خطيرة تقتضي تغييرات ثورية: فإما أن" نقوم نحن المسلمون بالتّغيير في مجتمعاتنا وإما طبيعة العصر تفرض علينا تغيّيرات من الخارج كما هو حاصل الآن باليمن وظفار وغيرهما، لأن هذه روح العصر، فالذي يجب أن نؤكد عليه أولا وأن تتذكروه دائما: أننا إذ لم نقم نحن بثورتنا فإن التّغيير سوف يأتي من الخارج ,
ويفرض علينا فرضا. أعيد هذا... لأنه أمر أساس."
من الحوار الذي أجراه مالك بن نبي شهر سبتمبر 1973 (قبل وفاته بشهر) مع مجلة "العلم والإيمان" وهو نص لم يُعرف كثيرا ...
يكتسي هذا النص أهمية خاصة لأنه ورد في حوار أجراه مالك بن نبي في سبتمبر 1973، أي قبل وفاته بشهر واحد فقط، مما يجعله من آخر الشهادات الفكرية التي عبّر فيها عن رؤيته لمستقبل العالم الإسلامي. وهو نص يكشف بوضوح مدى انشغاله بسؤال التغيير الحضاري ومصير المجتمعات الإسلامية في عالم يشهد تحولات عميقة ومتسارعة.
ينطلق بن نبي من فكرة محورية في مشروعه الفكري، وهي أن التاريخ لا يعرف الفراغ ولا الجمود الدائم، وأن المجتمعات التي تعجز عن تجديد نفسها من الداخل تصبح موضوعا لتغييرات تفرض عليها من الخارج. لذلك نجده يؤكد على نحو لافت، ويكرر الفكرة مرتين، أن المسلمين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يبادروا هم إلى إحداث التغيير الضروري في أوضاعهم السياسية والاجتماعية والثقافية، وإما أن تتكفل "روح العصر" بفرض هذا التغيير عليهم بوسائل قد لا يملكون التحكم فيها.
ويكشف تكرار بن نبي لعبارة: "أعيد هذا... لأنه أمر أساس" عن إدراكه العميق لخطورة المرحلة التاريخية التي كان يعيشها العالم الإسلامي آنذاك. فهو لا يتحدث عن إصلاح جزئي أو تحسينات سطحية، وإنما عن ضرورة القيام بثورة حضارية شاملة تعيد بناء الإنسان والمؤسسات والأفكار بما يتلاءم مع مقتضيات العصر.
ويبدو النص اليوم أكثر راهنية مما كان عليه عند صدوره؛ إذ إن كثيراً من الأزمات التي عرفها العالم العربي والإسلامي خلال العقود اللاحقة يمكن قراءتها في ضوء هذا التحذير المبكر. فقد أثبتت التجربة أن تأجيل الإصلاح، وتعطيل المبادرات الذاتية، وإهمال بناء الإنسان والمؤسسات، غالباً ما يفتح المجال لتدخلات وضغوط وتحولات تأتي من خارج المجتمع وتفرض عليه مسارات لم يخترها بنفسه.
إن الرسالة الأساسية التي يتركها لنا مالك بن نبي في هذا النص هي أن التغيير ليس خياراً يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، بل هو سنة تاريخية حتمية؛ غير أن الفرق الجوهري يكمن بين تغيير تصنعه الأمة بإرادتها ووعيها ومشروعها الحضاري، وتغيير يُفرض عليها نتيجة عجزها عن القيام بواجب التجديد الذاتي. وهذه الفكرة تمثل أحد أكثر المفاتيح أهمية لفهم مشروع بن نبي بأكمله، القائم على أن النهضة تبدأ من الداخل قبل أن تتجلى آثارها في الخارج.
________________________
منقول عن"الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية 22 يوليو 2026"