14/08/2026
🇩🇿 الجزائر... حين تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية
🚢🚆 الموانئ والسكك الحديدية والممرات الاقتصادية... فرصة الجزائر لتصبح شريانًا لوجستيًا لإفريقيا
في المنشور السابق تطرقنا إلى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAf) وما يمكن أن تفتحه أمام الجزائر من أسواق وفرص جديدة. لكن فتح الأسواق وحده لا يكفي؛ فالتجارة تحتاج قبل كل شيء إلى طرق وموانئ وسكك حديدية وخدمات تجعل حركة السلع أسرع وأقل تكلفة.
وهنا تحديدًا تظهر إحدى أهم نقاط قوة الجزائر: موقعها الجغرافي.
الجزائر تطل على البحر المتوسط في مواجهة جنوب أوروبا، وفي الوقت نفسه تمتد بعمق داخل القارة الإفريقية وتجاور عددًا من دول الساحل. وإذا أحسنّا استغلال هذا الموقع، وربطناه بشبكة نقل حديثة ومتكاملة، يمكن أن تتحول البلاد إلى واحد من أهم الممرات التجارية بين أوروبا وإفريقيا.
عدد من دول الساحل هي دول حبيسة لا تملك منفذًا مباشرًا على البحر، وبالتالي تتحمل تجارتها الخارجية تكاليف نقل وعبور مرتفعة. وهنا يمكن للجزائر أن تقدم مسارًا أقرب وأكثر تنافسية، من خلال ربط هذه الدول بالموانئ الجزائرية عبر الطرق والسكك الحديدية والمناطق اللوجستية.
تصوروا مثلًا شبكة تنطلق من موانئ الشمال، تمر عبر الهضاب والجنوب، ثم تتصل بدول الساحل. عندها لن تخدم هذه الشبكة الاقتصاد الجزائري فقط، بل ستصبح جزءًا من حركة التجارة الإقليمية نفسها.
ولهذا فإن مشاريع مثل السكة الحديدية شمال–جنوب، الطريق العابر للصحراء، توسعة ميناء عنابة، ربط ميناء جنجن بالطريق السيار، وتحديث الموانئ والمناطق اللوجستية يجب النظر إليها كمكونات لمشروع اقتصادي واحد، لا كمشاريع منفصلة.
الميناء في حد ذاته لا يصنع مركزًا لوجستيًا. قيمته الحقيقية تظهر عندما يكون مرتبطًا بسكة حديدية وطريق سريع ومخازن ومناطق نشاط، ومعه خدمات جمركية سريعة، نقل بري فعال، تأمين، بنوك، رقمنة ومناولة حديثة.
والأمر نفسه بالنسبة للسكك الحديدية. فدورها لا يقتصر على نقل المسافرين؛ بل يمكن أن تصبح العمود الفقري لنقل الحاويات والمواد المنجمية والمنتجات الصناعية والزراعية على مسافات طويلة وبكلفة أقل.
إذا نجحت الجزائر في بناء هذه المنظومة، فإن العائد لن يكون مجرد رسوم عبور.
كل حركة تجارية تمر عبر الأراضي الجزائرية تخلق نشاطًا حولها: نقل، تخزين، مناولة، صيانة، تأمين، خدمات مالية، مناطق لوجستية، فنادق، مطاعم، خدمات رقمية ومؤسسات جديدة. وهذا يعني مناصب شغل، استثمارات إضافية، ومداخيل يمكن أن يكون جزء منها بالعملة الصعبة.
والأهم من ذلك أن الجزائر تستطيع الانتقال من بلد عبور إلى بلد يضيف قيمة إلى البضائع العابرة؛ من خلال إنشاء مناطق للتحويل والتجميع والتوضيب والتخزين وإعادة التصدير بالقرب من الموانئ وعلى امتداد الممرات الاقتصادية.
وهنا تبدأ الفائدة الحقيقية.
فبدل أن تمر الحاوية عبر الجزائر فقط، يمكن أن تتوقف فيها، تتم معالجتها أو تحويل جزء من محتواها، ثم يعاد تصديرها إلى سوق أخرى. عندها لا نبيع طريقًا أو ميناء فقط، بل نبيع خدمة وقيمة مضافة وخبرة لوجستية.
كما أن البعد الاقتصادي لهذا التوجه سينعكس حتمًا على مكانة الجزائر إقليميًا. فالدولة التي تصبح موانئها وطرقها وسككها جزءًا من تجارة جيرانها تكتسب وزنًا أكبر في الشراكات والاستثمارات وفي شبكات التجارة الدولية.
وهذا هو المكان الذي تلتقي فيه ZLECAf مع مشاريع البنية التحتية الجزائرية: الاتفاقية تفتح المجال التجاري، أما الطرق والموانئ والسكك الحديدية فهي التي تجعل هذا المجال قابلًا للاستغلال فعليًا.
لكن النجاح يتطلب أكثر من الإسمنت والحديد. نحتاج كذلك إلى سرعة في الإجراءات الجمركية، رقمنة حقيقية، خدمات بنكية وتأمينية مناسبة للتجارة الإفريقية، مناطق لوجستية تنافسية، واتفاقيات عبور فعالة مع دول الجوار.
فالجزائر تملك الموقع، وتملك الموانئ، وتملك المساحة، وتنجز اليوم جزءًا مهمًا من البنية التحتية المطلوبة. والتحدي الحقيقي هو أن نجعل كل هذه العناصر تعمل ضمن شبكة واحدة متكاملة.
عندها فقط يمكن أن تصبح الجزائر فعلًا البوابة الشمالية لإفريقيا نحو أوروبا، والطريق الأقصر والأكثر جدوى لجزء من تجارة دول الساحل نحو العالم.
الجغرافيا تمنحنا موقعًا مميزًا... أما الاقتصاد فهو الذي يحول هذا الموقع إلى ثروة.
✍️ يتبع...
في المنشورات القادمة سنتطرق إلى محاور أخرى مرتبطة بهذه الرؤية، وعلى رأسها الطاقة، التمويلات الدولية، المقايضة والتبادل بالعملات المحلية، الصناعة، الأمن الغذائي والتكامل الاقتصادي مع دول الساحل وإفريقيا.
بقلم: فكير محمد
خبير اقتصادي
الأمين العام للمجلس الاقتصادي الجزائري التونسي
عضو المكتب الوطني للمنظمة الوطنية للتنمية الاقتصادية
#الجزائر #إفريقيا #اللوجستيك #الموانئ #التصدير #الاستثمار
Algerian Investment Promotion Agency الوكالة الجزائرية لترقية الإستثمار
حاضنة أعمال جامعة الجزائر2 - incubator alger2